تنقيط القاضي... كيف يكافأ القاضي وعلى أساس أي معايير، هل يكافأ على هندامه، أم حالته الصحية، أم آرائه، هل يكافأ على انتاجيته، أم استقلاليته أم نزاهته؟ أم يكافأ على قدرته في القيام بمهامه ضمن آجال معقولة؟ وكيف يمكن تقييم عمل القضاة، ومن يملك سلطة القيام بهذا التقييم؟ هل يقتصر نطاق تقييم القضاة على عملهم أي اصدار الأحكام وإدارة الجلسات؟ أم يمتد التقييم ليشمل الحياة الخاصة للقاضي وعلاقاته بباقي الفاعلين في منظومة العدالة؟ ألا يشكل تخويل الادارة القضائية سلطة تقييم القضاة من خلال نشرات التنقيط مدخلا من مداخل محاولات التأثير غير المشروع التي قد يتعرض لها القضاة؟ وما سند السرية التي يحاول البعض اضفاءها على نشرات التنقيط؟ وإلى أي حد أسهمت طريقة تقييم العمل القضائي المعتمدة بالمغرب في تحقيق النجاعة القضائية المطلوبة وتحفيز القضاة وضمان استقلالهم؟

... قد لا يتسع المجال لطرح مزيد من الأسئلة حول موضوع شائك لطالما شغل بال عدد كبير من القضاة والمهتمين وهو آليات تقييم العمل القضائي بالمغرب من خلال نشرات تنقيط القضاة. ولعل ما أسهم في اعادة طرح هذا الموضوع الجديد من جهة هو ما أثير مؤخرا حول الاجحاف الذي طال عددا من قضاة المحكمة الابتدائية بالناظور، الشيء الذي دفع بجمعية نادي قضاة المغرب إلى مكاتبة وزير العدل بتاريخ 8-4-2014 من أجل فتح تحقيقشفاف ونزيه حول أسباب اعتماد هذا المسؤول على مؤشرات متدنية لتنقيطالقضاة. وكان نادي قضاة المغرب قد طالب سابقا برفع السرية عن نشرات تنقيط القضاة وتمكينهم من الاطلاع عليها على خلفية ما أثير سابقا من تضرر عدد من قضاة المحكمة الابتدائية بسيدي قاسم من التنقيط السلبي الذي أجراه مسؤول سابق لهم على خلفية فضحهم لتصرفات غير مسؤولة صادرة عنه وهي مخالفات كانت موضوع عدد من البيانات التي أصدرتها جمعية نادي قضاة المغرب.
 
 أولا : تنقيط القضاة سلطة من ؟
بداية لا بد من الاشارة إلى أن تنقيط القضاة بالمغرب يتم استنادا على مرسوم وزير العدل الصادربتاريخ 23 دجنبر 1975 والمحددلشروط وكيفية تنقيط القضاة وترقيتهم من الدرجة والرتبة.ومن خلال قراءة هذا المرسوم يمكن ابداء الملاحظات التالية :

-       السنوية: حيث ينص الفصل الثاني من مرسوم 23 دجنبر 1975 على أنه تهيأ قبل فاتح يناير من كل سنة لكل قاض نشرة تنقيط تحتوي على نظريات عامة حول شهاداته العلمية ومؤهلاته الشخصية وضميره المهني وسلوكه، وكذا المناصب التي يمكن اسنادها اليه حسب مؤهلاته الشخصية. كما يخصص قسم منها لرغبات القاضي. ولا شك أن هذه المادة تكرس تنقيط القضاة بشكل دوري كل سنة.

