بعد تدهور الأوضاع الأمنية في سوريا، امتنعت المديرية العامة للأمن العام عن تسليم المواطنين السوريين الى سلطات بلدهم معلنةً التزامها بمبدأ عدم ترحيلهم. لكنها رغم ذلك، طوّرت ممارسة تقضي بترحيلهم قانونياً من خلال إصدار قرارات بالإخراج من لبنان بحقهم وإبلاغهم بوجوب مغادرة الأراضي اللبنانية. وهي بذلك بدت وكأنها تلتف حول عدم جواز الترحيل القسري من خلال وضع اللاجئين في أوضاع هشة تقودهم عملياً الى مغادرة لبنان كلما كان ذلك ممكناً. وعليه، وبعد أن استخدمت في السابق الاحتجاز التعسفي المطوّل كوسيلة ضغط لإرغام اللاجئين، وخاصة العراقيين والسودانيين منهم، على "الموافقة" على العودة الى بلدهم، أصبحت اليوم تستخدم آلية رفض منح الإقامة لأعداد من اللاجئين السوريين في لبنان كوسيلة للضغط عليهم لمغادرة لبنان الى موطن آمن أو للعودة الى بلدهم رغم ما يتعرضون له من عنف وتهديد هنالك. وهذه هي الآلية التي ستتناولها هذه المقالة بعد استعادة سريعة للآلية السابقة التي أسالت الكثير من الحبر، وخصوصاً حين ارتفعت أعداد اللاجئين العراقيين في لبنان.
 
أداة سابقة لفرض الترحيل: الاحتجاز التعسفي كوسيلة ضغط
ابتداءً من الألفية الثالثة، وبعد ارتفاع مستوى التنديد بهذه الممارسة المخالفة للعرف الدولي بعدم جواز ترحيل اللاجئين، امتنعت المديرية العامة للأمن العام عن ترحيل اللاجئين مباشرة لكنها باشرت باحتجاز أعداد منهم - كانت تصل أحياناً الى مئات الأشخاص - لفترات طويلة ودون أي سند قانوني كوسيلة ضغط على مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين للإسراع في إعادة توطينهم في بلد آخر، أو للضغط عليهم للموافقة على مغادرة لبنان.[1] وفي هذه الحالة، يتم تظهير مغادرتهم للبنان على أنها عودة "طوعية" وليست ترحيلاً قسرياً. وقد تجاهلت هذه السياسة ليس فقط الخطر على حياة اللاجئين في حال عودتهم الى بلدهم بل أيضاً طول وبطء إجراءات إعادة توطين اللاجئين الى دولة ثالثة. وقد أدان القضاء اللبناني والجهات الدولية المعنية[2] هذا الاحتجاز المطوّل كونه مخالفاً للدستور اللبناني وللقوانين اللبنانية والاتفاقيات والأعراف الدولية، خاصة أن الحرمان من الحرية من دون سند قانوني ومن دون رقابة قضائية لأجل غير محدد يشكل أعمال تعذيب جسدي ونفسي. وقد استمرت هذه الممارسة ولو بوتيرة أخف رغم صدور العديد من الأحكام القضائية التي تمنع ترحيل اللاجئين وتلزم الأمن العام بإطلاق سراحهم. لكنها لم تطبق على اللاجئين السوريين نتيجة قرار سياسي لبناني بعدم ترحيلهم الى بلدهم.
 
