أعلن مؤخرا بالمغرب عن مشروع قانون جديد يتعلق بمحاربة العنف ضد النساء. ورغم أهمية هذه المبادرة، إلا أن الاحتجاجات التي صادفت الاعلان عنها أدت إلى صرف النظر عن الكثير من المقتضيات القانونية المهمة التي تضمنها المشروع الجديد، لا سيما على مستوى تجريم مجموعة من الأفعال الجديدة التي حتمتها التحولات الاجتماعية والاقتصادية والتشريعية وحتى السياسية التي يعيشها المغرب.
 
المؤشرات الايجابية في مشروع القانون:
لقد شكل مطلب اصدار قانون اطار لمحاربة العنف ضد المرأة أحد المطالب الملحة للحركة النسائية بالمغرب أمام تنامي ظاهرة العنف التي أضحت تشكل ظاهرة مقلقة تلقي بظلالها على الاستقرار الأسري خصوصا والمجتمعي بصفة عامة. وبالرغم من التعديلات الكثيرة التي مست القانون الجنائي، إلا أنها لم تستطع أن تضمن تحقيق معالجة نوعية للجرائم التي تستهدف النساء لكونهن نساء، أي لاعتبارات تتعلق بالنوع الاجتماعي.
 
تحديد الاطار المفاهيمي وتقديم تعاريف متقدمة للعنف:
من أهم مميزات نص مشروع القانون الجديد أنه اهتم بتحديد الاطار المفاهيمي لعدد من المصطلحات الواردة في نص التعديل وتقديم تعاريف متقدمة للعنف ضد النساء، وتعديد أنواعه وأشكاله بصورة شبه متكاملة (الجسدي – النفسي – الجنسي – الاقتصادي). ومن أبرز هذه التعريفات:

العنف ضد المرأةوهو "كل فعل مادي أو معنوي أو امتناع أساسه التمييز بسبب الجنس، يترتب عليه ضرر جسدي أو نفسي أو جنسي أو اقتصادي للمرأة".

- والعنف النفسي وهو "كل اعتداء لفظي أو اكراه أو تهديد أو اهمال أو حرمان سواء بغرض المس بكرامة المرأة والطفل وطمأننينتهما أو بغرض تخويفهما أو ترهيبهما".

- والعنف الاقتصادي وهو "كل فعل أو امتناع عن فعل ذي طبيعة اقتصادية أو مالية يضر، أو من شأنه أن يضر بالحقوق الاجتماعية أو الاقتصادية للمرأة والطفل".

كما عرف التحرش الجنسي بأنه "كل امعان في مضايقة الغير في الفضاءات العمومية بأفعال أو أقوال أو اشارات ذات طبيعة جنسية أو لأغراض جنسية".  

ومن مميزات هذا النص أنه لم يعاقب فقط على التحرش ضد المرأة الصادر من رجل وإنما عاقب على التحرش بجميع صوره. وهو ما يبدو من خلال عبارة "الغير" التي تعني الرجل والمرأة على وجه سيان. وهكذا تعد كل صور الإمعان في مضايقة الغير أو الآخر في الفضاءات المفتوحة أمام العموم مجرمة سواء تمثلت في أفعال أو أقوال أو إشارات ذات طبيعة جنسية أو لأغراض جنسية.
ورغم الصعوبات التي قد يثيرها تطبيق هذا النص من ناحية إثبات فعل التحرش، إلا أنه يشكل إضافة نوعية في مجال مكافحة ظاهرة أضحت متفشية على مستوى الواقع العملي لأسباب عديدة منها انهيار دور القيم داخل المجتمعات وفساد الذوق العام وسيادة أفكار نمطية تشجع على التحرش وتتساهل مع هذه الظاهرة والنظرة الدونية للمرأة باعتبارها مجرد موضوع للجنس.
 
