شكلت "ورقة سياسة النزوح" التي صادقت عليها الحكومة اللبنانية في 23-10-2014 الورقة الأولى من نوعها منذ بدء تدفق اللاجئين السوريين الى لبنان في 2011.[1] وقد اعتمدت هذه الورقة لتقديمها رسمياً في مؤتمر دولي في برلين حول وضع اللاجئين السوريين بعد إنتقاد المجتمع الدولي أن لا استراتيجية لدى لبنان لمعالجة هذه الأزمة.وقد أقرت الحكومة فيها ضمنا أنها لا تجهد نفسها لوضع سياسات الا عند الضرورة. فهي تتعامل عموما مع المشاكل بنوع من التراخي من خلال انكارها أو التخفيف من شأنها، لتعود وتضع سياسات عند تفاقمها وغالبا تحت وطأة الأمر الواقع. فبعدما نصت الورقة في مستهلها على ان لبنان "اعطى مثالاً عالمياَ فريداً بمدى التزام المبادئ الانسانية وتطبيقها تجاه الشعب السوري الجار والشقيق"، أشارت الى أنه"أصبح على شفير انفجار اجتماعي اقتصادي أمني يهدّد وجوده، ان لم يعمد، ... الى اتباع سياسة مسؤولة تؤدّي الى تقليص أعداد النازحين السوريين الموجودين على أرضه والى توفير أمن اللبنانيين والسوريين، والى تخفيف الأعباء عن شعبه واقتصاده". وبذلك، تكون الحكومة قد أعلنت رسميا الانتقال من مرحلة الحفاوة والكرم من دون حساب (أي التخلي عن سياسة التراخي أو تجاوز العجز في اتخاذ القرارات) الى مرحلة الحساب المسؤول وذلك نزولا عند الضرورة، وهو انتقال بدأ تدريجيا مع بدء عمل الحكومة الحالية في أوائل 2014. وهذا ما سنحاول تبيان أبرز ملامحه أدناه.  

1-ملامح السياسة اللبنانية في قضية اللجوء في الفترة الأولى (2011- بدايات 2014): سياسة النعامة في موازاة تنامي سلطات مبعثرة:
من أهم ملامح السياسة اللبنانية خلال هذه الفترة اتباع ما يشبه سياسة النعامة. ويبدو أن هذه السياسة قد  فرضت نفسها تبعا لعجز الحكومة السابقة عن اتخاذ قرارات، فغطّت عجزها بتهميش الأزمة وانكار التداعيات التي قد تسفر عنها. وما أسهم في ذلك بشكل خاص هو أن تأليف الحكومة السابقة قد استغرق أشهرا عدة وتحولت الى حكومة تصريف أعمال طوال السنة الأخيرة من عمرها (2013-2014)، فضلا عن انتقاصها الى المشروعية السياسية تبعا لاستبعاد قسم أساسي من المكونات السياسية في لبنان (قوى 14 آذار). وفي موازاة هذه السياسة، شهد لبنان بشكل مطرد تنامي السلطات المبعثرة سواء على نطاق البلديات أو الأجهزة الأمنية.

سياسة النعامة
برزت هذه السياسة ليس فقط في نقص السياسات العامة الواضحة لمجابهة الأزمة، انما أيضا وبشكل صارخ، في المفردات أيضا.  

