في بداية السنة القضائية 2014-2015، أعادت الهيئة الوقتية للإشراف على القضاء العدلي إحياء تقليد الاحتفال بافتتاح السنة الجديدة في بهو قصر العدالة بتونس في 17 اكتوبر 2014. غابت عن الاحتفال مظاهر "التملق" للسلطة السياسية، فكان ضيوف جلسة الافتتاح ومن بينهم رئيس الجمهورية ورئيس المجلس الوطني التأسيسي ورئيس الحكومة في حضرة محكمة تحرص على إبراز استقلاليتها وفي مجلس قضاء لا يوقر إلا سلطة القضاء المستقل. وكشف خطاب جلسة الافتتاح عن تطور الوعي القضائي بضرورة الاعتراف بأخطاء الماضي في سياق متوازن لا يتحول الى خطاب يهدم الثقة العامة في القضاء. بهذه المناسبة، تود المفكرة التذكير بأدبيات الانسجام التي غالباً ما طفحت بها خطابات افتتاح السنوات القضائية قبل الثورة. تنذكر ما تنعاد! (المحرر).

كل من يعد بحثاً علمياً بشأن ماض سياسي أو اجتماعي خلال حقبة معينة، يأمل العثور على مستندات مكتوبة تخزن آراء الفاعلين الأساسيين فيها ومواقفهم والعبارات المستخدمة منهم للتعبير عنها. والواقع أن هذه الآثار الخطية نادراً ما تتوفر للباحث.
وكان من المتوقع مواجهة صعوبة من هذا النوع عند التطرق إلى موضوع العمل القضائي في النظام الاستبدادي بعد سقوطه، لا سيما في الحالة التونسية. إلا أنه تبعاً لحال الانسجام التي تميزت بها الحياة القضائية التونسية في الفترة الاستبدادية، لم ينحصر القاضي – وخصوصاً كبار القضاة - بدوره الصامت الملتزم بتطبيق المادة القانونية، بل تخطاه في اتجاه الإعلان عن التزامه بمبادئ النظام كجزء مما كان يُنتظر منه كقاض نموذجي. وهذا ما تجلى خاصة في احتفالات افتتاح السنوات القضائية بحضور القضاة وممثلي النظام. ولحسن حظ الباحث في هذا المجال، كان يتم نشر هذه الخطابات سنوياً على طول القسم الأكبر من العدد العاشر (من أصل اثني عشر عدداً) من مجلة "القضاء والتشريع"، وهي مجلة شهرية يصدرها مركز الدراسات القانونية والقضائية، التابع لوزارة العدل التونسية. وهكذا، كانت تصطف في هذه الأعداد على طول سنوات النظام خطابات رؤساء محاكم الاستئناف في تونس، بالإضافة إلى خطابات الوكلاء العامين لدى هذه المحاكم، لينشر من بعدها ما كان يُسمى بالمحاضرات العلمية حول إشكاليات قانونية معينة، والتي غالباً ما تتضمن بعض النقاط التي لا علاقة لها بالقانون والتي تهدف الى التمجيد بالرئيس أو بممثله وبمنجزاته.

تنفرج أسارير الباحث عندما يضع اليد على هذه المنشورات، والتي يمكن الوصول إليها اليوم في أي مكتبة من مكاتب تونس الجامعية، وحتى شراؤها لدى مركز الأبحاث نفسه الذي كان يشرف على نشرها (ويلحظ أن العدد الخاص بالخطابات الحاصلة في 2010 لم يبصر النور فقد كان قيد الطبع عند حصول الثورة مما آل الى وقف نشره). وبالفعل، لهذه المستندات قيمة كبرى لكل من يريد الغوص في أدبيات العلاقة التي كانت تربط كبار قضاة تونس بالنظام السياسي المتمثل بالرئيس زين الدين بن علي وممثليه. فكيف كان القضاة يخاطبون بن علي بحضوره الشخصي أحياناً؟ وإذا كانت النزعة التمجيدية غير مفاجئة في هذه الخطابات، فما كانت خصائص هذا التمجيد ومرتكزاته؟ وعلام كان هؤلاء القضاة يشكرون الرئيس؟ وهل يمكن استخلاص ميزات القاضي المنسجم المثالي وملامحه أو مكانة القضاء في مجمل النظام من خلال هذه الخطابات؟ وما هي الثوابت والمتحولات فيها؟ وهل هي تطورت على ضوء الأحداث القضائية والسياسية والاجتماعية التي كانت تشغل في بعض السنين المساحة العامة وفي حال الإيجاب، كيف؟
وكان البعض أسرّ لنا أن بعض هذه الخطابات خضعت عند نشرها لتعديلات، في اتجاه زيادة منسوب التبجيل بالنظام وبرئيسه، إلا أننا لم نتمكن من التأكد من هذه المعلومة من قبل مصادر محايدة. إنما نلحظ أن هذه الممارسة، على فرض صحتها، لم تلق أي معارضة تذكر في الأوساط القضائية طوال سنوات نظام بن علي، ما يؤكد مجدداً طابعها التمثيلي لما كان معتمداً في هذه الفترة للتكلم مع السلطة وعنها في ظل نظام الانسجام.
 