-       السلطة المختصة بالتنقيط: وقد عبر عنها المرسوم المذكور بالسلطة التي تملك حق التنقيط، حيث يظهر من خلال القراءة الأولى لفصول مرسوم 23 دجنبر 1975 أن المشرع اعتبر التنقيط حقا للمسؤول القضائي في مواجهة مرؤوسيه. وهو ما ينتج من اعتماد مصطلح "حق التنقيط" في مستهل الفصل الثالث من نفس المرسوم والذي تطرق إلى الجهة التي تختص بسلطة التنقيط، حيث يظهر جليا من خلال كيفية صياغة المقتضيات القانونية المنظمة لتنقيط القضاة أن المشرع (وهو استثناء السلطة التنفيذية التي تولت التشريع في أمور تتعلق بالقضاة) لم ينظر إلى تنقيط القضاة كمجرد آلية لتقييم العمل القضائي وإنما اعتبره حقا للمسؤول القضائي أو لوزير العدل نفسه. ويمكن القول بأن هذا الحق جاء مطلقا غير مقيد بمعايير واضحة أو محددة، وهو ما يفسر سبب تغول السلطة التنفيذية وإلى جانبها الادارة القضائية في كثير من الأحيان لا سيما إذا استحضرنا كون الممارسة العملية حولت نظرة المسؤول القضائي التي يعبر عنها من خلال نشرات التنقيط إلى حقائق مطلقة لا تقبل إثبات العكس، إذ تظل هذه النظرة السلبية تلاحق المسار المهني للقضاة وتؤثر سلبا على السير العادي لترقيتهم حتى وان ثبت فيما بعد فساد المسؤول القضائي وتمت معاقبته من طرف المجلس الاعلى للقضاء.فقد يتغير المسؤول القضائي لكن أثر تنقيطه السيء لا يتغير طالما أنه ليس للقضاة الحق في الاطلاع عليه، أو مناقشته أو حتى التظلم بشأنه.

-       وبالرجوع إلى مقتضيات المرسوم المذكور وخاصة الفصل الأول منه، نلاحظ أنه أقر قاعدة مفادها أن جميع القضاة يقع تنقيطهم باستثناء الرئيس الأول للمجلس الأعلى (محكمة النقض حاليا) والوكيل العام للملك به. كما أن المسؤول القضائي بكل محكمة يتولى تنقيط قضاة المحكمة مع مراعاة الاختلاف الموجود بين قضاة الحكم وقضاة النيابة العامة.

فبالنسبة لقضاة الحكم يتولى الرئيس الأول للمجلس الأعلى (محكمة النقض) تنقيط قضاة الحكم بمحكمة النقض والرؤساء الأولين لمحاكم الاستئناف.

ويقوم الرؤساء الأولون لمحاكم الاستئناف بتنقيط المستشارين ورؤساء الغرف بها، فضلا عن تنقيط رؤساء المحاكم الابتدائية التابعة لدائرة نفوذهم، كما يتولى رؤساء المحاكم الابتدائية تنقيط قضاة هذه المحاكم وقضاة المراكز التابعة لها.

ويبدو الأمر مختلفا شيئا ما بالنسبة لقضاة النيابة العامة حيث يتولى وزير العدل تنقيط الوكلاء العامين للملك بمحاكم الاستئناف وكذلك القضاة الملحقين بوزارة العدل. ويقوم الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض بتنقيط المحامين العامين بها فقط دون أن تمتد سلطته في التنقيط إلى الوكلاء العامين للملك بمحاكم الاستئناف الذين يبقون خاضعين لسلطة وزير العدل بالشكل الذي أوضحناه سالفا.

بينما يتولى الوكلاء العامون للملك لدى محاكم الاستئناف تنقيط نوابهم العامين، وكذا وكلاء الملك لدى المحاكم التابعة لدائرة نفوذهم، ويقوم وكلاء الملك لدى المحاكم الابتدائية بتنقيط نوابهم.

أما القضاة الموجودون في حالة الحاق فيتم تنقيطهم طبقا لمقتضيات الفصل 43 من النظام الأساسي لرجال القضاء أي من طرف الوزير أو رئيس المؤسسة الملحقين بها والذي يوجه نشرات التنقيط المنجزة بهذا الخصوص إلى وزير العدل.

