مع صدور حكم اوفريرا بمنع وسيلة اعلامية من بث فيلم مصور يتناول حادثة اطلاق النار في مقهى من قبل مرافقي السيد انطوان صحناوي[1] تحت طائلة غرامة اكراهية، انفتحت امام المتقاضين امكانية مطالبة القضاء بالتدخل مسبقا كلما شعروا باحتمال التعرض لهم في اي وسيلة اعلامية. وقد تعززت هذه الامكانية مع قبول الاستدعاءات المقدمة من أبناء منصور الرحباني لمنع وسائل اعلامية من نشر اي معلومات تتصل بالنزاع القائم بينهم وبين السيدة فيروز[2]، ولا سيما ان المنع طال في هذه القضية افعالا مستقبلية (موادا وتحقيقات لم تحرر بعد) وذلك بخلاف قضية اوفريرا حيث طال المنع بث فيلم سبق تصويره. لا بل ان مؤيدي بعض المجموعات التي كانت الأكثر تنديدا بحكم اوفريرا الى حد التظاهر ضده[3] ذهبوا هم انفسهم الى تقديم استدعاءات مماثلة بشأن الأخبار والمعلومات المتصلة بقضية العميد فايز كرم[4]. ومن الطبيعي اذ ذاك ان يطرح سؤال كبير امام القضاء المستعجل ومعه امام الرأي العام: الى اي مدى سيتوسع القضاء في قبول مطالب مماثلة؟ والا يخشى ان ينزلق القضاء المستعجل في اتجاه التحول الى جهاز لممارسة الرقابة المسبقة ليس فقط لتحديد ما يمكن او لا يمكن قوله، بل ابعد من ذلك لاستشراف نوايا هذه الوسيلة او تلك؟ وماذا اذا استخدم اصحاب النفوذ، ومنهم قيمون على الخدمة العامة، هذه الآلية لمنع اي تعرض لنفوذهم، او تشكيك بمشروعيته؟ وألا يخشى ان يؤدي ذلك الى الحد بشكل محسوس من حرية التعبير والى المس بشكل مباشر بمبدأ "حرية النشر من دون اي رقابة مسبقة" مع ما يستتبع ذلك من تضييق لمساحات النقاش العام؟ بل وبالمقابل، ماذا عسى القاضي ان يفعل امام متقاض يلجأ اليه مطالبا بحماية كرامته ازاء عزم وسيلة اعلامية التعرض له؟ هل يتنكر له بحجة حماية حرية التعبير، ام ان ثمة موازنة ممكنة في هذا المجال؟
هذه هي الاشكالية الاساسية التي طرحت مرارا في السنة الاخيرة على القضاء المستعجل، وعلى وجه الخصوص القضاء المستعجل في بيروت. وقد جاء القرار المؤرخ في 29-10-2011 والصادر عن القاضي جاد معلوف برد طلب مغنية بمنع برنامج تلفزيوني من التطرق الى اية اخبار خاصة بها من شأنها التشهير بها وبسمعتها وخاصة ما يتعلق بالمسائل العائلية والعاطفية والمالية، ليقدم مقاربة جديدة. وفيما كان من الممكن رد الاستدعاء على اساس ان المستدعية لم "تقدم اي دليل على نية هذه القناة بالقيام بذلك وعلى خطورة هذا التعرض" (العبارة وردت في متن الحكم)، على غرار ما فعله قاض في المحكمة نفسها في دعوى اخرى[5]، بدا القاضي هنا عازما على اعطاء اجابات اكثر شمولية بامكانها ان تجعل قراره بمثابة قرار مبدئي. وقد تم ذلك من خلال التأكيد على وجوب "الموازنة بين هذه النتيجة السلبية (اثر التدبير المطلوب على حرية التعبير) والضرر الذي قد ينشأ في حال عدم اتخاذ التدبير المطلوب". وهذه الاحالة انما تمنح القاضي هامشا واسعا لتعزيز قدرته على الاجتهاد، طالما ان الموازنة تفترض تقويم الابعاد الاجتماعية لاي توجه قد يعتمده