تجنب استخدام مفردات اللجوء: هنا نلحظ بشكل لافت هوس الحكومة في استبدال مفردات اللجوء بمفردات لها معان مختلفة في مجمل الوثائق والمراسلات الرسمية. والمثال الأبرز على ذلك هو استبدال مفردة "اللاجئ" بمفردة "النازح"، رغم اختلاف المعنى. فالنازح هو الذي ينزح من منطقة الى أخرى داخل الدولة الواحدة (أي "المُهجّر" وفق العبارة المعتادة في لبنان)، فيما اللاجئ هو الذي يعبر حدود دولية وينزح من دولة الى أخرى كما هو تماما حال اللاجئين السوريين. فلماذا هذا التبديل؟ ولماذا هذا الاصرار على فرض هذه المفردة في سياق يخرجها عن معناها؟ جوابا على ذلك، نجد فرضيات عدة تؤشر كلها الى سعي حكومي الى التخفيف من حدة الأزمة وتداعياتها: الفرضية الأولى، هي التي ترمي الى تهدئة مخاوف الرأي العام الذي ربما يخشى أن ينتهي اللجوء السوري الى ما انتهى اليه اللجوء الفلسطيني، بحيث يؤدي اختلاف المفردات المستخدمة الى التخفيف من الميل الى مقارنة هاتين الفئتين. والفرضية الثانية، هي تأكيد لبنان مجددا رفضه الكلي لكل أشكال اللجوء بحجة أنه "ليس بلد لجوء"، بحيث يتم تظهير وجود اللاجئين السوريين على أرضه على أنه أمر واقعي مجرد عن أي اعتراف قانوني بأوضاعهم وبحاجتهم للحماية. فكأنه بذلك يحفظ حقه كاملا لاعادة النظر في مشروعية هذا الوجود في أي حين. والموقف اللبناني الرسمي هنا يتماشى تماما مع سياسات لبنان السابقة والتي عبر عنها في اتفاقيته الدولية (مذكرة التفاهم) مع مفوضية الأمم المتحدة لشؤون الاجئين في العام 2003، ومع قرار مجلس الوزراء الصادر في 7/9/2010 بتأكيد الأمر نفسه.[2] كما يتفق مع موقف لبنان الرافض تماما للاعتراف بإتفاقية جنيف الخاصة بوضع الاجئين للعام 1951، الى درجة انه وصف دعوته الى مؤتمر برلين على أنه فخ لحمله على اقرار هذه الإتفاقية.[3] ويعود هذا الخوف إلى قلة الإدراك أنه من الممكن ضمان الحقوق الأساسية لللاجئين وفقاً للإتفاقية دون الموافقة تلقائياً على توطينهم في لبنان (على غرار السياسة المعتمدة في مصر مثلاً). وبخلاف ذلك، تجدر الملاحظة الى أن لبنان يستخدم في مراسلاته باللغة الانكليزية، وخصوصا المراسلات المتصلة بالهبات الدولية، كلمة refugeesالتي هي ترجمة حرفية لمفهوم "اللاجئون" للدلالة على اللاجئين السوريين[4] (حتى أنه إستخدم عبارة "لاجئون سورييون" في بعض المراسيم المتعلقة بالهبات والصادرة باللغة العربية).[5]  أما الترجمة الحرفية لنازحين وهيdisplaced  فلا نجد لها اي أثر. وهذا الأمر انما يؤشر ربما الى أن استخدام عبارة "نازحون" انما يستهدف بالدرجة الأولى الجمهورين اللبناني والسوري، وأن الغاية منها هي نفسية أكثر منها قانونية. ويبدو أن الحكومة قد تداركت هذا الإنفصام بعد أربعة سنوات إذ طلبت مؤخراً من الأمم المتحدة عدم إستخدام عبارة Refugeesواستبدالها بعبارة Displacedللدلالة على السوريين في لبنان.
 
استقبال الجميع من دون اقرار اي خصوصية للاجئين: هذا الأمر يشكل نتيجة طبيعة لما سبق. فأمام رفض الاعتراف بظاهرة اللجوء، كانت الدولة أمام حل من حلين: فاما ترفض جميع الوافدين، وهو أمر مستحيل، واما تقبلهم كلهم، وهذا ما حصل. فلا يُمنح الذين يفرون من منطقة حربية معينة أو الذين يقدمون أدلة على استهداف شخصي ضدهم أي خصوصية مقارنة مع الذين بإمكانهم الإقامة في سوريا بشكل آمن، انما يعامل الجميع على قدم المساواة لجهة شروط الدخول أو الاقامة أو السكن. وقد تجلى ذلك من خلال فرض رسم اقامة على المواطنين السوريين كافة بعد انقضاء سنة على اقامتهم في لبنان. وقد بدت الحكومة في ورقتها الجديدة وكأنها تعيد النظر في هذا الموقف تحت وطأة الضرورة، وهذا ما سنعود اليه أدناه.
 