وبالرجوع إلى نشرات التنقيط الحالية التي يتم تعميمها من طرف وزارة العدل على القضاة خلال بداية كل سنة يلاحظ أنها تتضمن مقتضيات مخالفة لنص المرسوم المذكور، خاصة على مستوى قضاة المحاكم الابتدائية، حيث يلاحظ أنها تشتمل على خانة اضافية تتعلق بنظرة الرئيس الأول أو الوكيل العام للملك وهو ما يطرح أكثر من اشكال في حالة مخالفتها لنظرة الرئيس المباشر لا سيما وأن الفصل الثالث من المرسوم المذكور حصر سلطة التنقيط بهذا الصدد في رؤساء المحاكم الابتدائية بالنسبة لقضاة هذه المحاكم، ووكلاء الملك بالنسبة لنوابه.
 
ثانيا - تنقيط القضاة وسؤال المعايير ؟
مبدئيا يمكن القول إنمن سيتولى تقييم عمل القضاة ينبغي أن يكون متوفرا على شروط توازي أو تفوق الشروط التي يجب أن تتوفر في الشخص المعني بالتقييم. وهو ما قد لا يتحقق للأسف في كثير من الأحيان. ومن أسباب ذلك عدم وجود تكوين خاص يخضع له المسؤولون القضائيون في الادارة القضائية قبل توليهم المسؤولية. وبالعودة إلى المرسوم المنظم لتنقيط القضاة، يلاحظ أنه ينص في فصله الثاني على أنه تهيأ قبل فاتح يناير من كل سنة لكل قاض نشرة التنقيط تحتوي على نظريات عامة حول شهاداته العلمية ومؤهلاته الشخصية وضميره المهني وسلوكه، وكذا المناصب التي يمكن اسنادها اليه حسب مؤهلاته الشخصية. وتؤكد الفقرة الأخيرة من نفس الفصل على أنه يخصص قسم من هذه النشرة لرغبات القاضي.

ويظهر من هذه المقتضيات أن معايير تنقيط القضاة طبقا للمرسوم المذكور جاءت عامة وفضفاضة وتفتقر لأبسط المقومات الكفيلة بالحفاظ على استقلال القضاة في أداء مهامهم كما تنعدم فيها عناصر الموضوعية والشفافية، ومما زاد في تكريس هذا الوضع السلبي الطريقة التي صيغ بها نموذج ورقة التنقيط والتي اشتملت على عناصر لم يتم التنصيص عليها من خلال نص المرسوم.
فبالرجوع إلى نموذج نشرة التنقيط نلاحظ أنها تنقسم إلى عدة أقسام:

-                قسم يقوم بتعبئته القاضي ويشمل على :

* المعلومات الشخصية (اسم شخصي وعائلي، تاريخ الازدياد ومكانه، الحالة العائلية، عدد الأولاد.. وضعية الزوجة..)،

* المؤهلات والتداريب (شواهد جامعية، اللغات الأجنبية ومستوى المعرفة بها، والتداريب والندوات التي تمت المشاركة فيها..)،

* المعلومات الادارية (تاريخ الدخول للإدارة المغربية، والأسلاك قبل القضاء، وتاريخ الانخراط في القضاء، ومراكز العمل سابقا في السلك
القضائي، الدرجة الحالية وتاريخ ولوجها، مقر العمل الحالي، الأشغال المكلف بها، عنوان الإقامة، آخر تصريح بالممتلكات، الأوسمة وتاريخ الحصول عليها..)،

* خانة تتعلق بملخص رغبات القاضي والتي لا تتعدى بضع سنتميترات.