قرار سياسي بوقف ترحيل المواطنين السوريين الى بلدهم
ليس واضحاً متى توقف الأمن العام عن تسليم السوريين الى السلطات السورية. لكن الجدل الإعلامي والسياسي الناتج من حادثتين منفصلتين جرى فيهما ترحيل لمواطنين سوريين أدّى الى تكريس هذا الموقف علناً. الحادثة الأولى وقعت في أيار 2011 حين سلّمت السلطات اللبنانية ثلاثة جنود مصابين من الجيش السوري النظامي وجثة جندي رابع الى السلطات السورية بعد أن عبروا الحدود الى لبنان. وكانت ظروف دخولهم الى لبنان غير واضحة، إذ نقل البعض أنهم فروا من الجيش السوري النظامي بعد أن رفضوا تنفيذ أوامر تقضي بإطلاق النار على مدنيين سوريين في تلكلخ، وأصيبوا بطلقات نارية من الجيش النظامي خلال فرارهم؛[3] فيما أعلن الجيش اللبناني أنهم دخلوا الأراضي اللبنانية للاحتماء من الرصاص خلال اشتباكات الجيش السوري مع مسلحين وأنه تم تسليمهم الى السلطات السورية بناءً على طلبهم وبعدما تأكد الصليب الأحمر الدولي من رغبتهم بالعودة الى سوريا.[4] لكن الحادثة الثانية التي وقعت في آب 2012 هي التي بلورت القرار السياسي الواضح بعدم جواز تسليم السوريين الى السلطات السورية، وذلك بعدما أقدم الأمن العام على ترحيل 14 سورياً الى الحدود اللبنانية – السورية وتسليمهم الى سلطات بلدهم. وقد لاقت عملية الترحيل هذه استنكار أكثر من قوة سياسية ودول ممولة (كالولايات المتحدة الأميركية[5] والاتحاد الأوروبي[6]) ومنظمات حقوقية،[7] خاصة أن أربعة منهم على الأقل أعلموا الأمن العام بخوفهم على حياتهم وحريتهم في حال إعادتهم الى سوريا دون أن يتمكنوا من مقابلة مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. وقد أعاد الأمن العام حينها تأكيد التزامه بعدم ترحيل من قد يتعرض للخطر في بلده وبرر هذه الترحيلات بملفات قضائية وأمنية.[8] وقد أدّت هذه الحادثة بما لها من تداعيات مباشرة الى إصدار قرار سياسي بمنع ترحيل المواطنين السوريين الى بلدهم.
 
آلية الدعوة الى الرحيل أو الترحيل القانوني
التزم الأمن العام شكلياً بهذا القرار السياسي وامتنع عن تسليم المواطنين السوريين الى السلطات السورية. ونظراً لتزايد أعداد اللاجئين السوريين ولعدم إمكانية إعادة توطينهم في بلد ثالث، سرّع الأمن العام إجراءات التحقيق مع الموقوفين منهم، فبات يطلق سراحهم بعد احتجازهم لأيام قليلة في نظارته. إلا أنه استمربالمقابل بإصدار قرارات بإخراجهم من الأراضي اللبنانية وبإبلاغهم وجوب مغادرتها خلال مهلة معينة (تتراوح عادة بين يوم وأسبوعين) وبمنع دخولهم الى لبنان مجدداً. وقرارات الإخراج هذه تصدر عادة بحق أي سوري تم توقيفه في قضية جزائية مهما كان نوع هذه القضية وبمعزل عن مدى ثبوت الجرم الذي اشتُبه به والنتيجة التي قد تؤول اليها محاكمته.

وتؤثر هذه القرارات في أوضاع اللاجئين السوريين من وجهتين اثنتين:

الأولى، جعلهم في موضع الخارجين عن القانون بسبب بقائهم في لبنان بعد انتهاء مدة إقامتهم وبسبب رفضهم تنفيذ القرار بترحيلهم والذي يشكل جرماً خاصاً وفق قانون العقوبات. ومن شأن هذا الواقع أن يعرضهم للملاحقة القانونية ولعقوبات بالحبس قد تصل الى ستة أشهر.[9] ومن هذه الوجهة، تصبح استفادة اللاجئ من حقه بالحماية من الترحيل تشكل جرماً وفقاً لهذه الممارسة.

الثانية، حرمانهم من الحقوق التي يرتبط التمتع بها بحيازة إقامة رسمية في لبنان كفتح حساب مصرفي والعمل نظامياً وتسجيل الأولاد في المدارس الرسمية وإمكانية تسجيل الزواجات والولادات الحاصلة في لبنان (ما قد يحرم الأطفال السوريين من إمكانية إثبات جنسيتهم السورية) والتنقل بحرية دون الخوف من التوقيف والملاحقة القانونية. كما يؤدي ذلك الى تردد اللاجئين عن اللجوء الى الدولة وأجهزتها الأمنية، أو عن الاستفادة من حمايتها في حال تعرضهم لأي جرم. وهو ما يضعهم ليس فقط في عداد الخارجين عن القانون بل أيضاً في عداد الأشخاص الخارجين عن حماية القانون.
ويبرر الأمن العام هذا التناقض بين الموقف الرسمي والممارسة بأن "الترحيل يعني تسليمهم مباشرةً إلى أجهزة الأمن السوريّة" في حين أن "طلب المغادرة يعني أن يُغادروا الحدود اللبنانيّة - السوريّة بشكلٍ طبيعي".[10] وهذا التبرير يصطدم بالقانون اللبناني الذي يُدخل من جهة التنفيذ الطوعي ضمن آليات تنفيذ قرارات الترحيل (أي مغادرة الأجنبي لبنان بوسائله الخاصة)،[11]ويُعاقب من جهة أخرى أي امتناع عن التنفيذ الطوعي لقرارات الإخراج (أي عدم مغادرة الأجنبي لبنان ضمن المهلة) كما سبق بيانه.
ومجدداً، تظهر هذه الممارسة انعدام وعي السلطات اللبنانية وتحديداً الأمن العام على الرابط الحتمي بين عدم جواز ترحيل اللاجئين ووجوب منحهم إقامة رسمية على أراضي البلد الذي لجأوا اليه. أما أن يحجب عنه هذا الحق وتتحول إقامته في بلد اللجوء بحد ذاتها الى جرم، فذلك بمثابة ترحيل قسري. فكما لا تشكل عودة اللاجئ الى بلده عودة طوعية إذا كان محتجزاً في بلد اللجوء وفق المعايير الدولية، كذلك يشكل عدم منحه إقامة في بلد اللجوء شكلاً من أشكال "الترحيل بأمر الواقع" De facto refoulement[12]

