يؤدي عادة الخطاب حول القضاء الى تحويل الدعوة الى "استقلالية القضاء" في دلالتها المفهومية الى مرادف للمطالبة بمنع تدخل غير القضاة في عمل  القضاء. فيما يكشف حديث "القضاة "عن" القضاء" عن  محدودية مجال نظر المتحدثين عن القضاء. فالخطاب القضائي الداخلي يعيد صياغة السؤال حول استقلالية القضاء في منطلقاته  ليركز على مكامن السلطة داخل القضاء. فحديث استقلالية القضاء هو بالدرجة الأولى مسألة ثقافية على علاقة مباشرة بطبيعة العلاقة بين القضاة. مقال القاضي التونسي "وليد المالكي" وهو عضو منتخب في الهيئة الوقتية للإشراف على القضاء العدلي من بين قضاة الدرجة الأولى، يتناول هذا الجانب من الاستقلالية وتحديداً الهرمية القضائية بما لها من تأثيرات على القضاة الشبان. وبالطبع الحديث عن هذه الهرمية يشكل مدخلاً ضرورياً لحماية ثقافة استقلال القضاء داخل مجتمع القضاة (المحرر).
 
يفقد الحديث عن مسار تأسيس قضاء مستقل معناه ومصداقيته إذا ما كان  القضاة الشبان يستبطنون فكرة دونية دورهم أو يتصورون ذواتهم مساعدين لكبار القضاة ينشئون أحكامهم وينفذون توجيهاتهم ويحرصون على إبراز ولائهم لهم للحصول على شهادة منهم في حسن السيرة تفتح لهم الباب ليحصلوا على الامتيازات. إذ يؤدي تحول علاقة المرؤوسية الى تبعية لـ"تدجين" القضاء بشكل يتنافى في جوهره ومضمونه مع أصل الوظيفة القضائية. ويمكن القول تأسيساً على ذلك إن استقلال القضاء لا يرجى تحققه إلا إذا غابت هذه الهرمية الإدارية قولاً وفعلاً. ويبدو القاضي الشاب التونسي في ظل حالة الحراك الكبرى التي يعرفها قطاعه في وضع يحمّله مسؤولية إعادة تأسيس تصوره لذاته ولدوره، وذلك رغم الصعوبات التي تعترضه لتحقيق ذلك.
ويدفعنا البحث في عقيدة الاستقلالية لدى القاضي الشاب الى تحديد مصادر صعوبات التأسيس لهذه العقيدة والتي يعود بعضها لإطار المحيط بالقاضي الشاب، فيما يتحمل بعضها الآخر سلوك هذا القاضي الذي يختار دوماً أن يكون غائباً عن مواطن القرار.
 
الثقافة الموروثة ودورها في الحد من دور القضاة الشبان في الإصلاح
يعود تواصل شعور القاضي الشاب بضغط من الهرمية القضائية بعدم حصول تغيير حقيقي في منظومة تقييم  أداء القضاة وغياب تصور لقواعد سلوك ودليل أخلاقيات جديدة تبين العلاقة بين القاضي ورئيسه المباشر. ويغيّب الخطاب القضائي والخطاب حول القضاء الذي يختزل استقلالية القاضي في استقلاليته عن السلطة التنفيذية البعد الذي يتعلق باستقلالية القاضي عن الهرمية الداخلية لقطاعه. ومن المهم التأكيد أن العلاقة بين القضاة على اختلاف درجاتهم يحكمها القانون ويجب أن تقوم على أساس التعاون والتشاور والتكامل وليس على أساس الأمر والطاعة، فذلك منطق الهرمية الإدارية، ولا يكون مقبولاً مطلقاً في إطار السلطة القضائية المؤسسة أصلاً على فكرة الاستقلالية.
 