-                قسم يتعلق بالملاحظات العامة والتي تملأ من طرف الرؤساء المباشرين، حيث تركز هذه الملاحظات على عدة عناصر أهمها:

* المظاهر الخارجية: والتي تحددها نشرة التنقيط في البنية الصحية للقضاة وما اذا كانت جيدة أو حسنة أو متوسطة أو ضعيفة، فضلا عن الهندام وما إذا كان أنيقا، لائقا، عاديا، أو غير ملائم..، ثم الطبيعة سواء اذا كانت هادئة ومتقلبة وتقبل الحوار أو متعصبة للرأي، وأخيرا الذكاء وما إذا كان حادا، عاديا، متوسطا، أو ضعيفا.

* المميزات الخاصة: وتحددها نشرة التنقيط في الثقافة العامة، المعلومات الادارية والنشاط في العمل وطريقة انجاز العمل وتقديمه والمواظبة ثم مدى الكفاءة لمزاولة مهام أعلى.

* السلوك والعلاقات: سواء داخل العمل مع الرؤساء أو باقي القضاة وخاصة أعضاء الهيأة، وباقي الموظفين، والعموم والمحامين ومساعدي القضاء. وكذا السلوك خارج العمل.

* الضمير المهني: تحصره نشرة التنقيط في عناصر أهمها النظر فيما إذا كان القاضي ينجز أشغاله في الوقت المطلوب أو يتأخر في تحرير الأحكام أو ينطق بها غير محررة، وما إذا كان يهيئ ملفاته ويدرسها قبل الجلسة، وما إذا كان يمدد المداولات.

* الأصداء والملاحظات: يبين المسؤول المباشر في هذه الخانة ما يصل إلى علمه حول القاضي فيما يخص سلوكه وسمعته سلبيا أو ايجابيا ويشير إلى التقارير المنجزة في هذا الصدد في حالة وجود تقارير سابقة.

- قسم يشمل النظرية الخاصة للمسؤول المباشر والتي يتعين أن تكون متناسقة مع ما سجل بصفحة الملاحظات العامة مع السير المقترح للترقي (سريع، أو متوسط، أو بالأقدمية).

- قسم يشمل النظرية الخاصة بالسيد الرئيس الأول أو الوكيل العام للملكحيث يجب في حال الاختلاف مع الرئيس المباشر في النظرية أو في السير المقترح للترقي بالنسبة لقضاة المحاكم الابتدائية بيان أسباب ذلك.
 
ثالثا - تنقيط القضاة بين الكائن والمأمول:
ان الاطار القانوني المنظم حاليا لتنقيط القضاة يبقى اطار هزيلا غير كفيل بتطوير العمل القضائي ولا تحفيز القضاة وضمان استقرارهم الوظيفي ولا حتى النفسي، إنه اطار يفتقد للنجاعة المطلوبة وقد يتحول من آلية يفترض أن تسهم في تحصين القضاة من مختلف مظاهر التأثير غير المشروع التي قد تطالهم إلى آلية تمس باستقلالهم. ويمكن ابداء عدد من الملاحظات في هذا الصدد:

-       غياب كلي لنظام التقييم؛

-       ضيق سلم التنقيط (0 إلى 3)؛

-       محدودية عناصر التنقيط : والتي لا تشمل سوى عناصر ضيقة كالمؤهلات العلمية والشخصية، والضمير المهني والسلوك ، ورغبات القاضي..

-       غموض عناصر التنقيط: وهو ما يبدو من خلال عدم دقة عدد من عناصر التنقيط المذكورة أعلاه؛  فهل يمكن اعتبار رغبات القاضي مؤشرا للاعتماد عليه عند وضع التنقيط؟ وكيف يمكن تحديد مؤشر الضمير المهني للقاضي على سبيل المثال؟ وكيف يمكن لعلاقة القاضي مع باقي محيطه من مسؤولين قضائيين أو محامين أو كتاب ضبط أن تشكل مؤشرا يمكن الاعتماد عليه لتنقيط القاضي؟ وإلى أي حد يمكن أن يحافظ مثل هذا المؤشر على استقلال القضاة في مواجهة الادارة القضائية وباقي مكونات منظومة العدالة ومجموعات الضغط أيضا؟
على مستوى الممارسة الفعلية يمكن القول إن النظام الحالي المعتمديكرس ثنائية المحاباة والتحامل، العصا والجزرة .. ويشرعن لاستعمال نشرات التنقيط كسلاح مبطن في يد المسؤول القضائي وكآلية تستعملها الادارة للمس باستقلال القضاة في بعض الأحيان.