قضاة مبتهجون[1]
أول ما يلفت انتباه الباحث عند مطالعة هذه الخطابات هي الوحدة النمطية التي تجمعها، إذ هي تتطور على أساس بنية نصية واحدة تندرج كالتالي:
· لائحة ترحيب طويلة،
·  الترحيب بالرئيس أو الوزير أو ممثليهم خاصة والتعبير عن الفرحة والنشوة لتمكنهم من الحضور بالرغم من مشاغلهم،
·  التمجيد بالحركة التشريعية في السنوات المنصرمة وبنتائجها الجيدة على البلاد (دائماً)،
· التمجيد بالإصلاحات القانونية،
·  عرض نتائج عمل المحكمة المعنية (أحياناً)،
·  شكر القضاة والمحامين والمساعدين القضائيين والإدارة على جهودهم،
ونلحظ أولاً أن هذه الخطابات تتوجه في بنيتها الى الرئيس أو ممثلي النظام، بدون إيلاء أي اهتمام للقضاة المتلقين لها والذين يظهرون، بفئاتهم العليا على الأقل، مصطفين أفقياً، وبصف واحد، أمام السلطة. وتبدأ الخطابات بشكر الرئيس على عنايته بالقضاء، يليه عرض الإنجازات التشريعية للنظام، لتخلص من ثم الى "مساءلة القضاة لأنفسهم" وتحديداً فيما إذا كانوا على مستوى هذه الإنجازات وثقة الرئيس بهم وتوقعاته منهم. وبإمكان القارئ الذي لم يتسن له ولم يعد باستطاعته حضور أي من هذه الجلسات ومتابعة تنظيمها وشكلها ومعايشتها، أن يتخيل كيفية انعقادها بواسطة تلك النصوص التي تخزن بعض المفاهيم والمعاني الزائلة، بحيث  يتوالى كبار قضاة الجمهورية على المنصات (في أماكن متعددة في تونس) ليرددوا عبارات وكلمات تتكرر من خطاب إلى آخر ومن سنة إلى أخرى، بشكل فيه الكثير من الغرابة ويكاد يتحول في نواح عدة منه الى نوع من الطقوس القضائية.
وأكثر ما يثير الانتباه في هذه الخطابات هو الاستعمال المكثف لمفردات الفرح والغبطة ومرادفاتها للترحيب بالرئيس أو ممثله (الوزير أحياناً)، معطوفة على مفردات الامتنان والشكر. فالإشارة إلى "الشرف الكبير والعظيم" لوجود الرئيس أو ممثله أمر رائج جداً في هذه المناسبات، وكذلك الإشارة الى حضوره "بالرغم من كثرة مشاغله وضيق أوقاته"، ما يفيد "تكريماً للأسرة القضائية وتبجيلاً