تقترن الثورات والفترات الانتقالية عادة بنهم تشريعي يؤدي الى وضع قوانين متميزة من حيث جرأتها وأهميتها وأثرها في المجتمع والساحة العامة. ولكن نلحظ أن المجلس الوطني التأسيسي قد ترك وراءه 64 مشروع قانون نائماً، فيما اكتفى بالمصادقة على 57 قانوناً فقط خلال سنة 2014. ويعبر هذا الأمر عن أزمة تشريعية في مرحلة الانتقال الديمقراطي في تونس.
وقد يبرر البعض ضعف الأداء التشريعي بتعدد مهام المجلس الوطني التأسيسي.  إلا أن النظر في تلك المشاريع التي لم يكتب لها أن تتحول الى قوانين رغم أهميتها إنما يكشف عن تعمد المجلس الوطني التأسيسي إهمال دوره التشريعي لاعتبارات غير تشريعية، لا علاقة لها بتبريرات العمل. فقد ظلّ جانب من مشاريع القوانين في رفوف المجلس على خلفية الخوف من مفاعيلها، فيما كان عدم الوعي بأهمية مشاريع أخرى السبب في تعطلها.
وللإضاءة على ذلك، رأينا اعتماد نموذجين ذَوَي دلالة فائقة، الأول يتعلّق بـ"مشروع قانون مكافحة الإرهاب ومنع غسل الأموال" وقد عطّل على خلفية أنه أخطر من أن يعتمد و"مشروع قانون اللجوء" وقد عطل بعدما قدّر المشرّع أنه أهون من أن يشغل وقته وباله.  

مشاريع قوانين أخطر من أن تعتمد
بعد التخلّي عن مقترح إدخال تغييرات على قانون الإرهاب لسنة 2003 وتفضيل صياغة مشروع قانون جديدٍ وقع طرح مشروع القانون عدد 9 لسنة 2014 باعتباره قانون مكافحة الإرهاب وغسيل الأموال الجديد. وقد ترافق الحديث عن هذا القانون مع موجة الأحداث الإرهابيّة المتتالية التي عرفتها الثورة، وهو ما جعله من أوكد الأولويّات.
لم يكتب لهذا المشروع النوم مباشرة بعد اقتراحه بل فرض الواقع السياسي والأمني النّظر فيه وبعد مناقشته في إطار لجنة التشريع العام ولجنة الحقوق والحريّات والعلاقات الخارجيّة طيلة شهرين. وبالرّغم ممّا لوحظ خلال مناقشات اللجان من تضارب في وجهات النّظر حول أحكام مفصليّة صلب مشروع القانون ومن انزياحات من قبيل ما اقترح من طرف حزب حركة النهضةفي إطار ما أسمته "قانون التوبة"، فقد تمّ في الأخير عرض مشروع قانون الإرهاب على الجلسة العامّة. وعلى عكس ما كان متوقّعاً بخصوص أهميّة هذا المشروع التي تستوجب جعله إحدى أوكد الأولويّات والنّظر فيه بصفة مستعجلة وجدّيّة فلقد، جوبه هذا المشروع باللامبالاة عمومًا نظرًا لضعف الحضور المتكرّر للنوّاب في جلسات مناقشته بشكل يجعل النّقاش حول محتواه نقاشًا ضعيفًا لا يمكن أن يعبّر عن مختلف المواقف حياله. فلقد رفعت جلسات متتالية للمجلس خصّصها لمناقشة هذا المشروع بسبب تغيّب عدد كبير من النواب ما حال دون توافر النّصاب القانوني. ولئن لم يمنع غياب النوّاب من المصادقة على عدد من فصوله فإنّ بعض الفصول قد عرفت جدلاً كبيرًا حالَ دون تمريرها. فالقانون الذي تطلّب منه الإجابة عن معادلة دقيقة بين نجاعة مكافحة الإرهاب والمحافظة على الحريّات والضّمانات الأساسيّة بما يتماشى مع مبادئ حقوق الإنسان وقع وصفه من قبل الحقوقيّين وبعض المنظّمات الدوليّة لحقوق الإنسان كمنظّمة هيومن رايتس ووتش بأنّه غير مطابق للمعايير الدوليّة لحقوق الإنسان، خاصّة منها تلك المتعلّقة بالمحاكمة العادلة وحريّة التعبير. ولعلّ هذا الضّعف على مستوى محتوى القانون هو ما عطّل عمليّة الحسم فيه. فقد أثير جدل كبير حول التعريف الواسع الذي يعتمده القانون للجريمة الإرهابيّة وهو تعريف يتناقض مع مبادئ القانون الجنائيّ المكرّسة صلب المنظومة القانونيّة التونسيّة وحول ما تضمّنه مشروع القانون من أحكام استثنائيّة تتعارض مع مقوّمات المحاكمة العادلة.