ويعود تصور الجانب الأكبر من كبار القضاة لدورهم ودور القضاء الى موروث ثقافي تشكل في ظل حقبة  تبعية القضاء للسلطة التنفيذية ومراكز النفوذ السياسي. ويؤدي تصور كبار القضاة والقضاة الذين يحاولون التمثل بهم الى تحول المسؤول القضائي الى همزة وصل بين دوائر الحكم وتلك السلطة مع ما يستلزمه ذلك من استعمال التبعية القضائية الداخلية لتحقيق شروط علاقة التبعية الأصلية.
والمأمول اليوم هو تشكيل العقل القضائي الشاب وفق واقع حرّ ومستقل بعيداً كل البعد عن هذه الدوائر، بل في إطار الاستقلالية والنزاهة والحياد والكفاءة، خاصة أنّ عقول شباب اليوم تتشكّل وفق واقع لم تعد فيه الحواجز والموانع هي السائدة بل التدفّق المعرفي والتداخل الثقافي والتنوّع، وعدم الاحتكار والتوجيه للحقيقة هو الخيار الذي يعشقه الجيل الراهن ويرفض ما سواه.
وإنّ الارتباط بين جيل اليوم وجيل الأمس والالتحام ووحدة الرؤية يتوقّف أساساً على مدى استجابة الجيل القديم لواقع اليوم ورهاناته.
فالقضاء التونسي ينمو ويقوى بتجدّد الفكر الذي يتطلب أفقاً رحباً يستوعب الأطروحات كافة، ليعاد طرحها بالشكل الذي يتفق مع مصلحة القضاء والمجتمع. أمّا إذا استمر الوضع بالطريقة نفسها، فسيظلّ الوضع على حالة الجمود والفجوة التي لا تخدم المجتمع والأفراد على حد سواء. وإنّ مقولة ما ترك الأول للاحق شيئاً غير مجدية في نمو وتطور المجتمعات بل إنّها من عوامل التثبيط وقتل الإبداع.
فالقاضي الشاب هو في حاجة الى فهم ذاته الجديدة أو الى حل "أزمة الهوية" التي يعاني منها. وهذا الأمر يتطلب منه فهم التغيرات التي طرأت على كيانه، وقبولها والحصول على قبول الآخرين لها وإعادة تنظيم الاتجاهات والسلوكيات بنتيجة ذلك.
ولكن ماذا عن دور القاضي الشاب في تغيير تصور كبار القضاة لدوره؟ هنا نلحظ أن متناقضات عدة تحكم شخصية القاضي الشاب التونسي وتتعايش فيه، فيبدو القاضي ذاته حاضراً وغائباً، وثورياً ومحافظاً في الوقت ذاته. كما يجمع سلوكه بين القدرة على التأثير وغياب الأثر. ويحضر القضاة الشبان في المحاكم كقوة عمل فيما يغيبون في مواقع القرار وذلك بالنظر لكون تقلد المناصب القضائية يشترط الأقدمية والخبرة أي يقصيهم من مجالها. ويحضر القضاة أنفسهم كقوة فاعلة في المحافل الانتخابية لهياكل القضاة ومؤسساته، فيما يُغيّبون او يغيبون في الهياكل ذاتها باستثناء ما كان مسنداً لهم بحكم القانون. ويحضر القضاة الشبان في خطاب إصلاح القضاء فيما يسجل غيابهم عن ورشات إصلاح القضاء ولجان مراجعة القوانين.
ويبرر القضاة الشبان استقالتهم بضغط العمل وسيطرة شيوخ القضاء على المشهد القضائي بمختلف مستوياته. وتؤدي الاستقالة الاختيارية للعديد منهم من أدوارهم الى حرمان القضاء من صناعة مستقبله بعيداً عن الآثار السلبية للموروث الثقافي القضائي. بالمقابل، يستدعي تفعيل دور القضاة الشبان في إعادة بناء القضاء البحث في تطوير وعي هؤلاء الى ضرورة امتلاك حق المشاركة والحوار والاقتراح وصياغة المشاريع والبرامج. وقد يكون من المهم في هذا الإطار إعادة تعريف المفاهيم الكبرى مثل حياد القاضي وتحفظه من قبل هؤلاء لبناء قضاء مستقل ينظر للمستقبل ويؤسس له.
وقد يظهر دور القضاة الشبان في الهيئة الوقتية للإشراف على القضاء العدلي الذي يشكلون الكتلة الأهم صلبها وما توصلوا اليه من "نجاح على مستوى المشاركة في إدارة الشأن القضائي والدفاع عن استقلال القضاء" المدخل الأهم اليوم لإعادة تصور دور القضاة في إصلاح أمرهم القضائي.
 
*قاض تونسي و عضو في الهيئة الوقتية المشرفة على القضاء العدلي
 
نشر في العدد صفر من مجلة المفكرة القانونية في تونس