لرجالاتها"، وهو يملأ القضاة بمشاعر "الاعتزاز والفخر والنخوة" والاعتزاز بالانتماء إلى القضاء". كما أن حضور هؤلاء يشكل دليلاً قاطعاً على "العناية الفائقة بالأسرة القضائية"، ما يوجب على القضاة التعبير عن "أخلص عبارات الشكر والثناء والامتنان" وعن "آيات الشكر والعرفان بالجميل" أو أيضاً عن "أسمى عبارات الشكر والولاء والعرفان بالجميل". ومن اللافت أيضاً تكرار عبارات كـ"النخوة" أو "البهجة" في كلمات رؤساء المحاكم والوكلاء (المدعين) العامين، وكأنه لا يكفي أن يتشرف القضاة بحضور الوزير، بل يفترض بهم التأكيد على بلوغ النشوة الشخصية من جراء ذلك. فـ"الاحترام والتقدير" مشاعر حيادية وتالياً غير كافية، فيما ثمة ضرورة في مواقف مماثلة من بلوغ "البهجة والإشراق"، فوحده التأكيد على بلوغ هذه المشاعر يتناسب مع واجب الامتنان "للعطف" (كلمة أخرى غالباً ما تتكرر) الذي يخص الرئيس القضاة به من خلال هذا "الحفل البهيج". فما هي طبيعة هذه المناسبة القضائية "الحافل(ة)" حيث القضاة "يبتهجون ويفرحون" لشكر الرئيس على "عطفه" تجاههم؟
بالطبع، من السهل تفسير هذه العبارات الغريبة مبدئياً عن الأجواء القضائية، كأدلة على التزام موظفين بموجب الطاعة تجاه الحاكم، وهو موجب شبه طبيعي في نظام استبدادي. كما من السهل تفسير المغالاة في العبارات والكلمات بأنها نتيجة طبيعية للتنافس بين القضاة الكبار للفوز بتودد الحاكم أو بانتباهه. لكن من غير المرضي البقاء على هذه القراءة بدون ربط مضمون هذه المداخلات بكامل الحياة القضائية، أي نظام الانسجام، وتحديداً بعلاقة القضاة التونسيين بالسلطة التونسية، وبتنافسهم مع المهن القانونية الأخرى. وما يزيد هذا التساؤل إلحاحاً هو أن مشاركة قضاة كبار في هذه الاحتفالات مختلف عن مشاركة موظفين عاديين، فالقاضي ينشأ مهنياً على فكرة موجب التحفظ والاستقلالية عن السلطة، وتتطلب بالتالي مشاركته بهذه الطقوس عمليات فكرية أكثر تعقيداً أو جرأة. فعلام كان يشكر القضاة التونسيون رئيسهم؟
 
