"مخزون النشاط الجماعي" عبر القرون

تعقيباً على مراقبته للتحرّكات الشعبية والجموع في بريطانية وفرنسا في القرنين الثامن والتاسع عشر، ابتكر الباحث الأميركي في التاريخ وعلم الاجتماع تشارلز تيلي مصطلح "مخزون النشاط الجماعي"، ووصف من خلاله تحوّلاً نوعياً أمكنه رصده في تطور هذه التحركات، من حيث الأساليب التي تعتمدها جمهرتها للإعلان عن مطالبها في وجه السلطات الرسمية وللدفع نحو تطبيقها أو تحصيلها.

وخاصيّة هذا المصطلح -- الذي يُعرِّف تيلي استخدامه احياناً بالتصريح "المجازي" لأنه لا يعالج كل مسائل التحركات الاجتماعية ومنها البُعدان العفوي والعاطفي -- تكمن في تحديده لأنماطٍ في أشكال التحركات وصولاً إلى ما سيسمى مدرسياً ومصطلحياً "بالحِراكات الاجتماعية". وتدعو هذه الأنماط الباحث للتفكُّر في أنماط الأنظمة الاجتماعية والسياسية التي تعمل داخل إطار نفوذها هذه التحرّكات، أي الى معالجة هذه التحركات بعلاقتها مع بنية هذه الأنظمة السياسية. ملاحظته الأساسية في هذا الخصوص، تقول بوجود مجموعة من طُرق النشاط في مرحلة زمنية معيّنة يتقبّلها النظام القائم (الشرطة، الحكومة) ويتعايش معها، بينما تُصبح طُرق نشاط كانت شائعة في مرحلة أخرى غير مقبولة (غير واردة وغير مُتوقّعة) من القوى السياسية المَعنيّة، أكانت من الحكومة أو من أهل التحرّك أنفسهم. في القرن الثامن عشر، وقد بدأت أنماطه في قرون سابقة واستمرت حتى بدايات القرن التاسع عشر، نجد تحركات تقوم على حرق منازل من اعتبرتهم الجموع مُخطئين بحقّها (مسؤولين عن غلاء في أسعار السلع الاساسية مثلاً إلخ.)، أو تقوم على التصدّي بالقتال لجيوش الحكومة رفضاً للتجنيد الإجباري، أو تدمير آلات العمل، وغيرها من الأمثلة. ويلحظ أن أصنافاً من العنف، قد برزت من بين النتائج الثانوية المنتظرة والمقبولة لهذه التحركات، ولو لم تكن هي أساس التحرك. بينما في القرن التاسع عشر ووصولاً إلى القرن العشرين، تختفي هذه الأنماط ويصبح العنف مرفوضاً بتاتاً من قبل أهل بعض الحراكات. هكذا، ولدرجة معيّنة، يستقيم فهم التحركات الشعبية والحراكات الاجتماعية من خلال ربطها بمنظومة قيم محيطها الاجتماعي، وهو السبب (من بين عدة أسباب) الذي يُفسّر لماذا حراكات هذا العام في دولة ما تشبه حراكات العام السابق وستشبه إلى حد كبير حراكات العام المُقبل. الاستمرارية والنمطية هنا، هي أيضاً دليل احترام لقيم مشتركة، ولاستنتاجات وخبرات الأعوام السابقة، ولتلمسٍ واقع مَبني عليها، فتأخذنا من "وجهة نظر" الحراكات، أو من زاويتها، إلى خطوط التقسيم العام للأدوار والأوقات في المجتمع وفي سياسة التعبئة الشعبية.