تجريم عدة أفعال وتصرفات ظلت خارج دائرة التجريم وتشكل أوجها متعددة للعنف المصلت على النساء:
من ايجابيات المشروع الجديد تجريم عدد من الأفعال التي كانت غير مجرمة خاصة تلك المتعلقة بتطبيق مدونة الأسرة وهو ما كان إلى وقت قريب ينسف كل المظاهر الحمائية التي حاولت المدونة تكريسها في مجال حماية حقوق المرأة خصوصا والأسرة على وجه العموم.
وهكذا تم تجريم الامتناع عن ارجاع الزوج المطرود إلى بيت الزوجية في نطاق ما هو منصوص عليه في المادة 53 من مدونة الأسرة، فضلا عن تجريم اكراه أو اجبار امرأة على الزواج، مع تشديد العقوبة في حال مصاحبة ذلك بعنف جسدي، وتجريم المساس بجسد المرأة من خلال كل تسجيل بالصوت أو الصورة أو أي فعل جنسي بطبيعته أو بحكم غرضه يترتب عليه تشهير أو إساءة لها، مع تشديد العقوبة إذا ارتكبت الجريمة من طرف الزوج أو أحد الاصول أو الكافل أو شخص له ولاية أو سلطة على الضحية، أو مكلف برعايتها، وتم في نفس السياق تجريم السرقة وخيانة الامانة والنصب بين الزوجين.
 
احداث اطار قانوني لخلايا التكفل بالنساء والأطفال ضحايا العنف:
ومن ايجابيات المشروع أيضا ايجاده لإطار قانوني ينظم عمل خلايا التكفل بالنساء والأطفال ضحايا العنفوالتي تم احداثها مؤخرا على صعيد أغلب محاكم المغرب.ويتعلق الأمر في هذا المجال بخلايا محلية تتواجد على صعيد كل محكمة ابتدائية، تعنى بتوفير الوقاية والحماية من كافة مظاهر العنف التي يمكن أن تتعرض لها النساء والأطفال، ويبلغ حاليا عددها حوالي 86 خلية، سواء تلك المنتشرة على المستوى الوطني بالمحاكم الابتدائية، أو على صعيد محاكم الاستئناف، وتتواجد مقراتها بالنيابات العامة، وتتألف من مختلف مكونات الجسم القضائي داخل المحكمة حيث تتكون من ممثل عن النيابة العامة، وقاضي التحقيق، وقاضي الحكم، وقاضي الأحداث، وكتابة الضبط، والمساعدة الاجتماعية بالمحكمة. وتشكل هذه الخلايا نقطة الاتصال الأولى بين القضاء والضحايا، حيث تقوم بتقديم كل المساعدات القانونية الهادفة إلى تسريع البت في ملفات قضايا النساء والأطفال ضحايا العنف، وضمان الخدمات الصحية والإدارية لهم وذلك بشكل مجاني، وتحرص على عدم اللجوء إلى تفعيل المسطرة القضائية إلا كحل أخير يلجأ اليه بعد فشل كل محاولات الصلح بين أطراف النزاع.
 
وضع تدابير حمائية جديدة للنساء المعنفات:
من أهم هذه التدابير الحمائية الجديدة للنساء المعنفات:
-  ابعاد الزوج مؤقتا عن بيت الزوجية مع ارجاع الزوجة إليه،
- احالة الضحية وأطفالها على مراكز استقبال النساء وايوائهن في حالة العنف الزوجي.
- منع المعتدي من الاقتراب من الضحية أو من مقر سكنها أو عملها أو دراستها.
- عرضه على العلاج النفسي عند الاقتضاء،
- جرد ممتلكات الأسرة الموجودة في بيت الزوجية في حالة العنف الزوجي،
- تجريده من السلاح إذا كان من حامليه، في حال استعماله في التهديد،
- اشعار المعتدي بأنه يمنع عليه التصرف في الأموال المشتركة.
 
مؤشرات سلبية في المشروع الجديد
ان المؤشرات السلبية الواردة في مشروع قانون العنف ضد النساء يمكن ابرازها سواء من حيث الشكل أو من حيث المضمون.

فمن حيث الشكل : من المؤاخذات التي يمكن تسجيلها على مستوى مشروع القانون الجديد المتعلق بالعنف ضد المرأة:

- في الوقت الذي يتحدث العنوان عن مشروع قانون يتعلق بمحاربة العنف ضد النساء، نتفاجأ بأن المضمون يشتمل على مقتضيات تتعلق بالعنف ضد النساء والأطفال وهو ما يعد استمرارا للصورة النمطية المنتشرة حول طريقة التعامل مع قضايا المرأة من خلال استمرار الربط بينها وبين قضايا الطفل،بل ويتضمن المشروع نصوصا تجرم العنف ضد الأصول والكافل والأزواج، أي أن الأمر لا يتعلق بمشروع قانون يهدف لمناهضة العنف ضد المرأة فقط وإنما يتناول العنف الأسري بصفة عامة.