 تعطيل القوانين العقابية بشأن الدخول خلسة أو كسر الاقامة: هنا، وبخلاف التعامل مع اللاجئين العراقيين، سُجّل عددٌ قليل من الملاحقات على اساس الدخول خلسة أو كسر الاقامة في لبنان. وقد تبيّن من افادات بعض رؤساء المخافر، أن المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي عممت عليهم وجوب ترك اللاجئين السوريين الذين دخلوا لبنان خلسة أو لم يجددوا اقاماتهم فيه. وتبعا لذلك، اقتصرت الملاحقات عموما على الأشخاص الذين يشتبه بارتكابهم جرم آخر، كتعاطي المخدرات أو السرقة أو تهريب الأسلحة الخ.. وقد ذهبت المديرية العامة للأمن العام في اتجاه مشابه. فبخلاف ممارساتها بشأن سائر الأجانب وخاصة اللاجئين منهم الذين غالبا ما تبقيهم موقوفين رغم صدور قرارات قضائية باخلاء سبيلهم أو انتهاء محكومياتهم بانتظار تسوية أوضاعهم أو ترحيلهم أو إعادة توطينهم في بلد ثالث، فان متوسط توقيف السوريين لدى الأمن العام لم يتعدّى بضعة أيام عموما.  كما يسجل أن أحد القضاة قد ذهب الى وقف الملاحقة بحق لاجئ سوري على خلفية الدخول خلسة الى لبنان بعدما أعلن حق اللجوء حقا طبيعيا.[6] 
وهنا، يُرجّح ان يكون هذا التساهل ناتجا، ليس عن ارادة واعية، انما عن الأمر الواقع. فبخلاف اللاجئين العراقيين والسودانيين الذين تبقى أعدادهم مقبولة نسبيا، فان من شأن تطبيق القانون الجزائي في قضايا الدخول خلسة وعدم تجديد الاقامة بالنسبة الى المواطنين السوريين أن يؤدي الى ملء مساحات الاحتجاز المتوفرة والى استغراق الجزء الأكبر من طاقات الضابطة العدلية والمنظومة القضائية، نظرا الى ضخامة أعدادهم. ومن هذا المنطلق، بدت سياسة غضّ الطرف الأكثر ملاءمة لأسباب عملية بالدرجة الأولى، إلا أنها شكلت إعترافاً ضمنياً بمبدأ عدم جواز معاقبة اللاجئ على مخالفته أنظمة الدخول والإقامة في بلد اللجوء.
 
غياب أي مبادرة لتنظيم الوجود السوري في لبنان: الى ذلك، خلت السياسات العامة من أي تنظيم لوجود اللاجئين السورين في لبنان. فلم تتخذ الحكومة اي مبادرة تنظيمية بما يتصل بالوافدين، في أي من مجالات العمل أو السكن أو التعليم، تاركة الأمر للمنظمات الدولية. ولم تقل الحكومة حتى الآن أي كلمة بشأن مدى رغبتها بانشاء مخيمات نظامية للاجئين، كما خلت من أي اشارة الى ذلك في ورقة سياسة النزوح، مكتفية بعرقلة محاولات الأمم المتحدة تحسين ظروف السكن في التجمعات غير الرسمية وبالمنادات بإنشاء مخيمات خارج الأراضي اللبنانية .
 
الالتزام بعدم الترحيل الجسدي:باستثناء بعض الحالات النادرة التي سجلت في بدايات موجات اللجوء، التزم لبنان عموما بعدم الترحيل الجسدي للاجئين السوريين (أي بعدم تسليمهم الى السلطات السورية)، وذلك في التزام معلن بالعرف الدولي القاضي بعدم جواز ترحيل من قد يتعرّض للخطر أو التعذيب في بلده. وقد عمد الأمن العام مرارا الى تسهيل اجراءات تجديد الاقامة من خلال السماح بتجديد الاقامة لمرة أولى من دون دفع رسوم ولمرة ثانية مقابل دفع الرسوم من دون الخروج من الأراضي اللبنانية. وعلى الرغم من قيام الأمن العام باصدار قرارات ترحيل ضد أشخاص عديدين عملا بتعليماته الداخلية المطبقة عموما على الأجانب، فانه امتنع عن تنفيذ أي منها قسرا. وهذا ما أسميناه بالترحيل القانوني الذي يؤدي عمليا الى وضع اللاجئين في موضع هش من الناحية القانونية اذ يتعذر عليهم تجديد اقامتهم، ويصبحون ليس فقط خارج القانون، انما أيضا خارج حماية القانون[7] .
 