في أبحاث تيلي إذاً، "مخزون النشاط الجماعي" الأكثر شيوعاً حالياً بين الحراكات الاجتماعية برَز برأيه في القرن التاسع عشر. صفاته المألوفة هي الدعاية المُعتمدة من أجل برنامج مُوحّد، والسعي لجمع وإبراز أكبر عدد ممكن من الناس المؤيدين، والتنظيم. هذا النمط في العمل المطلبي يعزوه تيلي لتطوّرين أساسيين في المجتمعات الحالية ومنذ القرن التاسع عشر في حالتي فرنسا وبريطانيا. التطوّر الأول هو ازدياد تركّز رأس المال، وتفتيته لإطارات الانتظام المهني القديمة، لا سيما "الكوربوراتية" منها، وتطوّر "الوظيفة" بمفهومها الحالي الذي يَفصل بين العامل وأدوات عَمله، فيصبح العُمال معزولين في مُجمّعات صِناعية مُستحدثة بعكس أسلافهم الذين، وإن لم يَملكوا جميعهم أدواتهم مثل الحِرفيين، كان يمكنهم الاتّكال على الروابط الأهلية المحلّية وقيم التضامُن للدَفع بتصحيح ما يعتبرونه ظلماً يلحقهم، ما جعلهم يلتحقون بحركات مُنَظّمة أو يُرافقونها، حيث إن التنظيم وتوضيح البرنامج المطلبي سَمح باستقطاب أكبر عددٍ منهم. أما التطوّر المُجتمعي الثاني، فهو الحياة البرلمانية واللعبة الانتخابية الوطنية التي، وإن كانت قاعدة استيعابها لم تحقق توسعها الأقصى على مرّ القرن التاسع عشر بينما لم يشمل حقّ التصويت المواطنين الراشدين كافة إلا متأخّراً، إنما كانت قد أبرزت على مرأى من الجموع إمكانية التأثير بمركز القرار السياسي الأعلى.

بالمقارنة مع المخزون الحديث، كان القرن الثامن عشر يتميّز بتحركات ذات طابع محلّي، تنطلق من مقاطعات أو حتى من ضِيع معزولة لتخاطب السلطات الفاعلة فيها. وقد كانت الغاية غالباً مناشدة إحدى السلطات المحلّية بتلبية المطالب أو بتقديم الدعم في وجه سلطة أخرى استاء منها المنتفضون. وهو ما يتناسب مع تركيبة السلطة آنذاك في هذه الدول (وكذلك الأمر في دول السلطنة العثمانية)، حيث كانت تُوكِل السلطة الملكية أو السلطانية بعض مهام بسط سلطانها إلى قوًى أصغر حجماً ومحلّية الطابع كانت أحياناً من رواسب "الإقطاع". كما أن التحركات في هذه المرحلة كانت تَستَسخدم رموز تمرّد بارزة، وتستولي أحياناً على بعض صلاحيات الدولة ولكن على الطريقة التي كانت تعتبرها مستقيمة ومُصححةً للخطأ الحاصل وذلك باسم المجتمع المحلّي وقيمه.
 