- الأمر لا يتعلق بقانون اطار لمحاربة العنف وإنما مجرد تعديل لعدد من مقتضيات القانون الجنائي الصادر سنة 1961، وبالتالي نكون أمام نص مكمل ومعدل للقانون الجنائي الحالي وليس أمام قانون اطار لمحاربة العنف ضد النساء.

- لغة المشروع تبقى في كثير من جوانبها غير منسجمة مع التطور الذي تعرفه الساحة الحقوقية الوطنية والدولية، فهي لغة محافظة وأحيانا تكرس نفس المواقف المسبقة المبنية على أفكار جاهزة من قضية المرأة. ويكفي هنا ان أشير إلى الفصل 495 في نص المشروع الجديد الذي يجرم المساس بحرمة جسد المرأة حيث يبدو هذا النص يكرس نفس الصورة النمطية عن النساء بكونهن عورة.

- فلسفة المشروع استمرار لفلسفة القانون الجنائي الذي وضع في سنة 1961 وهو ما يبدو من خلال تغليب الهاجس الأمني والمقاربة الزجرية، وسيادة مفهوم شرف الذكور والعائلة وحرمة جسد المرأة. فالتعديلات التي أدخلها المشروع لم تستطع تخفيف الطابع المحافظ للقانون الجنائي في صورته الأولى وهو ما يبرز أيضا على مستوى استمرار نفس التبويب المنتقد: إدراج جريمة الاغتصاب وهتك العرض ضمن الجرائم المتعلقة بانتهاك الآداب والأخلاق العامة، وإدراج جريمة التمييز بسبب الجنس ضمن جرائم افساد الشباب والبغاء والتي تم تغيير تسميتها إلى "الاستغلال الجنسي وإفساد الشباب"،
 
أما من حيث المضمون : فرغم المؤشرات الايجابية التي تضمنها مشروع القانون الجديد حول العنف ضد المرأة إلا أن غياب المقاربة التشاركية وعدم استشارة المعنيين والمتدخلين في تطبيقه أثر على مضامين هذا المشروع وهو ما يبدو من خلال عدة مستويات :

بالنسبة لمذكرة التقديم: جاءت مقتضبة، وأغفلت الاشارة إلى التطور التاريخي لمكافحة العنف ضد النساء بالمغرب، كما أغفلت الاشارة لدور المجتمع المدني والحركة الحقوقية الوطنية في مجال مناهضة كل أشكال العنف ضد النساء من خلال الترافع ومراكز الاستماع والمذكرات والعرائض والدراسات التي أنجزتها، في حين ركزت على الجهود الحكومية دون سواها من مجهودات. وهو ما يبدو بوضوح في نص مذكرة التقديم التي جاء فيها أن هذا المشروع هو ثمرة تعاون بين وزارة المرأة والأسرة والتضامن ووزارة العدل كما سبقت الاشارة إلى ذلك اعلاه.
وقد أغفلت مذكرة التقديم الاشارة إلى الاحصائيات الوطنية الرسمية أو غير الرسمية المتعلقة بواقع العنف ضد المرأة مما كان سيساعد على فهم الاطار الذي تندرج ضمن هذه المبادرة وسياقها العام والخاص.

من جهة أخرى سكت مشروع القانون الجديد على مجموعة من المواضيع التي شكلت محورا لمطالب حركات حقوقية، ومن بينها: 

- اغفال تجريم الاغتصاب بين الزوجين، رغم أن تزايد عدد الشكايات بهذا الخصوص.

- اغفال المطالب المتعلقة بمراجعة المقتضيات الخاصة بالإجهاض من خلال اباحته في أحوال معينة من بينها زنا المحارم، اغتصاب القاصرات، أو جرائم الاغتصاب المتبوع بحمل،

- اغفال تجريم زواج القاصرات دون الحصول على اذن قضائي خاصة وأن المشروع عاقب على الاكراه في الزواج،

- اغفال التنصيص على عقوبات خاصة في اطار محاربة العنف الاقتصادي الذي تتعرض له عدد كبير من النساء بسبب الأعراف والتقاليد والنظرة الدونية للمرأة ولا سيما في حالات حرمان النساء من الارث أو التصرف في ممتلكاتهن المملوكة على الشياع وهي ممارسات منتشرة داخل العديد من الاوساط الاجتماعية، وكان حريا بالمشرع مثلما جرم السرقة والنصب وخيانة الأمانة بين الأزواج أن يجرم أيضا وبنص خاص جرائم التصرف في تركة بسوء نية قبل اقتسامها بين الأقارب في حال وجود امرأة، لكون هذه الجرائم تستهدف النساء لكونهن نساء وبناء على معتقدات تحمل نظرة دونية للمرأة.