فهو نظام يكرس التلصص على الحياة الخاصة للقضاة: من المؤسفأن نجد نشرة التنقيط تتضمن معطيات تهدر حق القضاة في الحياة الخاصة من خلال الزامها للمسؤولين القضائيين بتقييم سلوك القضاة خارج العمل مما يطرح أكثر من سؤال حول مدى سلطات المسؤولين القضائيين في مراقبة القضاة خارج أروقة المحاكم، وطريقة ذلك: هل بالاكتفاء على ما يصل إلى علمهم من وشايات أو أنباء متفرقة أم بالاعتماد على خدمات أجهزة معينة؟ ولعل الحديث عن مثل هذه الامكانية تشكل مسا خطيرا باستقلال القضاة من خلال اقحام أجهزة غير محايدة (في تبعيتها للسلطة التنفيذية) للتربص بالقضاة وعائلاتهم.

وهو نظام يقوم على الوشايات : وهو ما يبدو من خلال العديد من مؤشرات نشرة التقييم ومن بينها على سبيل المثال ذلك البند الذي يلزم المسؤول القضائي بأن يبين ما يصل إلى علمه حول القاضي فيما يخص سلوكه وسمعته سلبيا أو ايجابيا.. فضلا عن البنود المتعلقة بسلوك القضاة مع الموظفين أو المحامين ومساعدي القضاء والعموم..

وهو نظام لا يراعي خصوصيات القضاءين الجالس والواقف: إذ يظهر من خلال تصفح نشرة التنقيط الحالية أنها لا تقيم أي اعتبار للخصوصيات المميزة لقضاة النيابة العامة أو قضاة الأحكام. وهو ما يخرج عن معطيات عدة، منها تلك المتعلقة بالضمير المهني والذي حصرته الوثيقة في عناصر عامة وفضفاضة مثل "انجاز الأشغال في الوقت المطلوب" أو التأخر في تحرير الأحكام أو النطق بها غير محررة أو تمديد المداولات.. وهي عناصر تقييم تقتصر في غالبيتها على قضاة الأحكام دون قضاة النيابة العامة الذين ينبغي أن تتوفر فيهم عدة مواصفات تكتسب عادة بالممارسة أهمها السرعة والإتقان على مستوى اتخاذ القرارات خاصة فيما يتعلق بالتعامل مع الضابطة القضائية أثناء فترات الديمومة وإعطاء التعليمات شفوية كانت أم كتابية، وهي ذات الخاصية التي ينبغي أن يتوفروا عليها أيضا أثناء تواجدهم بالجلسات للرد على الدفوع المثارة، دون أن ننسى القدرة على تقديم مرافعات يستحسن أن تكون شفوية لتعكس شخصية النائب.

وهو نظام يفتقر لآليات قياس عددية: فبالاطلاع على نشرة التنقيط وفق النموذج الحالي يلاحظ اعتمادها على مؤشرات "وصفية" تجعلها بعيدة كل البعد عن أفضل التجارب الدولية في هذا السياق والتي تركز على اعتماد آليات القياس العددي والتي تكفل تحفيز القضاة وتطوير أدائهم المهني.

وهو نظام يكرس الطابع المنغلق: فالطريقة التي يتم بها التعامل مع نشرات التنقيط تؤشر في كثير من الأحيان عن غياب الحوار والتواصل بين الرئيس والمرؤوس؛ إذ أن اغلب العناصر المعتمدة لتنقيط القضاة تكرس الرأي الواحد للمسؤول القضائي وسلطته المطلقة والتي قد تدفع به في بعض الأحيان والمواقف إلى التعسف في استعمال هذه الآلية، وما يساعده على ذلك وجود عرف فاسد يقضي بإضفاء سرية مطلقة على نشرات تنقيط القضاة إذ لا يتم تمكينهم من الاطلاع عليها.
 
