مع تزايد أعداد اللاجئين السوريين في لبنان وغياب أيّ سياسات حكومية لتنظيم وجودهم، فرضت البلديات نفسها كسلطات محلية قادرة على التحرك في مواجهة أي مشاكل طارئة. وقد اختارت البلديات سياسة منع التجوّل كوسيلتي حكم وسيطرة استبداديتين. وهو إجراء يقيّد كثيراً حرية الأفراد في التنقل، وهي من الحريات الأساسية التي يحميها الدستور. سنحاول في هذه المقالة أن نفهم الدوافع التي أدت إلى انتشار قرارات فرض منع التجوّل على اللاجئين السوريين، وكيفية تطبيقها. كذلك، سنحاول تحليل تأثير هذه القرارات على اللاجئين أنفسهم. ويرتكز المقال على مقابلات نوعية مع ممثلي سبع بلديات (رؤساء بلديات، ونائبي رؤساء بلديات في المكلس والمنصورية والديشونية والزلقا وبرج حمود والشويفات وزوق مصبح وفرن الشباك) وسبعة لاجئين يعيشون في مناطق خاضعة لقرارات منع التجوّل.
وقد أشارت منظمة "هيومن رايتس ووتش" الى أنّ أكثر من خمس وأربعين بلدية فرضت منع التجوّل على اللاجئين السوريين الذين يعيشون في نطاقها البلدي (1). وتختلف هذه القرارات من منطقة الى أخرى: بعضها صادر عن المجالس البلدية، وبعضها الآخر اتخذه رؤساء البلديات بأنفسهم. وقد نشرت قرارات منع التجوّل عبر رفع لافتات في بعض المناطق، فيما أعلن عنها عبر مكبرات الصوت في أماكن أخرى. وتختلف أوقات منع التجوّل من منطقة الى أخرى، لكنّها جميعها في فترة الليل.

لماذا منع التجوّل؟
برر ممثلو بعض المجالس البلدية قرارات منع التجوّل كردة فعل على حصول "مشاكل"، رغم أنّ أيّاً منهم لم يتمكن من تقديم أمثلة واضحة على ذلك. ومن بين المشاكل العامة التي ذُكرت: زيادة عدد السكان السوريين، تجمع عدد من السوريين، شكاوى عن وجود غرباء يتجولون في الشوارع، خلافات بين اللاجئين السوريين، وحصول سرقات. ولم يؤكد أحد أنّه تعرف الى السارقين أو أن هؤلاء كانوا سوريين.
حاجج آخرون أنّ قرار فرض منع التجوّل اتخذ كنوع من التدبير الاحتياطي للحفاظ على سلامة السكان. وكما قال ممثل أحد المجالس البلدية، فإنّ القرار كان "لتجنب أوجاع الرأس" (عبارة باللغة المحكية اللبنانية تعني: تجنب المشاكل) رغم عدم حصول أيّ مشاكل أمنية في المنطقة. خير مثال على ذلك هي قرية عبرين في قضاء البترون، كما نقل المدون إلياس فارس. فرغم أنّ القرية لا تملك مجلساً بلدياً لكن بعض السكان علّقوا مناشير على الجدران والأبواب يخطرون عبرها السوريين بعدم استطاعتهم مغادرة منازلهم ليلاً، وحذروا السكان أيضاً من توظيف السوريين أو تأجيرهم منازلهم. ويشدد فارس على أنّه لم يكن هنالك أي أسباب لهذا المنع "المدني" للتجوّل، كون القرية لم تشهد أي مشاكل، لكن السكان سمعوا عن منع للتجوّل في قرى أخرى، فقرروا تطبيقه لديهم. ومن سخرية القدر أنه بعد تعرض منزل في القرية للسرقة، تبيّن أنّ الفاعل لبناني.
يظهر إذاً أنّ منع التجوّل ليس حلاً ضرورياً ومناسباً لمنع المشاكل التي تحدث عنها ممثلو البلديات. كل الأسباب التي ذكرت أعلاه تتعلق بحوادث أمنية صغيرة مثل السرقات أو الإزعاج نتيجة التجمعات العامة وهي تقع ضمن صلاحيات القوى الأمنية العادية ولا تتطلب إجراءات استثنائية تنتهك الحريات الأساسية.
 