حراك هيئة التنسيق النقابية

بالنظر إلى موضوع لبنان في هذا الصيف من العام 2014، يمكن للمشاهد تلمّس صيغتين من التحركات المطلبية، تندرج كل منهما في أحد المستوعبين المشار اليهما أعلاه. ويطرح لا شك تلازمهما الزمني هذا بعض التساؤلات حول الإطار الوطني العام الذي يَدخلان في مجاله، إن من حيث تطورات النظام السياسي، أو من حيث تطورات النظام الاجتماعي. والمستوعب الحديث يَتَمثل بحراك "هيئة التنسيق النقابية". يقوم منطقه على التظاهر والاعتصام السلميين، على التنسيق وتنظيم النشاطات منهجياً، على الإعلان عن برنامج مرحلي واضح ومُعنوَن، وطبعاً على محاولة كسب مشاركة العدد الأكبر من الناس على كل مساحة البلاد. صراع الهيئة مع الحكومة والبرلمان في السنوات الثلاث الماضية، كما كتبنا عنها سابقاً، قد تكون أخذت النظام السياسي إلى بعض حدود ارتكازه. إلا أن أحداث الصيف قد توحي للمراقب بأن الحراك نفسه استنفذ إلى أقصى درجة "مستوعب النشاط الجماعي" الذي يعمل في إطاره، إذ يبدو أن الفريق الحاكم (أي الطبقة الحاكمة المنسجمة بكل عناصرها في حكومة تمام سلام "الوحدوية") يريد أن يأخذ التنازع مع هيئة التنسيق إلى مجالٍ آخر، مجالٍ يؤدّي إلى نزع الشرعية عن العمل النقابي كاملةً. هذا بينما لم تنجح خطوات هيئة التنسيق والنقابات واللجان العاملة في كنفها في إحراز تقدم في ملف سلسلة الرتب والرواتب. ففي السنين الماضية، كانت نشاطات الهيئة تؤدي بين الحين والآخر وفي لحظاتمفصلية إلى تقدّم نسبي للملف، ضمن المسلك الإجرائي المُعتمد في مؤسسات الدولة، ولو بطيئاً: فكان فصل التصديق على مشروع القانون في مجلس الوزراء، ثم فصل التصديق عليه في اللجان النيابية المشتركة الخ. وكانت جميع مكوّنات الطبقة الحاكمة، المتمثلة أيضاً داخل الجسم التعليمي والوظيفي المنضوي في هيئة التنسيق، تُصرّح بتضامنها مع "قضية" الهيئة في دعايتها المعلنة، وتعمد في المقابل على التصدّي لها عن طريق مستوًى من الخطاب يمكن وصفه "بالتنفيسي"، وذلك عن طريق "تضييع الموضوع" بحجج إجرائية شتّى (مثل تأجيل التصديق على القانون بحجة التدقيق الموجب بالأرقام، أو عدم اكتمال نصاب الجلسات، إلخ.)، أو، في الحالات الاضطرارية، بوضع اللائمة على الاختلاف السياسي "الطبيعي" والعادي على الصيغة النهائية لقانون السلسلة. أما في صيف 2014، ومع حلقة التنازع بين الحكومة وهيئة التنسيق حول تصحيح الامتحانات الرسمية، فيبدو للمرة الأولى أن الفريق الحاكم انتهج سياسة "هجومية" بحق الحراك على المستويين الرمزي والمادي. إذ يبدو من قرار وزير التربية والتعليم العالي الياس بوصعب، ثم مجلس الوزراء مجتمعاً، بإصدار إفادات نجاح لجميع الطلاب، أن الغاية كانت في نقل الخلاف على سلسلة معاشات موظّفي الدولة والتعليم الخاص الى الأرض الاجتماعية الأوسع، والجمهور الأعرض. وكأن عملية "انتظار العلامات" خلال الصيف والتحذير من "تدمير العام الدراسي" كاملاً ثم تدمير "الرصيد المدرسي" بالفعل وختاماً من خلال الإفادات كانت بمثابة "إذاقة" للجمهور الوطني لمعنى "الأزمة" الصَرف الذي تُسوّق له الطبقة السياسية منذ ثلاث سنوات، ما سمي "بارتدادات السلسلة". وهنا يقتضي التذكير بأن صيف 2014 لم يكن أول مناسبة تهدد فيها هيئة التنسيق بمقاطعة الامتحانات، ثم بمقاطعة تصحيحها، وتعود عن تهديدها لاحقاً مع بداية العام الدراسي وعودة فعالية الإضراب معه. كما أن الهيئة برهنت في بداية الصيف عن ليونة أكيدة في هذا الخصوص، عبر تراجعها السريع عن مقاطعة إجراء الامتحانات مع التمسك بخيار مقاطعة تصحيحها بالتوازي، متيحةً للطلاب أن يرتاحوا خلال فصل الصيف بينما يدور التنازع الرمزي في موضوع علاماتهم. والصورة العامة هذه لا تشجّع كاتب هذه السطور على الاعتقاد بأن تنظيماً شعبياً بهذه المنهجية والإدراك لمعركته الشعبية على مدى السنوات كان بوارد فعلاً أن يضحّي بجيلٍ كامل من الطلاب، يفوق عددهم عدد موظفي الدولة المطلوب إنصافهم ويضم في صفوفه أبناء وبنات قسم من الموظفين. في هذا السياق، تعمل كذلك خطوة الحكومة بإصدار الإفادات على الكسر من حدة وتماسك الخطاب الداخلي للجزء المستقل والمندفع للهيئة، وتضعه في موقف "التراجع" و"التهور" أمام جمهور الموظفين والأساتذة.