رابعا - حق القضاة في الاطلاع على نشرات تنقيطهم بين الاباحة والحظر:
مرت مدة سنة كاملة على المبادرة التي دشنها نادي قضاة المغرب والتي حث من خلالها القضاة على مكاتبة كتابة المجلس الأعلى للقضاء من أجل المطالبة بالإطلاع على نشرات تنقيطهم. وبالرغم من عدم ورود أي جواب عن كتابة المجلس والتي فضلت لزوم الصمت ازاء هذه المبادرة، فإنه لا مناص من الاعتراف بوجود عدة مبررات قانونية وأخرى واقعية تؤكد مبدأ حق القضاة في الاطلاع على نشرات التنقيط.
فالمبررات القانونية تجد سندها بالأساس في المقتضيات الواردة في عدد من النصوص منها:

أ‌-     الدستور : حيثتضمن العديد من المقتضيات التي تصب في اتجاه تكريس رفع السرية "المتوهمة" على نشرات التنقيط أهمها:

-       تكريس مبدأ عام يتعلق بحق المواطنين في الحصول على المعلومة، وهو حق دستوري يستند أيضا على المعايير الدولية لحقوق الانسان حيث ينص الفصل 27من الدستور على أنه "للمواطنين والمواطنات حق الحصول على المعلومات، الموجودة في حوزة الإدارة العمومية، والمؤسسات المنتخبة، والهيئات المكلفة بمهام المرفق العام.


لا يمكن تقييد الحق في المعلومة إلا بمقتضى القانون، بهدف حماية كل ما يتعلق بالدفاع الوطني، وحماية وأمن الدولة الداخلي والخارجي، والحياة الخاصة للأفراد، وكذا الوقاية من المس بالحريات والحقوق الأساسية المنصوص عليها في هذا الدستور، وحماية مصادر المعلومات والمجالات التي يحددها القانون بدقة".

-       تكريس الدستور لعدد من ضمانات حماية استقلال القضاة ومن بينها حقهم في الطعن في المقررات الصادرة عن المجلس الأعلى للسلطة
القضائية بخصوص وضعيتهم الفردية طبقا للمادة 114 من الدستور، وبالتالي لا يمكن التوفيق بين الحق في الطعن والحرمان من الاطلاع على نشرات التنقيط.
 
ب‌-القوانين والمراسيم :ومن أهمها :
·        المرسوم رقم 2.75.883 بتاريخ 20 ذي الحجة 1395 ( 21 دجنبر 1975) المحدد لشروط وكيفية تنقيط القضاة وترقيتهم من الدرجة والرتبة ، والذي لم يرد فيه أي مقتضى قانوني يضفي طابعا سريا على نشرات التنقيط.

·        الفصل 22 من النظام الأساسي لرجال القضاء الذي ينص على تكوين ملف خاص بكل قاض تثبت فيه وتحفظ جميع المستندات المتعلقة بحالته المدنية والعائلية وشهاداته الجامعية والوثائق التي خولت له الانخراط في السلك القضائي والنقط والنظريات التي أبديت في شأنه والآراء التي أعرب عنها المجلس الأعلى للقضاء في حقه والمقررات المتخذة إزاءه كيفما كان نوعها طيلة مزاولته لمهامه وكذا التصريحات المنصوص عليها في الفصل 16. ومن الواضح أن هذا الفصل لم يستثن أيا من مشتملات ملف القاضي من امكانية الاطلاع عليها بما في ذلك نشرات التنقيط على خلاف المنع الوارد بشكل صريح على سبيل المثال في الفصل 61 من النظام الأساسي والذي أجاز للقاضي المحال تأديبيا على المجلس الاطلاع على جميع وثائق ملفه باستثناء نظرية المقرر التي تبقى سريا.