كيف يتم تطبيق منع التجوّل
يعود لشرطة البلدية تطبيق قرارات منع التجوّل. وقد قال ممثلو بعض المجالس البلدية إنّه حين يجد عناصر الشرطة البلدية أشخاصاً سوريين وقد خرقوا منع التجوّل، يُطلب إليهم بكل تهذيب العودة إلى منازلهم. آخرون قالوا إنّ شرطة البلدية ترافق السوريين إلى مخافر الدرك حيث يتم إحتجازهم لحين انتهاء وقت منع التجوّل. قال غالبية ممثلي المجالس البلدية إنّه لا يسمح للاجئين السوريين بأن يخرجوا ليلاً للتنزه أو التسلية فلا ضرورة لذلك. لكنّهم يأخذون بعين الاعتبار حالات الضرروة كالطوارئ الطبية. وفي بعض المناطق، يُمنح السوريون الذين تتقاطع أوقات عملهم مع ساعات حظر التجوّل إذناً بلدياً بطلب من صاحب العمل، ما يسمح لهم بالتجوّل بعد سريان منع التجوّل.
لكن اللاجئين الذين تمت مقابلتهم من أجل كتابة هذه المقالة كانت لهم رواية أخرى عن كيفية تطبيق منع التجوّل، أسوأ ما فيها تشجيع المدنيين اللبنانيين على العنف. لم يتحدث أي من اللاجئين السوريين عن عنف مارسته ضدهم شرطة البلدية أثناء تطبيق منع التجوّل. قال أحدهم إنّ الشرطة طلبت منه بأدب العودة إلى المنزل. في المقابل، قالت امرأة تعيش مع زوجها وأولادهما الأربعة في غرفة صغيرة، إنّ عناصر الشرطة صرخوا في وجههم أثناء جلوسهم قرب مدخل المبنى الذي يسكنونه في ليالي الصيف الحارة.
 لكنّ هؤلاء تحدثوا بالمقابل عن أعمال عنف مارسها بحقهم مواطنون لبنانيون مدنيون. تعرض أحد اللاجئين للضرب على أيدي لبنانيين اثنين، رأياه يتمشى بعد سريان منع التجوّل. كما صرحت امرأة أخرى أنّ مجموعة من المدنيين اللبنانيين أوقفت سيارة زوجها، الذي يعمل في البناء، أثناء توجهه لمعالجة أمر طارئ في موقع عمله. أرغم الرجال، المسلحون بالعصي، زوجها وزملاءه على الوقوف مقابل أحد الجدران أثناء تفتيشهم السيارة، ومن ثم رموا عدة البناء، وأهانوهم لفظياً وصادروا جوازات سفرهم. وحين كانوا يهمّون بضربهم وصلت شرطة البلدية ووضعت حداً لما يحصل. برر المدنيون فعلتهم بأنّ السوريين كانوا يخرقون منع التجوّل. قال عناصر الشرطة إنّهم مسؤولون عن تنفيذ منع التجوّل لا المدنيون. لم ينس عناصر الشرطة الصراخ بوجه السوريين لخرقهم منع التجوّل قبل أن يطلقوا سراحهم. وفق المدوّن إلياس فارس، شكّل مدنيون في قريته مجموعة أمنية لفرض منع التجوّل، ويقومون بدوريات في الليل في القرية وقد اعتدوا جسدياً على لاجئين سوريين.

كيف يتم التعرّف على السوري؟
"ألم تر واحداً بعد؟"، قال ممثل أحد المجالس البلدية بعد سؤاله عن الطريقة التي تتعرف فيها البلدية على المواطنين السوريين. أضاف أنّ السوريين يتجولون ليلاً في مجموعات صغيرة وهم يلبسون "الشحاطة" (الخف المنزلي) ويبدون كأنّهم عمال بناء. اعترف أيضاً بأنّ لا أحد يزعج أي سوري لا يبدو عليه أنّه عامل بناء. كان من الواضح أنّ معظم البلديات لا تستهدف من خلال منع التجوّل السوريين فقط، بل كل "أجنبي". حين سئل عما إذا كان الفرنسيون مجبرين على احترام منع التجوّل، شعر ممثل أحد المجالس البلدية إنّ السؤال استفزازي، وأضاف أنّهم لا يزعجون "هذا النوع من الأجانب" لأنّهم لا يتسببون بمشاكل، كما يفعل العمال المهاجرون. في إحدى المناطق، يُشتبه بكل راكبي الدراجات النارية على أنّهم أجانب يخرقون منع التجوّل.
فيما يتم اعتماد معايير مختلفة من منطقة لأخرى لتمييز السوريين أو الأجانب، من الواضح أنّ هناك معياراً واحداً يطغى في كل الأماكن: منع التجوّل يستهدف الفقراء. بدت الطبقية واضحة في كل مقابلاتنا مع ممثلي المجالس البلدية الذين يستهدفون الأجانب وفقاً لنوع العمل الذي يمارسونه، ووفق طبقتهم الاجتماعية، إذ لا يتم تقييد حرية تنقل السوريين والأجانب الميسورين.