من جهة أخرى، وبالنظر إلى هيئة التنسيق وفق اصطلاح تيلي، يتأتى مأزقها من غياب الحياة الانتخابية الوطنية بالكامل منذ تمديد المجلس النيابي لنفسه في عام 2013. فغياب الانتخابات جعل من كل الخطوات التي تقوم بها الهيئة من "مخزون النشاط الجماعي"، من اعتصام وإضراب وتظاهر، تأخذ بعداً درامياً لا يتناسب وحجمها ومنطقها التكتيكي أصلاً. فهذه النشاطات، إذا ما نظرنا إليها في مثال تنازع هذا الصيف، تقوم على تجريب حقيقي لمدى استيعاب المجتمع للاستثناء، لمدى تقبل الجمهور الوطني لتعطيل المرافق العامة والتضحية من أجل قضية فئة من الناس، من دون أن تضحي هذه القضية بأمور الناس الأخرى وبحساباتهم وبمسار حياتهم العادي. وبالمقارنة مع إطار عملها العادي، الأوروبي الأصل، باتت هذه النشاطات عاجزة عن التأثير في التمثيل النيابي وبالتالي في سياسات الحكومة وفي آراء الطبقة الحاكمة وفاقدة بالتالي لبعدها الاستراتيجي وربما لأي أفق. قد يتعاطف مليون لبناني أو أكثر مع قضية الأساتذة والموظفين، أو مع أي قضية، لكن لن يكون لموقفهم أي تأثير على سياسات الحكم في صيف 2014 أكثر من أي مرحلة سابقة ما بعد "الطائف". هذا مع العلم أنه حتى انتهاج الطبقة السياسية للعبة الديمقراطية نادراً ما يؤمّن مجموعة الخيارات والتمثيل النيابي المتناسبة مع تحولات أهواء وآراء الجمهور.
 
حراك داعش والنصرة في عرسال 

توازياً مع حراك "هيئة التنسيق النقابية" ذي الطابع الوطني، وسارقاً منه الأضواء والاهتمام الإعلامي والرسمي، نجد ما يمكن اعتباره مصطلحياً "حراك التنظيمات الإسلامية في بلدة عرسال" في البقاع الشمالي والذي تبعه ونتج منه موجة من النشاطات المقلّدة في محافظة البقاع، من الخطف المتبادل، بين أقرباء الضحايا العسكريين الذين اختطفتهم المجموعات الإسلامية والقرى المتجاورة، ولو لم تكن هذه الأولى من نوعها. وهذا الحراك يشترك مع "مخزون النشاط الجماعي" للقرن الثامن عشر بكثير من الصفات، إن كان من حيث استيلائه على صلاحيات الدولة عن طريق معاملتها بالمثل و"اعتقال" موظّفيها خطفاً رداً على اعتقال الدولة لعناصر أحد التنظيمين، أو من حيث الاعتماد على العنف والأذيّة واحتمال القتل ثم القتل كوسيلة تفاوض للوصول الى نتائج عملية، غير "سياسية" بالمعنى الحزبي والدعوي والبرلماني. وهي تدّعي إرادة تصحيح الخلل والعودة الى الواقع السابق "لخطأ" الجيش والدولة (اعتقال عماد أحمد جمعة) وتنادي بقيم الجماعة والمحلة (انظر رسالة تنظيم "النصرة" الى أهل عرسال. والجدير بالملاحظة أن تنظيم النصرة يجرّد نفسه من معنى القتل ويضع اللوم على الجيش في قتل العسكريين، بهاشتاغ "الجيش اللبناني يقتل عناصره"، الاخبار في 20 ايلول 2014).