·        الفصل 28 من ظهير 24/02/1958 بمثابة القانون الأساسي للوظيفة العمومية الذي لا يطبق على القضاة، وإن أمكن اللجوء إليه عند القياس المعمول به في المادة الإدارية باعتباره يمثل الشريعة العامة، حيث ينص صراحة على أنه تعطى في كل سنة للموظف المباشر لوظيفته أو الملحق بإدارة أخرى نقط بالأرقام مصحوبة بنظرة عامة يفصح فيها عن قيمته المهنية. ولا يختص بحق إعطاء النقط المذكورة إلا رئيس الإدارة. وتوضع هذه النقط على بطاقة سنوية معدة لهذه الغاية تضاف إلى ملف كل موظف ويخبر المعنيون بالأمر بالنقط التي تعطى لهم بالأرقام كما تخبر بذلك اللجان الإدارية المتساوية الأعضاء، ويمكن لهذه اللجان أن تطلع كذلك على الملاحظات العامة. وعليه فإذا كان الموظف من حقه الإطلاع على ورقة تنقيطه فكيف يحظر ذلك على القضاة؟
 
ج – الاجتهاد القضائي : إن القضاء الإداري المغربي كرس رقابته على سلطة المسؤول في التنقيط في أكثر من مناسبة حيث جاء في أحد أحكامه: "إن الفقه القضائي استقر على أن سلطة تنقيط الموظفين وإن كانت تدخل في إطار السلطة التقديرية للإدارة، إلا أنها مع ذلك تبقى خاضعة لرقابة القضاء الإداري متى كانت مشوبة بعيب الانحراف في استعمال السلطة أو متى أعلنت الإدارة عن سبب إصدارها للقرار وردته لأسباب معينة ومحددة ( ...) ذلك أن رجل الإدارة في ممارسته للاختصاصات المنوطة به قانونا، يجب ألا يخضع في تصرفاته وقراراته لما تمليه عليه الأهواء، وإنما يجب أن يستند في كل ما يصدر من قرارات تدخل في نشاطه الإداري إلى أسباب واقعية تبرر اتخاذها حتى ولو كانت تلك القرارات تخضع لسلطته التقديرية بما يكفل تحقيق المصلحة العامة، وأن لا يؤدي ذلك الانحراف في استعمال السلطة لتحقيق أغراض شخصية حيادا على المصلحة العامة من خلال المقررات الصادرة عنه"، (حكم المحكمة الإدارية بوجدة رقم 97/2002 صادر بتاريخ 30/04/2002 في الملف عدد 1668/2001).
 
أما المبررات الواقعية والمنطقية فتجد سندها من واقع الممارسة العملية حتى قبل صدور الدستور الجديد والتي تؤكد أن بعض المسؤولين القضائيين لا يجدون حرجا في إطلاع القضاة على نشرات تنقيطهم. كما أن عددا منهم يقومون بوضع مؤشرات التنقيط بإشراك تام للقضاة، وبالتالي فإن بعض الممارسات الجيدة والمسؤولة لعدد من المسؤولين القضائيين استطاعت أن تتجاوز سلبيات بعض الأعراف والممارسات السلبية. كما أن الأصل في الأشياء الاباحة وليس ثمة أي مقتضى قانوني صريح أو ضمني من شأنه أن يمنع القضاة على الاطلاع على نشرات تنقيطهم. ومن الناحية المنطقية، لا يعقل أن يكون للقضاة الحق في الطعن في المقررات المتعلقة بوضعيتهم الفردية ومن بينها الترقية دون أن يكون لهم الحق في الاطلاع على هذه النشرات لا سيما وأن درجة التقييم توثر على المسار المهني للقضاة و ترقيتهم.
 
