تشكل الأزمة السورية تحدياً كبيراً على مستوى الجنسية للأطفال المولودين في دول اللجوء، وقد تؤدي الى تزايد أعداد الأشخاص المهددين بانعدام الجنسية عالمياً مع استمرار وتفاقم الأزمة. ويقدر عدد الولادات الحاصلة في لبنان للاجئين السوريين منذ 2011ولغاية أيلول 2014 بـ36,871 ولادة، سبعون بالمئة منها غير مسجلة وفق مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين[1]. ويواجه هؤلاء الأطفال الذين لا يحوزون وثيقة ولادة خطر التعرض لانعدام الجنسية، إذ إنه سيكون من الصعب عليهم إثبات مكان ولادتهم وهوية أهلهم وتالياً تابعيتهم السورية في ما بعد، ما لم تُعتمد إجراءات استثنائية خاصة من قبل الدولة اللبنانية والسورية بهذا الصدد.
وتتضمن إجراءات تسجيل الولادة إدارياً للأجانب ثلاث مراحل:
أولاً، الحصول على شهادة ولادة من الطبيب المولّد مصادق عليها من المستشفى حيث تمت الولادة أو من القابلة القانونية التي قامت بالولادة؛
ثانياً، تنظيم وثيقة الولادة ومصادقتها لدى المختار الذي يتبع له مكان حصول الولادة؛
وثالثاً، التصريح بالولادة لدوائر الأحوال الشخصية المختصة حسب المحافظة حيث تمت الولادة. ولا بد من الإشارة هنا الى أن "تسجيل الولادة" بالنسبة للأجانب المولودين في لبنان هي عملية تسجيل واقعة الولادة وليست عملية قيد، نظراً لكون السلطات اللبنانية لا تمسك سجلات وقيود أحوال شخصية للأجانب.
ودون كل من هذه الخطوات عوائق عملية وإدارية بالنسبة للاجئين السوريين قد تؤدي الى عدم تسجيل الولادات وبالتبعية الى خطر انعدام الجنسية، في وقت تقاعست الدولة اللبنانية عن بلورة سياسة واضحة أو آلية استثنائية خاصة بهذا الوضع المستجد، عدا بعض الإجراءات المؤقتة والآنية التي تم إيجادها. وأهم هذه العوائق:

عدم حيازة الأهل مستندات ثبوتية
تشترط جميع مراحل تسجيل الولادات في لبنان إبراز وثائق ثبوتية للأهل، وهو ما يشكل عائقاً هاماً أمام العديد من اللاجئين السوريين الذين اضطروا للجوء الى لبنان دون أوراقهم الثبوتية بسبب الحرب في سوريا. ويعود سبب عدم تسجيل 40% من ولادات الأطفال السوريين في لبنان الى عدم حيازة الأهل المستندات الثبوتية المطلوبة من قبل السلطات اللبنانية.[2]

عدم حيازة الأهل إقامة شرعية في لبنان
تكمن الإشكالية الأكبر باشتراط الإقامة الصالحة للأهل في لبنان من أجل التمكن من تسجيل ولادات أطفالهم. فلا تزال الإدارة اللبنانية تربط تسجيل المولود من أب أجنبي بشرعية إقامة هذا الأخير ولم تقم بأي استثناء بالنسبة للاجئين السوريين، حيث تشدد تعاميم وزارة الداخلية على وجوب إبراز إقامة صالحة في لبنان أو قسيمة دخول صالحة الى لبنان. ومن شأن ذلك أن يحوّل المولود الى ضحية في حال عدم تمتع الأهل بوضع قانوني في البلاد. ويمثل هذا الشرط تحدياً بالنسبة للاجئين الذين دخلوا لبنان عبر المعابر غير الرسمية، إما بسبب اضطرارهم الى الهرب من دون المستندات الثبوتية المطلوبة للدخول الشرعي أو بسبب خطر التوقيف على الحدود السورية بالنسبة للبعض، كما بالنسبة للاجئين الذين دخلوا الى لبنان بصورة شرعية من دون أن يتمكنوا من تجديد إقامتهم لأسباب مختلفة، أهمها الرسوم المرتفعة للتجديد (300 ألف ل.ل. لكل شخص). ويضاف الى ذلك الحالات التي لا يمكن فيها تسجيل ولادات الأطفال السوريين بسبب غياب أحد الوالدين دون توافر مستنداته الثبوتية أو بسبب انفصال الأولاد عن عائلتهم بسبب ظروف الأزمة السورية.