القاضي أمام الحاكم - المشرع: هل أنا على مستواكم؟
أول سبب لتقديم الشكر هو الحضور إذاً، فـ"إشراف الرئيس على افتتاح السنة القضائية يؤكد احترامه للقضاء ودولة القانون" و"الدور المتميز الذي أعط(اه) للقضاء في تكريس دولة القانون"، وهو دور تؤكده كل يوم "تشجيعات الرئيس ورعايته".
"حرص سيادة رئيس الجمهورية رئيس المجلس الأعلى للقضاء في بيان السابع من نوفمبر المجيد على استقلال القضاء وإعطاء القانون حرمته وعلى مقاومة الظلم والقهر والفوضى والتسيب وكل أشكال استغلال النفوذ والنيل من مكاسب المجموعة".
 ولا شك بأن إصرار رئيس الجمهورية السابق على الحضور شخصياً كل سنة في احتفال افتتاح السنة القضائية في تونس العاصمة يدل على اهتمام خاص منه تجاه الساحة القضائية، ولكن ليس بالضرورة بالشكل الذي كان يعبّر عنه القضاة. وبالفعل، فمن مزايا هذه المناسبة الحضور المهم لرموز النظام في كل منطقة من تونس، وعلى رأسهم العديد من المسؤولين من الحزب الحاكم، التجمع الدستوري الديمقراطي، كما تدل على ذلك لائحة الشكر الطويلة التي تبدأ معها معظم الخطابات، والتي تعدد المسؤولين السياسيين والحزبيين والإداريين الوطنيين والمحليين واحداً واحداً. ومن الواضح أنه كان هناك إرادة قوية لدى الحزب الحاكم في إعلان "اهتمامه" بالقضاء تظهيراً لصورة دولة المؤسسات الداعمة له، وهو اهتمام يسارع القضاة الى تقبله بفرح فيشكرون كوادر الحزب على "مساعدتهم التلقائية" للقضاة والمحاكم.
 وتتسع عبارات الشكر في هذه الخطابات لتشمل السلطات الإدارية، والتي يخصص لها في كل خطاب مساحة مهمة يشاد فيها بـ"الانسجام التلقائي" بين القضاء والإدارة المحلية، مع تخصيص الوالي أو الحاكم المحلي بشكر خاص. فـ"الإدارة تقف إلى جانب القاضي وتأخذ بيده وتحاول قدر الإمكان إزالة العوائق التي تعترضه لتأمين حسن سير العمل". كما أن "الانسجام المذكور في صلب الأسرة القضائية يمتد إلى السلطة التنفيذية بحكم القاسم المشترك بين الجميع وهو الواعز الوطني"، الذي هو الهدف الرئيسي للنظام القانوني والقضائي بغياب تام لإشكاليات استقلالية القضاء والتي يتم دائماً تغييبها والتضحية بها من أجل إبراز "الوحدة الوطنية" والهم الوطني الذي يفرض تماسك أيدي القاضي والمشرّع والوالي والوزير، بعيداً عن أي مراقبة أو محاسبة. وحدها عبارات الشكر الموجهة الى المحامين تخرج عن هذا التماهي بالانسجام المطلق بين مختلف مكونات الوطن في خدمته. فهم يشكرون غالباً لأنهم "وضعوا لأنفسهم شعار المحافظة على التوازن بين واجب احترام حقوق الدفاع وهيبة السلطة القضائية وعلى التفاهم والتعاون على محاصرة ما يكون موضع تبرم"، وهذه العبارة الأخيرة إنما تعكس بوضوح حال التشنج بين الجسمين المهنيين، فكأنما الشكر يهدف هنا الى تذكير المحامين بوجوب بذل الجهود لكيلا يؤدي حق الدفاع الى المس بهيبة القضاء بما يوحي بوجود تناقض أو على الأقل احتمال تناقض بين هاتين القيمتين، وأيضاً كي ينجحوا في محاصرة ما هو "موضع تبرم" بما يؤشر الى وجود خلافات متكررة بينهما.
 ومن عبارات الشكر أيضاً الموجهة للرئيس وللنظام العبارات التي تمجّد هنا وهنالك بـ"الفيض السخي من المبادرات والإصلاحات" و"الخدمات الجليلة والعظيمة" التي يقدمها النظام للقضاء. ومن هذه العبارات الواردة في هذه الخطابات شكر الرئيس على "حرصه لتحسين وضعية القضاة" عبر إحداث ديوان مساكن القضاة مثلاً ليؤمّن لهم "مساكن لائقة"، أو تعاونية القضاة و"ما أمّنته من تغطية اجتماعية وصحية شاملة وسريعة لأول مرة للقضاة ولأفراد عائلاتهم"، أو "المقر الذي وضع كنادٍ تحت تصرف القضاة وما وفره من فرصة الالتقاء وممارسة مختلف الهوايات بعيداً عن ضغوطات العمل"، أو "إقامة بناءات جديدة للمحاكم". إلا أننا نلحظ رغم ذلك أن الخطابات تركز بالدرجة الأولى، على ما كان يسمى الإنجازات أو الإصلاحات التشريعية العامة لهذا النظام والتي كانت تحظى دائماً بالمكانة الأكبر.