إلا أنّ محتوى القانون لم يكن السّبب الرّئيسي في تعطيل مناقشته بل إنّ غياب النوّاب عنها هو ما أدّى إلى إرجاء النّظر فيه بقرار من الجلسة العامّة بتاريخ 21 أوت 2014 إلى سبتمبر من السّنة نفسها عقب العطلة البرلمانيّة. كما أدّى حلول موعد الانتخابات التشريعيّة والرّئاسيّة وما يتبعهما من انشغال النوّاب بمقتضيات الاستحقاق الانتخابي إلى إيقاف النّظر في مشروع هذا القانون بعدما صادق المجلس على 11 فصلاً منه وتجاوز الفصل 12 الذي ما زال يحتاج إلى مزيد التشاور وأسقط بعض فصوله.
لم يتمكّن المجلس إذاً من الإيفاء بالتزامه بالأجل الذي حدّده للمصادقة على المشروع والذي تقرّر في الرابع والعشرين من شهر أوت 2014 وتبيّن أنّ مشروعًا كهذا أخطر بكثير من أن يتمّ اعتماده بسرعة أو قد يكون أخطر من أن يتمّ اعتماده أصلا في هذه المرحلة.
وقد كشفت مناقشة هذا المشروع عن نزعات غريبة عن الحسّ الوطنيّ وأثارت أسئلة عديدة عن وجود الإرادة الحقّة في مكافحة هذه الظاهرة لدى البعض من الذين خيّروا عبر انسحابهم إرجاعه إلى سباتٍ عميقٍ قد لا يستيقظ منه إلا في المستقبل البعيد. يبقى في هذا الخضمّ قانون 2003 ساريًا في مجابهة الإرهاب ولا بدّ من التعويل على ثقافة حقوق الإنسان لدى القضاة التونسيّين لتطهير هذا القانون من شوائب الدّيكتاتوريّة من خلال تطبيقهم له. ولا بدّ خلال هذه المدّة من إعادة النّظر في المشروع الحالي وعدم تركه للنّسيان، فالمواءمة بين مقتضيات الأمن الوطنيّ واعتبارات حقوق الإنسان هي من أهمّ المسائل التي تواجه الديمقراطيّات العريقة، وهذا ينطبق من باب أولى على الديمقراطيات النّاشئة.   
 
مشاريع قوانين أهون من أن تعتمد
من بين مشاريع القوانين النائمة تلك التي يكاد يغطّيها اليوم النّسيان. ونتناول من بينها تلك التي رافقت موجة مصادقة الحكومة التونسيّة إثر الثورة على جملة من معاهدات حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني. ففي غضون شهر فيفري 2011 صادقت الجمهوريّة التونسيّة على عددٍ هامّ من المعاهدات الدوليّة كالمعاهدة الأمميّة الخاصّة بالاختفاء القسري والبروتوكول الإضافي للمعاهدة الخاصّة بالوقاية من التعذيب والبروتوكول الاختياري للعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنيّة والسياسيّة ومعاهدة روما الخاصّة بالمحكمة الجنائيّة الدوليّة.
فتحت هذه الموجة من المصادقات الباب على مصراعيه أمام الحكومة ومكوّنات المجتمع المدني لدعم المنظومة القانونيّة التونسيّة بجملة من النّصوص الهامّة التي تستجيب إلى هاجس تطبيق مقتضيات هذه المعاهدات الإنسانيّة أو إلى وضع آليّات لمراقبة تطبيقها. غير أنّ هذه النّصوص التي سجّل بعضها في شكل مشاريع قوانين بكتابة المجلس ولم يصل بعضها الآخر حتى إلى هذا الحد لا تزال رابضة لا يُحرَّك لها ساكن.