منع التجوّل كنوع من العنف
قال اللاجئون إنّ منع التجوّل أثّر على حياتهم اليومية فلم يعودوا يستطيعون مغادرة منازلهم ليلاً، كما أثر على وضعهم الاقتصادي، كونهم لم يعودوا يستطيعون العمل ليلاً. إحدى النساء المستطلعات قالت إنّها أجبرت على إخراج ابنها من المدرسة كي يعمل أثناء النهار ويعوّض النقص في مدخول زوجها بسبب منع التجوّل الليلي. في هذا المثال، نرى كيف أنّ منع التجوّل تسبب مباشرة في حرمان طفل من التعليم ومنع حمايته من عمالة الأطفال.
وفيما يتم تبرير منع التجوّل بالحاجة لتجنب العنف، يشكل هذا الإجراء بحد ذاته عنفاً يستهدف الشريحة الأفقر بين اللاجئين السوريين. ويظهر هذا العنف جلياً في جانبين:

الأول، ينتج العنف من حبس اللاجئين داخل منازلهم، خصوصاً مع اضطرار معظمهم للبقاء في أمكنة صغيرة ومكتظة. يتم تبرير الحبس، وهو أعلى درجات الحرمان من الحرية، بالحاجة لحماية المجتمع عبر عزل أفراد يقترفون جرائم. لكن الجريمة الوحيدة المرتكبة هنا هي الانتماء إلى جنسية معيّنة وطبقة اجتماعية ما. إذاً، يعزز منع التجوّل تعميمٌ مفاده أنّ كلّ السوريين، حتى المدنيون غير المسلحين منهم، خطرون. لقد تم عزل وحبس الشريحة الأفقر بين اللاجئين السوريين واعتُبروا خطراً على المجتمع.

ثانياً، لقد منح منع التجوّل اللبنانيين مجالاً لممارسة العنف ضد اللاجئين، وشجع على تشكيل مجموعات مدنية تفرض الأمن وفق أهوائها الخاصة. ويبرهن الحادث الذي جرى مع العامل السوري أعلاه كيف يستخدم المدنيون اللبنانيون منع التجوّل كسلطة للترهيب والاعتداء على اللاجئين السوريين. كانت هذه الحادثة مشهداً مألوفاً في الحرب الأهلية التي لا تزال متجذرة في الذاكرة الجماعية لكل اللبنانيين، وهو سيناريو يتم فيه الاعتداء على الناس الذين يخافون على حياتهم بسبب انتمائهم إلى مجموعة من "الآخرين". إذاً، أعاد منع التجوّل تعزيز الخوف من "الآخرين" وبرر العنف تجاههم.

 في الختام، يؤدي منع التجوّل المفروض على مجموعة معينة من الأشخاص الى تصنيفهم ضمن الأشخاص الخطرين، وينشر بالتالي الخوف منهم ويبرر في الوقت نفسه العنف تجاههم. ليس منع التجوّل تهديداً فقط للاجئين أو العمال المهاجرين في لبنان بل هو خطر على كل المواطنين، إذ يكشف عن نظام غير سوي يتلاعب بالقوة ويمجد السلطة. إذا سمحنا بعنف مماثل تجاه اللاجئين، فلمَ لا يُمارس على لبنانيين أيضاً؟

* باحثة وكاتبة نسوية. تحمل شهادة الماجيستير في دراسات الجندر والمرأة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

نشر في العدد الثالث و العشرين من مجلة المفكرة القانونية في لبنان 

للإطلاع على النص مترجما الى اللغة الإنكليزية يمكنك الضغط هنا
 
هوامش
(1)   http://www.hrw.org/news/2014/10/03/lebanon-least-45-local-curfews-imposed-syrian-refugees