 وهكذا يتبين من الخطابات التمجيدية للقضاة في السنوات الأولى من الألفية الثالثة وكأنّ ثمة ضرورة للتذكير بثلاثة قوانين تأكيداً للمنحى الإصلاحي للنظام في المجال القضائي، وهي الآتية:

-   أولاً القانون الذي عدّل قواعد تنظيم مجلس القضاء الأعلى التونسي، بحيث رفع عدد القضاة المنتخبين من اثنين إلى ثلاثة، وهو تدبير وُصف بالـ"جريء" في العديد من الخطابات،

 وثانياً قانون إنشاء مؤسسة قاضي تنفيذ العقوبات في الفترة ذاتها، وهو حسب هؤلاء تقدم واضح في سبيل حماية حقوق الإنسان في تونس،
-   أما القانون الثالث فهو الذي أدخل إلى الميدان الجزائي التونسي مبدأ التقاضي على درجتين، وهو أيضاً خطوة إضافية في اتجاه حماية حقوق المتقاضين.
ولا يتوقف الأمر عند القوانين التي صدرت في السنة السابقة فقط، بل يتحوّل كل خطاب الى مناسبة لاستعراض المسيرة التشريعية الكاملة للنظام منذ "التحول المبارك" عام 1987

 كما لا يتردد بعض القضاة في استعمال منبرهم للدفاع عن بعض التشريعات التي أثارت جدلاً منذ اعتمادها في التسعينيات، خاصة في ما يتعلق بحقوق الإنسان في تونس، كقانون الإرهاب الصادر عام 1993 الذي كثر انتقاده من قبل منظمات حقوق الإنسان على خلفية استخدامه من قبل النظام لإسكات معارضيه، ولا سيما الإسلاميين منهم[2]، فـ"هو نص سليم لا يختلف اثنان حول عبارته ومدلولاته". وهكذا، توضع مجمل القوانين المشار اليها في الخطابات مرة ومراراً كأوسمة على صدر الرئيس وتصور كإنجازات تؤكد بما لا يرقى اليه الشك النيات الإصلاحية للنظام ومدى جديته في تحقيقها.
إلا أنه، أبعد من تعداد القوانين أو موضوعها، يثير اللجوء القضائي المكثف إلى الإصلاحات التشريعية كباب لتمجيد النظام التساؤل: فلماذا؟ أليس من الأحرى في مناسبات مماثلة الكلام عن حسن سير المرفق القضائي، وهو كلام يحتمل هو الآخر بطبيعة الحال كلمات لا تقل إشادة أو تمجيداً؟ فلماذا إذاً أبقى معظم القضاة المسائل القضائية هامشية في خطاباتهم، ليفردوا للسيرة التشريعية للنظام المساحات الأكبر منها؟ وقطعاً للجدل، تجدر الإشارة الى أن المسألة هنا تتجاوز مسألة التباين في المساحة والكمية، فالهم القضائي يظهر دائماً من خلال هذه الخطابات وكأنه ثانوي بالنسبة الى الهم التشريعي، وأن أي تطور قضائي يبقى متأخراً بالنسبة الى التطور التشريعي الذي يسبقه بأشواط على مختلف الأصعدة. فعلى القضاة "إنجاح المسيرة التشريعية الموفقة" من خلال مواصلة "العمل على إقامة العدل وحسن تطبيق القانون"، وكأنما العمل القضائي المتواضع والمتأخر يبقى مساهمة محدودة في قاطرة التشريع المزدهر، وهو ليس إلا أداء واجب تحددت معالمه وملامحه في مكان آخر، وبالنسبة لمسيرة تتميز بسرعة أكبر وبطموحات أسمى. كما أن الإشارة المتكررة إلى"الفيض السخي من المبادرات والإصلاحات (التشريعية) التي كرّست الحرص على تأمين مواكبة الجهاز القضائي للتطورات الضخمة المسجلة على المستويين الداخلي والخارجي" يؤكد مجدداً الطابع الملحق للقضاء الذي يحتاج الى عناية النظام الدائمة والمتواصلة، وهو المستفيد من "سخاء" السلطة التشريعية التي هي، في أدبيات النظام الاستبدادي، مجرد امتداد للسلطة التنفيذية. وصورة القضاء الرضيع، المراهق، هذه تتوالى وتتردد في الخطابات بشكل يجعلها من المسلّمات القضائية، مظهرة دوماً القضاء وكأنه طفل النظام... المدلل.
         