صعوبة إثبات زواج الأهل
تشترط السلطات اللبنانية على الأهل إبراز مستندات تثبت زواجهم وهي يمكن أن تكون إما بيان قيد عائلياً لا يعود تاريخه الى أكثر من ستة أشهر مصادقاً عليه من وزارتي الخارجية اللبنانية والسورية، أو وثيقة زواج أو دفتر العائلة. ولا بد من الإشارة الى أن السلطات اللبنانية قد سهلت هذه الإجراءات عبر التعميم على دوائر النفوس بالاكتفاء بدفتر العائلة كمستند ثبوتي، إذا تعذر تقديم بيان قيد عائلي ونسخة طبق الأصل عن وثيقة الزواج.[3] ومن شأن ذلك أن يسهل إجراء تسجيل الولادة للكثير من اللاجئين السوريين، إذ يبدو أن هذا المستند هو الأكثر توافراً لديهم. ويعود ذلك الى أن هذه الوثيقة الأساسية تُعتمد للمعاملات الإدارية ذات العلاقة في سورية وبالتالي يحرص المواطن السوري على الاحتفاظ بها أكثر من سواها من المستندات الدالة على وضعه العائلي.

عدم الحصول على شهادة ولادة من طبيب أو قابلة قانونية
من الشائع في أوساط اللاجئين السوريين – خاصة غير المسجلين لدى مفوضية شؤون اللاجين التي تتولى تغطية عمليات الولادة بين 75% و100% - أن تتم الولادة في المنزل من دون أية معونة طبية، وذلك لأسباب شتى، منها بُعد أماكن تركز اللاجئين عن المستشفيات ومراكز التوليد من جهة وعدم توافر القدرة المادية لدفع بدلات أتعاب الأطباء والقابلات القانونيات من جهة أخرى. والولادة بهذا الشكل تؤدي الى عدم حصول المولود على شهادة ولادة مصادق عليها من الطبيب أو من القابلة القانونية. ويضاف الى ذلك أنه في بعض الحالات، قد يمتنع المستشفى عن إصدار شهادة الولادة إذا لم يسدّد الأهل كامل رسوم المستشفى، لا سيما إذا كانت الولادة معقدة. ونشير هنا الى أن وزارة الصحة وضعت رقماً ساخناً يمكن للأهل الاتصال به (هو 1214) لتتخذ الإجراءات بحق المستشفى ومنها إلزامه بإصدار الشهادة.

عدم الحصول على وثيقة ولادة مصادق عليها من المختار
في حال عدم وجود شهادة ولادة لدى المولود السوري، قد يتعذر تنظيم وثيقة الولادة ومصادقتها من قبل المختار، علماً أن قانون المختارين والمجالس الاختيارية لعام 1947 يعطي المختار حق المصادقة على وثيقة الولادة "بمعرفته الشخصية" في حال عدم وجود طبيب. لكن تطبيق هذا النص يبعث على الكثير من اللغط في دوائر النفوس حيث تعتبر مثل هذه الوثائق مبعثاً للشك في الكثير من الأحيان وتستدعي تحقيقاً إدارياً، لا سيما أن المديرية العامة  للأحوال الشخصية أصدرت تعميماً في العام 1988 جعل توقيع الطبيب أو القابلة على وثيقة الولادة إلزامياً لقبولها من قبل مأموري النفوس. وتتضاعف هذه الإشكالية بالنسبة للمولودين السوريين، لا سيما أن عنصر "المعرفة الشخصية" بين المختار والأهل يتضاءل احتمال توافره. ويبدو أن دوائر النفوس تتجه نحو عدم قبول تسجيل وثائق ولادة للاجئين سوريين من دون مصادقة طبية.
أما إذا امتنع المخاتير عن تنظيم وثيقة الولادة تعسفاً، فليس للاجئين آليات قانونية تسمح لهم بإلزامه بذلك. هذا مع الإشارة الى أن بعض اللاجئين قد لا يتمكنون من تسديد أتعاب المختار التي هي أصلا غير محددة، وهي قد تتراوح من لا شيء وأي مبلغ يود المختار تحديده.