بعثرة السلطة
في موازاة اعراض الحكومة عن تنظيم اقامة اللاجئين السوريين في لبنان، كان من المنتظر أن تجد مشاعر القلق المتنامية لدى بعض مكوناتها ازاء تكاثر أعدادهم منفذا لها في مكان ما. وقد تجلى ذلك بشكل واسع من خلال بروز دور سياسي وأمني للبلديات في هذا المجال، وخصوصا من خلال القرارات التي اتخذتها عدد منها بمنع الأجانب أو اللاجئين السوريين أو فئات منهم (العمال) من التجول فيها في ساعات الليل. وقد شكلت هذه القرارات تجاوزا لصلاحياتها المنصوص عليها قانونا وخرقا لحرية أساسية هي حرية التنقل المكرسة في المواثيق الدولية،[8] فضلا عن مخالفتها مبدأ عدم جواز التمييز بين الأشخاص المقيمين على الأراضي اللبنانية . وهو ما برز أيضاً عبر توجيه التمويل الدولي للبلديات في أول مشروع للصندوق الإئتمان المتعدد الأطراف الذي يديره البنك الدولي بالتعاون مع وزارة المالية والذي يهدف الى تأمين التمويل المباشر لمؤسسات الدولة اللبنانية لمعالجة أزمة اللجوء.[9]وهذه البعثرة أدت بالواقع الى اعتماد سياسات مختلفة مع اللاجئين السوريين وأحيانا مع فئات معينة منهم وفق المناطق التي لجأوا اليها. فعكست توجها نحو ارساء لامركزية سياسية وأمنية في هذا المجال، في موازاة غياب كامل للامركزية التنموية أو حتى الادارية.
وقد تجلت بعثرة السلطة بالاضافة الى ذلك في تصرفات الأجهزة الأمنية، ففرضت هذه الأجهزة في الكثير من المناطق قرارات زجرية ولا سيما فيما يتصل بالتجمعات غير الرسمية، والتي تم اخلاء العديد منها بقرارات أمنية. واللافت أن السلطة المركزية تصرفت هنا أيضا وفي كل هذه الحالات وكأنها لم تر ولم تسمع شيئا.
 
2-  ملامح السياسة اللبنانية في قضية اللجوء في ظل الحكومة الحالية: السلطة الناعمة في موازاة الإعتراف بمبادئ اللجوء:
منذ تكوين الحكومة الحالية، شهدت السياسة الرسمية تحوّلا تدريجيا نحو تبنّي اجراءات عملية لضبط اللجوء السوري الى لبنان. وقد بلغت هذه الاجراءات أوجّها مع الورقة المعلنة في 23-10-2014. ولعل العنوان الأبرز لهذه الورقة هو اعلان الحكومة انهاء حالة التراخي للعمل على تقليص أعداد المواطنين السوريين الوافدين من سوريا أو المقيمين في لبنان. ومن اللافت أن هذه السياسة بدت مبنية ليس على خطوات زجرية كطرد اللاجئين أو إغلاق الحدود نهائياً، بل على العكس من ذلك على خطاب يتضمن للمرة الأولى اعترافا ولو ملتبسا بحق اللجوء. فقد تحدثت الورقة عن التزام لبنان بالمبادئ الانسانية في التعاطي مع محنة اللجوء السورية، وأيضا عن استعداد الحكومة قبول نزوح الحالات الانسانية الاستثنائية وأيضا عن النازحين المستحقين لصفة "النازح"الذين يتميزون عن النازحين غير المستحقين. كما أن تقليص عدد اللاجئين يحصل حسبما نقرأ في الورقة من خلال تقليص عدد الأشخاص المسجلين لدى مفوضية الأمم المتحدة للاجئين وتشجيع اللاجئين على مغادرة لبنان.