ومن هذا المنطلق، باتت العلاقة العمودية، التي بناها القضاة مع النظام عبر خطاباتهم التمجيدية، تتكامل مع الطريقة التي تناولوا فيها المسائل القضائية: فهم عكفوا على محاسبة الجسم القضائي ليس بهدف استخلاص العبر أو العمل على تحسين الأداء أو تحصين الجسم، إنما قبل كل شيء لتقويم ما إذا كان العمل القضائي يرقى الى مستوى النظام السياسي وإنتاجيته وحداثته. فـ"تحاسب الأسرة القضائية نفسها أمامكم (...) حتى تظهر مدى قيمة المجهودات التي بذلت والأهداف التي تحققت" من أجل المساهمة في إنجاح مسيرة النظام الإصلاحية. وفقط حينها، تذكر في الخطابات الجداول التي تحصي عدد الدعاوى الواردة وتلك التي تم البت بها، وهي دائماً تظهر ميزان دعاوى إيجابياً يمهّد للفقرة الأخيرة من الخطاب النموذجي، التي تؤول الى شكر قضاة المحكمة والمحامين والمساعدين القضائيين والإداريين على المشاركة لبلوغ هذه النتائج "الباهرة" التي يُعلن عنها في هذا "الحفل البهيج". وفي الاتجاه نفسه، تظهّر الدورات التكوينية للقضاة على أساس أنها تهدف الى وضع القضاة على موجة النظام الإصلاحية والتحديثية، بحيث نلحظ مقترحات "لصقل موهبة القاضي المعاصر للمستجدات" التشريعية والتقنية المحلية والدولية.
 
قضاة مجتهدون
حتى وإن لم تهدف الخطابات الى رسم ملامح القاضي التونسي المثالي في عهد بن علي، فإنها تشكل مخزناً ثميناً لبعض المواصفات التي كان يتغنى بها كبار قضاة تونس. فالقاضي "تتمثل مهمته الأساسية في إشاعة العدل بين الناس (...) وهذه الغاية لا تتحقق إلا إذا تقيد في تحمل أمانة القضاء بضوابط معينة أهمها استقامة السلوك والإلمام بالقواعد القانونية وحسن فهمها وتطبيقها التطبيق السليم". كما أن القضاة مدعوون دائماً "للانكباب على العمل بكل جدية وانتباه وثبات وترو قبل اتخاذ القرار، وإيلاء كل نازلة العناية التي تستحقها، ومحاولة إصلاح ذات البين قدر المستطاع، والإسراع بفصل الخصومات مع احترام الضمانات القانونية، والأخذ بعين الاعتبار في المقام الأول المصلحة العامة". ويبقى هذا الاحترام المطلق المعطى للمصلحة العامة في رسم دور القاضي في مجتمعه كظل يطغى على كل الأدوار الأخرى المناطة بالقاضي، وهو ما يتماشى تماماً مع النظرة الدونية التي ينظر بها القضاة إلى أنفسهم بالنسبة الى الحاكم المشرع، الذي له طبعاً أن يرسم حدود هذه المصلحة العامة الضبابية التي تفرض نفسها على القاضي، كما له مباشرةً أكثر أن يرسم ملامح القاضي النموذحي بنفسه.  
ويظهر "المجهود والنشاط" بدون شك بمثابة الصفتين المفضلتين لدى القضاة التونسيين، فيظهر عبرها القضاء التونسي برمّته كقضاء "مجتهد" يحسن "الاقتداء بما يقوم به ويقدمه الرئيس"، وينحصر همه الأول بأداء مهنته بالمعنى التقني المجرد للكلمة، كأن تصبح الدورات التدريبية على أنواعها المطلب الأول للقضاة المتكلمين، وأول ما يبرزونه عند عرض إنجازات محاكمهم، بمنأى عن أي كلام عن استقلالية القضاء أو دوره الاجتماعي. ومن جهة أخرى، وبشكل لا يقل أهمية، يبقى هاجس "التعصير"، أي مواكبة حاجات العصر في القضاء والمجتمع، مخيماً على معظم الكلمات، إذ إنه "يجب أن يكون سلوك القاضي متطوراً مع عمله مع العلوم والاكتشافات الحديثة في كل المجالات". والعولمة تظهر كالمرادف الدائم لهذا التطور، فتُستعاد دائماً عند رسم صورة القاضي المثالي.
 
نشر في العدد صفر من مجلة المفكرة القانونية في تونس
 


[1]لقد اكتفينا هنا بعرض نتائج دراسة خطابات السنوات الأولى بعد العام 2000.
[2]B. Hibou, La Force De L’obéissance.