ضرورة التصريح بالولادة خلال مهلة سنة
ينص القانون اللبناني على وجوب التصريح بكل ولادة تحصل في لبنان لدوائر الأحوال الشخصية خلال سنة على الولادة. وبعد انقضاء السنة، لا يعود القيد ممكناً إلا بموجب حكم قضائي رجائي عن القاضي المنفرد المدني.[4] إن هذه المهلة لتسجيل الولادة لدى الإدارة قصيرة نسبياً، فإذا لم تُحترم، وجب  اللجوء الى القضاء. وعدا أن هذا الأمر يختلف جذرياً عن الإجراءات المتبعة في سورية، فإنه يشكل تحدياً بالنسبة للكثير من اللاجئين، خاصة بالنسبة للكلفة العالية للإجراءات القضائية التي تفوق قدرة غالبيتهم. فضلاً عن ذلك، تجدر الإشارة الى أن ثمة اختلافاً في اجتهاد المحاكم حول إمكانية قبول دعاوى قيد لغير اللبنانيين، ما قد يعرّضهم لخطر انعدام جنسية أكبر ما لم يتم تسجيل ولادتهم إدارياً خلال مهلة السنة. وقد سهلت السلطات اللبنانية إمكانية أن يتم التصريح بالولادة الى مأمور النفوس الذي يعطيها رقماً وارداً دون تنفيذها ويحيلها الى دائرة النفوس المختصة، ما يقطع مرور الزمن على مهلة التسجيل الإداري ويسمح للأهل السوريين بتأمين الوثائق الثبوتية اللازمة لتسجيل الولادة على أن تستكمل المعاملة في وقت لاحق.
ولا بد من الاشارة الى ان هذه الاجراءات لا تكفي لتسجيل الولادة في سورية، اذ يجب ان يتم التصريح بالولادة الى السلطات السورية عن طريق السفارة خلال 90 يوما للمولود في الخارج، بعدها يكون هناك اجراءات ادارية معقدة. وهذا يطرح تحدياًاضافياً بالنسبة لعدد من اللاجئين الذين لا يستطيعون التواصل مع سفارتهم بسبب الخوف على حياتهم او حريتهم.
الى كل هذا، تضاف فئة الأطفال السوريين المولودين في سورية والذين اضطر أهلهم الى الهرب قبل إتمام معاملات تسجيلهم مع السلطات المعنية في سورية. وفي هذه الحال، ليس هناك أي التزام من جانب الدولة اللبنانية بتسجيل هذه الولادات، إذ إن مسؤولية الدولة تنحصر بتسجيل وقوعات الأحوال الشخصية الحاصلة على أرضها للأجانب. إلا ان هذه الفئة أيضاً تواجه خطر الوقوع في انعدام الجنسية في حال تعذر إتمام معاملات قيدها لاحقاً في سورية.

باحثة في جمعية روّاد فرونتيرز

نشر في العدد الثالث و العشرين من مجلة المفكرة القانونية في لبنان 

للإطلاع على النص مترجما الى اللغة الإنكليزية يمكنك الضغط هنا


[1]نشرة معلومات محدثة لمفوضية شؤون اللاجئين حول انعدام الجنسية – أيلول 2014.
[2]المرجع السابق.
[3]وزارة الداخلية والبلديات، المديرية العامة للاحوال الشخصية، مذكرة رقم 10/2، تتعلق بوجوب تبسيط الاجراءات في مجال تنفيذ وثائق الولادة العائدة للمواطنين السوريين والجارية وقوعاتها في لبنان، تاريخ 20/5/2014
[4]المادة 11 و12 من قانون قيد وثائق الاحوال الشخصية لعام 1951