تقليص أعداد السوريين المسجلين لدى المفوضية:
وعلى ضوء ذلك، بدا لبنان الذي طالما تنكر لحق اللجوء خوفا من تدفق مواطني الدول المجاورة اليه، وكأنه يجد اليوم أن السبيل الأفضل للحد من هذا التدفق هو الاعتراف ولو بشكل ملتبس وغير نهائي بهذا الحق. فبموجب هذا الحق وفقط من خلاله، يصبح من الممكن الفصل بين المستحق وغير المستحق وبين من هو بحاجة للحماية ومن ليس بحاجة للحماية وفق معايير مقبولة دوليا. وهو ما بدأ الأمن العام بأخذه في عين الاعتبر عندما فرض منذ آب 2014 تدوين صفة "نازح" أو "غير نازح" على جميع معاملات المواطنين السوريين.[10]ولا يشذ عن ذلك اعلان فقدان صفة "النازح" لمن يذهب الى سوريا، وذلك بالاستناد الى القرينة التي تفيد بأن هكذا تصرف يشكل مؤشرا على غياب الخطر المبرر للجوء. ويشار هنا الى أن الورقة إعتمدت معياراً متلاءماً مع المعايير الدولية (معيار الذهاب الى بلد الأصل) ولم تعتمد المعيار الذي طالبت به قوى 14 آذار بنزع صفة "النازح" عن كل من شارك بالانتخابات السورية،[11] وهو فعل لا يشكل قرينة على عدم وجود خطر في حال العودة الى سوريا. لكن الورقة أشارت أيضاً الى نزع صفة "النازح" عن "كل من يخالف القوانين اللبنانية وشروط الدخول" وهو معيار مبهم يتضمن الكثير من الخطورة خاصة نظراً لفقدان العديد من السوريين لأوراقهم الثبوتية وإقامتهم في لبنان. وبذلك، بدا لبنان وكأنه ينتهج سياسة السلطة الناعمة SOFT POWERلتحقيق هدفه في تقليص أعداد "النازحين"، قوامها أقله في ظاهرها حق اللجوء ومعاييره. ومن هذا المنطلق، فرضت الورقة تسجيل أسباب دخول النازحين للتمكن من دراسة ملفاتهم عند قدومهم ودوريا فيما بعد وموافقة وزارة الشؤون الإجتماعية قبل تسجيل أي لاجئ جديد مع المفوضية.

تشجيع اللاجئين على مغادرة لبنان:
والأمر نفسه نتلمحه في التدبير المعلن لتقليص أعداد "النازحين" المقيمين في لبنان. فمن اللافت أن الحكومة استهلت خطابها في هذا الصدد باعلانها عن وجوب "تشجيع النازحين السوريين على العودة الى بلادهم او الى بلدان اخرى بكل الوسائل الممكنة". وتعبير "تشجيع" معبّر جدا في هذا المكان ولا يمكن فهمه الا كمؤشر على ارادة الحكومة على اعتماد وسائل غير زجرية ما قدرت على ذلك في تطبيق سياستها. وهو يعني بشكل أكثر تحديدا أن الحكومة تعتمد بالدرجة الأولى على ارادة هؤلاء في مغادرة لبنان طوعا وأنها تؤثر ذلك على أي خطوة أخرى من قبيل الترحيل القسري أو الجبري. وهكذا، يلحقتعبير "التشجيع" تعبيري "التشدد في تطبيق القوانين اللبنانية" و"نزع صفة النازح" (في حالات معينة) اظهارا لأهمية المراهنة عليه. وبالطبع، عند التدقيق في امكانات الحكومة، ندرك المعنى المقصود لمرادفة التشجيع. فما هي الوسائل التي بمتناول الحكومة اللبنانية لتشجيع الوافدين الى لبنان على مغادرته؟ والأهم من ذلك، ما هي الوسائل التي ستستخدمها لتشجيعهم الى العودة الى بلدان أخرى؟ هل تساعدهم في الحصول على جوازات سفر من السلطات السورية (التي غالباً ما تمتنع عن إصدارها) أو على تأشيرات دخول أو اقامات في هذه الدول أو تؤمن لهم الخروج الآمن من لبنان؟وتأتي في هذا الإطار مشاركة لبنان الأسبوع القادم في مؤتمر جنيف لإعادة توطين اللاجئين السوريين بهدف الضغط على الدول الأخرى لاستقبال المزيد من المواطنين السوريين. فالدعم الدولي لا يختصر بالمساعدات المالية (التي لم يحصل لبنان سوى على 44% من حاجاته لغاية اليوم) بل يشمل أيضاً تسهيل دخول وإقامة اللاجئين في دول الأخرى سنداً لمبدأ التضامن الدولي والتشارك في المسؤولية. هذا مع العلمأن الدول الأخرى (وبشكل خاصة ألمانيا) تعهدت حتى اليوم باستقبال ما يقارب 43,500لاجئا سوريا من المنطقة، وهو رقم ضئيل جداً مقارنة لأعداد اللاجئين التي تجاوزت الثلاثة ملايين.[12]
ثم ما معنى أن يقترن التشجيع على المغادرةبالتشدد في تطبيق القوانين؟ وألا يسمح ذلك بالقول بأن التشجيع المشار اليه في هذه الورقة انما ينبئ بالحقيقة عن نية الحكومة بتفعيل ما لديها من "وسائل ممكنة" وناعمة للضغط على اللاجئين لمغادرة لبنان؟ ومن أهم هذه الوسائل عدم تجديد الاقامات للعديد من السوريين، وهو التوّجه الذي إعتمده الأمن العام عبر آلية الترحيل القانوني من جهة كما أشرنا سابقا،ً وعبر إشتراط حصول السوريين على إجازات عمل من جهة ثانية، مع علمه بأن وزارة العمل قد توقفت عن منح الإجازات للسوريين منذ قيام الحكومة الجديدة. ويأتي استثناء هؤلاء من إمكانية تسوية الأوضاع المجانية مؤشراً على ذلك. واذ تبدو سياسة التشجيع هذه السياسة الوحيدة الممكنة عمليا في ظل ارتفاع أعداد الوافدين السوريين في لبنان، فانه يُخشى بالمقابل أن تشكل في عمقها ترحيلا خاصة لمن يخشى على حياته وحريته في سوريا، مما ينتهك حقوق اللاجئين ويجعل لبنان في حال خلاف مع التزاماته الدولية.