يدخل ضمن هذه الفئة من المشاريع مشروع القانون الخاص باللاجئين. وقد شكّلت مسألة اللاجئين في تونس هاجسًا ملحّا للدولة التي وجدت نفسها في مواجهة موجات من الوافدين إليها من ليبيا إثر الثورة على نظام القذافي دون أن يكون لها قانون يتعلّق بهذه الظاهرة. ويتكوّن مشروع القانون هذا من أبواب ثلاثة، يتعلّق أوّلها بضبط شروط منح اللّجوء وسحب صفة اللاجئ وينظّم ثانيها حقوق اللاجئين وواجباتهم فيما يركّز الباب الثالث هيئة مختصّة في دراسة مطالب اللجوء حسب الإجراءات التي يقرّرها مشروع القانون. ومن أهمّ ما جاء به هذا المشروع منعه منح صفة اللاجئ للأشخاص المقترفين للجرائم ضدّ السّلم وجرائم الحرب ضدّ الإنسانيّة.
لم تشفع أهميّة محتوى هذا المشروع – وغيره كثير ممّا عُرض على المجلس وممّا لم يُعرض – له عند المجلس حتى يتناوله بالدّرس. فقد تعرّض المجلس إلى جملةٍ من الأحداث المتعاقبة التي زعزعت استقراره بل هدّدت وجوده. كما قد يتحدّث البعض عن عمليّة إغراقٍ للمجلس بخصوص وظيفته التشريعيّة وهي كلّها أسباب موضوعيّة لا بدّ من أخذها بعين الاعتبار في محاولة فهم عدم الاهتمام بهذا النّوع من مشاريع القوانين. غير أنّ السّبب الأهمّ في نظرنا يعودُ إلى السياسة الانتقائيّة التي انتهجها المجلس في الاضطلاع بمهمّته التشريعيّة وهي سياسة جعلته يسبق المشاريع التي ترافق إيداعها مع اهتمامٍ خاصّ من الرّأي العام بها أو تلك التي تعلّق محتواها بأمورٍ تمسّ مباشرة بمصالح الطّبقة السياسيّة وأفرادها. وهذا ما جعل نصوصًا على غاية من الأهميّة تعتبر من قبل المجلس نصوصًا أهون من أن تُعتمد.
"عسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم"! فقد يكون المجلس التأسيسي بتركيبته التي عرفناها أوْهَنَ من أن يمنح تونس مثل هذه القوانين. قد يجابهنا البعض بقولهم إنّ التركيبة التي تنتقدون للمجلس هي التي أعطت الدستور الحالي للبلاد التونسيّة. فنردّ أنّ العمل التأسيسي للمجلس لم يكن لينتج مثل هذا الدستور لو لم يتأثّر بما رافقه من عمل حثيثٍ من قبل هياكل المجتمع المدني واهتمام نقديّ بنّاءٍ من طرف الخبراء ورجال القانون، ومن الطبيعيّ أن لا تتمتّع هذه النّصوص بالاهتمام نفسه الذي عرفه الدّستور. إلا أنّ الثّابت هو أنّه لا بدّ من نفض الغبار على هذه النّصوص وغيرها ممّا من شأنه تدعيم المنظومة القانونيّة التونسيّة بشكل يفتحها أكثر فأكثر على حقوق الإنسان ويجعلها أولويّة تشريعيّة بالنسبة للهيئات المقبلة والتفكير من هنا فصاعدًا في إرساء سياسة تشريعيّة واضحة يكون هدفها الأوّل مراجعة المنظومة التونسيّة في اتّجاه تدعيم حقوق الإنسان والحريّات الفرديّة والجماعيّة ودعمها بالنّصوص اللازمة لتكريس التزامات تونس الدوليّة في هذا المجال. وتكفي الإشارة في هذا الصّدد إلى أنّ تونس التي صادقت مؤخّرا على نظام المحكمة الجنائيّة الدوليّة لا تفكّر اليوم بعدُ في وضع قانون يوائم بين قانونها الدّاخلي ومقتضيات هذه المعاهدة الهامّة.

كلية العلوم القانونية والسياسية والاجتماعية بتونس، جامعة قرطاج

نشر في العدد صفر من مجلة المفكرة القانونية في تونس