- اغفال التنصيص على ضرورة تخصص العاملين في مجال محاربة العنف ضد النساء سواء بالنسبة للضابطة القضائية أو المحاكم أو حتى خلايا التكفل واللجان المحدثة، فاختيار القائمين على مجال محاربة العنف لا يتم بناء على معايير واضحة وإنما يسند ذلك لجهة التعيين التي تملك سلطة مطلقة في اختيار أعضاء اللجان وخلايا مكافحة العنف. ويؤدي غياب التخصص الى ضعف الفعالية خاصة إذا كانوا مثقلين بمهام ومسؤوليات أخرى. وقد أغفل المشروع التنصيص أيضا على الزامية التكوين والتكوين المستمر لمكونات هذه الخلايا واللجان المحدثة. كما أغفل الربط بين عمل اللجان وخلايا التكفل وبين أي محفزات مادية أو معنوية، مما قد يؤثر سلبا على المردودية والنجاعة المتوخاة.

- على صعيد المساطر لم يهتم المشروع الجديد بإدخال تعديلات هامة على مستوى التعامل مع قضايا العنف ضد النساء. فلم يهتم بإنشاء قضاء متخصص ولا ايجاد شعب أو غرف متخصصة داخل المحاكم. ولم يلزمها بتخصيص جلسات خاصة بقضايا العنف ضد المرأة. كما أن مشروع القانون لم يتضمن استثناء على سرية البحث التمهيدي، فلم يسمح باجراء الاستماع إلى ضحية العنف في حضور أي شخص تطمئن له.

- غلبة الهاجس الزجري على المقاربة التأهيلية: فمشروع القانون الجديد اكتفى بتجريم مجموعة من الأفعال التي عدها عنفا ضد المرأة، وتشديد العقوبة في أحوال أخرى تمثل ظروفا للتشديد دون أن يهتدي إلى ضرورة محاولة تأهيل الأظناء بارتكاب جرائم العنف أو التحرش بإلزامهم للخضوع إلى جلسات تأهيل تطبيقا لمبدأ العدالة التأهيلية.

- التنصيص على أن تنازل الزوج المشتكي يؤدي إلى وضع حد للعقوبة في أحوال معينة وهو ما من شأنه أن يكرس سياسة الافلات من العقاب، والتطبيع مع ظاهرة العنف الزوجي، بل وشرعنة الأفكار السائدة التي تضع مئات العقبات أمام الزوجة أو المرأة المعنفة لتقديم شكاية بالعنف تفاديا للعار أو خوفا من الفضيحة أو تجنبا للضغوط العائلية أو الاجتماعية التي تتعرض لها.
 
عموما فإن الاعلان عن قرب اصدار مشروع قانون للعنف ضد النساء يعتبر مبادرة محمودة في حد ذاتها، لكن يؤخذ عليها اقصاء المعنيين بهذا القانون من مسلسل التشاور. حيث خرج المشروع الجديد في معزل تام عن التراكمات التي تحققت عبر سنوات من عمل المجتمع المدني في مجال محاربة العنف ضد النساء. بل ولم يتم الاستفادة حتى من تقييم تجربة خلايا التكفل الموجودة على مستوى المحاكم والتي أبانت عن قصور بسبب غياب التخصص والتفرغ ووسائل العمل وأدوات التحفيز بالنسبة للقائمين عليها وصعوبة التنسيق بينهم وافتقار عنصر الالزام في طريقة الاشتغال.
 
ولا بد من الاشارة أخيرا الى مسألة تبقى على درجة كبيرة من الأهمية والخطورة تتعلق بالتعامل الاعلامي مع مشروع هذا القانون، وهو تعامل افتقد للأسف في بعض الأحيان إلى المهنية والموضوعية، حيث تم اختزالالنقاش برمته في مشروع القانون الجديد في نقطة التحرش الجنسي، مع تقديم ذلك في صورة كاريكاتورية مضحكةتتنافى مع الخطورة والألم الذي يثيره موضوع العنف ضد المرأة.
 
للإطلاع على ترجمة النص باللغة الانكليزية الرجاء إضغط هنا