ترحيل تحت غطاء التشجيع: سياسة أمنية أم سياسة حكومية؟   
من الواضح أن خلفية هذه الممارسة هي اعتماد سياسة تقليص أعداد اللاجئين السوريين في لبنان. واستمرارها يساهم في تفسير أحد بنود السياسة المعلنة للحكومة اللبنانية الأكثر غموضاً في ما يتصل باللاجئين السوريين وهو البند الآيل الى تشجيع اللاجئين السوريين على مغادرة لبنان بكل الوسائل الممكنة.[13] فما هي وسائل التشجيع التي تقصدها الحكومة؟ وهل يقصد منه وضعهم في موضع الخارج عن القانون وعن حمايته لحملهم على مغادرة لبنان؟ إذا صح ذلك، تتحول الممارسة موضوع هذه المقالة من ممارسة لجهاز أمني الى ممارسة حكومية.
والواقع أن هذه السياسة المخالفة للأعراف الدولية تؤدي عملياً الى إبقاء اللاجئين السوريين في موضع هشاشة خارج القانون في لبنان، وفي الغالب بعيداً عن أعين الأجهزة الأمنية ورقابتها، أكثر مما يؤدي الى عودتهم الى بلدهم الذي يخشونه أو رحيلهم الى أي بلد آخر. فغالباً ما تكون حظوظ اللجوء الى أي بلد آخر شبه معدومة. والسفارة السورية في لبنان نادراً ما تصدر جوازات سفر جديدة أو تمدد صلاحيتها، بل تفرض على طالبيها العودة الى سوريا للحصول على موافقة المخابرات والأجهزة الأمنية السورية. كما أن معظم الدول الأوروبية أغلقت أبوابها أمام اللاجئين السوريين، فيكون الطريق الوحيد للمغادرة اليها هو عبور البحر الأبيض المتوسط على بواخر المهربين، مع ما يستتبعه من مخاطر.
 
 
*محامية وباحثة في القانون, عضو في المفكرة القانونية

نشر في العدد الثالث و العشرين من مجلة المفكرة القانونية في لبنان

للإطلاع على النص مترجما الى اللغة الإنكليزية يمكنك الضغط هنا



[1]ا شقاءٌ هنا أو موتٌ هناك: خياراتٌ بائسة للاجئين العراقيين في لبنان، هيومن رايتس ووتش، 2007؛ اللجوء الى الاحتجاز التعسفي: سياسة فوق الدستور، جمعية روّاد فرونتيرز، 2010
[2] سارة ونسا، لبنان مدان دوليا: ما يمارسه الأمن العام يسمى احتجازا تعسفيا أو بانتظار غودو، المفكرة القانونية، عدد 7، شباط 2013؛ اللجوء الى الاحتجاز التعسفي: سياسة فوق الدستور، جمعية روّاد فرونتيرز، 2010
[7] بيان ممثلة الاتحاد الاوروبي حول ترحيل السوريين الى سوريا من قبل السلطات اللبنانية، تاريخ 4-8-2012
[9] بياني المديرية العام للأمن العام في 2-8-2012و4-8-2014
[10] المادة 17 من قانون الدخول الى لبنان والاقامة فيه والخروج منه، الصادر في 10-7-1962
[11] المادة 89 من قانون العقوبات والمادة 34 من قانون الدخول الى لبنان والاقامة فيه والخروج منه، الصادر في 10-7-1962
[12] دليل العودة الطوعية، مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، 1996، الفقرة 2-3
[13] مقررات جلسة مجلس الوزراء في 23-10-2014 (الموافقة على ورقة سياسة النزوح السوري الى لبنان)