وفي الأخير، لا بد من تقديم بعض الملاحظات الختامية حول مبادرة نادي قضاة المغرب المتعلقة بالمطالبة برفع السرية عن نشرات تنقيط القضاة والتي تصادف الذكرى الاولى لإطلاقها مع اليوم التضامني المقرر لفائدة قضاة المحكمة الابتدائية بالناظور في السابع من يونيو من العام الجاري. ويمكن اجمال هذه الملاحظات فيما يلي:

- يتعين على القضاة الاستمرار في توجيه المراسلات المقدمة إلى السيد وزير العدل والحريات بصفته نائبا لرئيس المجلس الاعلى للقضاء مع الاهتمام بتوجيهها وفق قواعد المراسلات الادارية، أي من خلال احترام السلم الإداري. ولا يجوز للمسؤول القضائي رفض توجيهها تحت أي مسمى لكون دوره يقتصر على التأشير على هذه المراسلات دون أن تكون مضامينها ومحتوياتها ملزمة له. فالتأشير على المراسلات الادارية المقدمة في هذا المجال لا يعدو أن يكون مجرد اجراء اداري.

- نتمنى من كتابة المجلس الاعلى للقضاء أن تجيب السيدات والسادة القضاة بخصوص كتبهم المتعلقة بالإطلاع على نشرات التنقيط ضمن آجال معقولة، وفي حال الرفض يجب أن يكون هذا الرفض معللا، حفظا لحق القضاة في الطعن فيه باعتباره مقررا إداريا. وهو ما يعكس التنزيل الديمقراطي لروح دستور 2011.

- يتعين على القضاة أيضا عدم الاكتفاء فقط بتوجيه كتاب للإطلاع على نشرات التنقيط وإنما توجيه تذاكير جديدة بشكل دوري من أجل وضع المجلس الأعلى للقضاء أمام مسؤولياته التاريخية وتقديم موقفه بوضوح إما بالإسراع بالاستجابة إلى طلبات القضاة وتمكينهم من الاطلاع على نشرات تنقيطهم طالما أنه ليس هناك أي مانع قانوني أو نص يمنع ذلك، أو الاعلان الصريح والواضح بتعذر الاستجابة لهذا الطلب مع توضيح الاسباب التي ينبغي أن تكون معقولة وواضحة ومنسجمة مع التأويل الديمقراطي للدستور الجديد.

- لا بد للقوانين التنظيمية المتعلقة بالسلطة القضائية التي هي في طور الاعداد أن تتجاوز سلبيات المنشور الحالي المنظم لتنقيط القضاة، وان كانت المشاريع المعلن عنها قد حاولت تبني المبادرة التي أعلن عنها نادي القضاة برفع السرية عن نشرات التنقيط. فمشروع النظام الأساسي يسمح للقضاة بإطلاعهم على آخر نشرة تقييم لهم بكتابة المجلس الأعلى للقضاء، الا أن ذلك يبقى غير كاف إذ لا بد من تمكين القضاة من الاطلاع على جميع نشرات تقييمهم وتنقيطهم دون أدنى استثناء.

وأقول أخيرا أن مبادرة نادي قضاة المغرب بدعوة القضاة لطلب الاطلاع على نشرات تنقيطهم هي لا تستهدف بث روح التشكيك داخل الجسم القضائي أو احداث الفرقة والقطيعة بين المسؤولين القضائيين والقضاة، وإنما يتعلق الأمر أولا وأخيرا بمبادرة الهدف منها الدفاع عن شفافية وموضوعية نظام تقييم القضاة للقطع مع أي محاولة للإبقاء على التحكم داخل بنيات السلطة القضائية والتدخل في استقلال القضاة، لأن المطلوب في المقام الأول هو تكريس استقلال القضاة وليس وضع آليات للقضاء على هذا الاستقلال.
 
استقلال القضاء، تقييم القضاة، تنقيط القضاة، المغرب، نادي قضاة المغرب، الهرمية القضائية، الشفافية، حق الاطلاع على المعلومة.