كذلك الأمر، فإن التنظيمات الإسلامية تعمل بمنطق الاتّكال -- الآخذ شكل الوساطة والوشوشة والمفاوضات السرّية -- على قوى غير الدولة لها سلطة "محّلية" (مثل النظامين السعودي والقطري) لتحسين موقعها. والأغلب أن إحدى القوى هذه هي التي حالت حتى الآن دون حصول الجيش اللبناني على الذخيرة التي يحتاجها أو على الإذن و"الضوء الأخضر" لخوض "المعركة الحاسمة" التي يطالب بها جزء من الإعلام امتثالاً بسابقة "معركة نهر البارد". وأمكن مراقبة هذا المنطق سابقاً في حالة اللبنانيين الحجّاج الذين خطفتهم إحدى المجموعات الحربية في سوريا، والتي لجأ أقاربهم الى خطف مواطنين أتراك عند طريق مطار بيروت من أجل تحسين موقعهم في عملية المفاوضات الطويلة. ولا شك بأن هذه "التكتيكات" تستوحي من بعضها البعض وهي لسيت وليدة اليوم، وكانت شائعة في سنين الحرب الاهلية اللبنانية، وهو (أي الوحي) ما يمكن رصده في حال ردّات فعل أهالي العسكريين مع الفرق أنهم لم يصلوا الى مستوى الموقف التفاوضي المستقرّ الذي وصلت اليه المجموعات الإسلامية. ومرد ذلك هو أن المجموعات الإسلامية سبق أن أمّنت لنفسها، بالحرب والتنظيم والتخطيط والعلاقات العامة والصداقات الايديولوجية، منظومة علاقات وتوازنات سياسية وعسكرية تسمح لها بأن تؤخذ من قبل السلطات الرسمية بجدية.
 
خاتمة

إذاً، كما نرى من الأمثلة الآنفة، فإن "مخزوني النشاط الجماعي" لهما في الواقع اللبناني، أو أقله في التاريخ المعاصر لحقل السلطة، حوافز أو نواقص، تعطي معنى لصنف من النشاطات، كما يتلمّسه رغماً عنهم أهالي العسكريين الذين يلجأون بدورهم للخطف أو الذين يهددون ظالمهم بالانتقام، وكذلك يفهم من هذه الحال أن تنظيمي "داعش" و"النُصرة" لا ينتهجان أساليب غريبة أو مجنونة أو مجانية. ويَحرم الواقع اللبناني في المقابل الصنف الآخر من الحراكات من معانيها، أو يُحورها، فإذا بالمُنظمين لحراك "هيئة التنسيق النقابية" يجهدون للحفاظ على تماسك جسمهم التنظيمي وقاعدتهم الشعبية على مدار الأعوام، رغم أنه ليس هناك من حلٍ آخر في الأفق يعطي أهل الحراك حقوقهم.

واللائمة في الحال هذه تقع على الطبقة السياسية جمعاء، الوصية على الحكومة والدولة والمجال الجغرافي الوطني، والتي يمكن، في سبيل المجاز، اعتبار "أنها تأخذ المجتمع اللبناني خلفاً إلى القرن الثامن عشر".

لكن تلازم الصنفين من التحركات ليس وليد الصدفة، والرابط بينهما وثيق ونكاد نقول "بنيوياً" أيضاً. فالصنف العنيف هو نتيجة الانسداد الحاصل في وضع الصنف الا-عنفي والحديث. وليس مشهد الأمهات والزوجات والآباء والأطفال الذين يبكون على شاشات التلفزة، والعسكريين الذين يترجوّن الرحمة ويتكلّمون بلغة جلاّديهم، طالبين من "حزب الشيطان" أن يكّف عن "ظلم أهل السنة" وأن يخرج من سوريا، كل هذا ليس إلا دليلاً إضافياً، في عهدة التاريخ وحده، لمستوى القعر الذي يتحدث انطلاقاً منه ضعفاء هذه البلاد، ولافتقار هؤلاء لأي معنى وجودي يبرّر لهم تمسّكهم بالبقاء ويكون لهم لغةً رديفة لمخاطبة جلّاديهم والرأي العام والطبقة السياسية، بينما يجعل سياسييهم من كل أشكال بروزهم وروابطهم الخاصة مَدعاة مُماطلة وسخرية وانسداد أفق وإحباط حتمي، بما في ذلك أكبر هذه الرابطات والتجلّيات الشعبية حجماً في السنوات الأخيرة، حراك أساتذة المدارس والموظفين.
 
 
نشر في العدد الواحد و العشرين من مجلة المفكرة القانونية