٭ محام ومدير تحرير المفكرة القانونية   
*  محامية وباحثة في القانون, عضو في المفكرة القانونية

نشر في العدد الثالث و العشرين من مجلة المفكرة القانونية في لبنان

[1] مقررات جلسة مجلس الوزراء في 23-10-2014 (الموافقة على ورقة سياسة النزوح السوري الى لبنان)
[2]قرار مجلس الوزراء رقم 34 تاريخ 7/9/2010
[3] داود رمال، النجاة من "كمين برلين" لا تبرر التقاعس الحكومي، السفير، 29-10-2014
[4] راجع مثلاً: المرسوم رقم 11721 تاريخ 21-5-2014، إبرام مذكرة تفاهم بموجب تبادل الرسائل بين سفارة اليابان في لبنان وحكومة الجمهورية اللبنانية وقبول هبة مالية لتنفيذ مشروع "تدابير الطوارئ في مواجهة تدفق اللاجئين السوريين"
[5] راجع مثلاً المرسوم المذكور أعلاه والمرسوم رقم 773 تاريخ 9-10-2014 قبول هبات مقدمة من الحكومة الايطالية لصالح الحكومة اللبنانية لتمويل عدد من المشاريع
[6] القرار الصادر عن القاضي المنفرد الجزائي في طرابلس (نازك الخطيب)، تاريخ 28-5-2012 ورد في غيدة فرنجية، حكم قضائي يقلب "الأفكار المسبقة" في قضية لاجئ سوري: "ممارسة حق اللجوء من دون تجاوز ليس جرماَ"، المفكرة القانونية، عدد 5، تموز 2012.
[7]   غيدة فرنجية، ....
[8] المادة 13 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمادة 12 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية
[9] بيان صحفي للبنك الدولي، صندوق الإئتمان المتعدد الأطراف بإدارة البنك الدولي يطلق مشروعه الأول مع البلديات لمواجهة تداعيات الأزمة السورية على لبنان، 12-9-2014
[10] أعلان الأمن العام بتاريخ 12-8-2014 تدوين صفة (نازح او غير نازح) لجميع معاملات الرعايا السوريين
[11] امانة 14 آذار: صفة النزوح لا تنطبق على السوريين في اليرزة، 28-5-2014
[12] http://resettlement.eu/news/crisis-syria