القاضي. وبنتيجة هذه الموازنة، يتوجب حصر تدخله في حالات استثنائية جدا متى ثبت له وجود تعرض وشيك مؤكد الحصول ومن شأنه التسبب باضرار جسيمة تتجاوز النتائج السلبية للحد من الحرية وتكون غير قابلة للتعويض. بالمقابل، فلا مجال للتدخل متى لم يثبت جدية التعرض او احتمال وقوعه او خطورته وعدم امكانية التعويض عن الأضرار التي من شأنه التسبب بها، لكيلا يمسي تدخله "رقابة مسبقة تشكل قيدا غير مقبول على حرية التعبير والاعلام ومحاسبة على النوايا". ويجدر الذكر ان القرار اعطى اضاءة جديدة على ضرورة تضييق صلاحية التدخل، من خلال قوله بان الضرر في حال حصوله يبقى قابلا للتعويض بموجب "قانون المطبوعات وقانون العقوبات" اللذين يوفران الحماية اللازمة عبر العقوبات الرادعة الواجب تطبيقها في حال التعرض للغير بشكل يتجاوز حرية التعبير". لا بل ذهب القرار الى حد دعوة المدعي الى توسل السبل القانونية المتاحة له للرد او التوضيح او المداعاة امام محكمة المطبوعات في حال حصول التعرض، اي الى اقتبال مبدأ الرقابة اللاحقة بدل المداعاة للمطالبة بتدخل مسبق. وتاليا، من دون اغلاق الباب امام التدخل منعا لافعال مستقبلية خطرة ومحدقة، عمد القرار الى حصره في "حالات استثنائية جدا" تاركا للقاضي تحديد مدى هذا المفهوم على ضوء مبدأ التناسب.    
ومن هذا المنطلق، يشكل هذا القرار مؤشرا آخر على تطبيق القضاء اللبناني ل"مبدأ التناسب" الذي يسمح للقاضي بالتحرر من جمود النصوص واتخاذ قراراته بعد الموازنة بين المصلحة والضرر الناجمين عنها. وبذلك أعلن القاضي أن وظيفته تفرض عليه، ليس فقط تقويم الاجراء بحد ذاته (قانوني أو غير قانوني)، انما أيضا تقويمه من حيث انعكاساته على ممارسة الحقوق الأخرى. وهكذا، فان المطالبة بحماية مصلحة معينة تكون مردودة، ليس فقط اذا كانت هذه المصلحة غير مشروعة، بل ايضا اذا رأى القاضي أنه يؤول الى المس بحق يسمو عليه من حيث قيمته القانونية او من حيث مفاعيله. وكان قاضي الأمور المستعجلة في طرابلس جناح عبيد[6] قد طبق سابقا هذا المبدأ في سياق الموازنة بين حق التعليم وتحديدا حق التلميذ بالحصول على افادة مدرسية وحق المدرسة بتحصيل الاقساط المتأخرة: فقد تساءل اذ ذاك: "هل يحق للمدرسة رفض اعطاء الافادة حتى تسديد الاقساط المتأخرة؟" وقد انتهت الموازنة الى اعلاء الحق الأول: فالتعليم حق سام مكرس في المواثيق الدولية وفي الدستور ولا مجال للمس به للحفاظ على حق هو حكما اقل قيمة وقدرا، كحق تحصيل قيمة الأقساطالمدرسية.
وبالطبع، يشكل تكريس هذا المبدأ، في حال تحوله الى اجتهاد مستقر وراسخ، انجازا قضائيا في اتجاه تكريس الدور الريادي للقضاء في اعلان الحقوق وتقويمها والموازنة فيما بينها ونقضا جديدا للتوجه المحافظ في حصر دوره في خدمة القانون. وهكذا، بدا هذا القرار وكانه يقلب التوجه: فهو لم يؤد الى تضييق حالات التدخل مسبقا في ممارسة حريات تم تكريسها بمعزل عن اي رقابة مسبقة، انما تضمن حيثيات من شأنها ان تشكل حجة قوية في اتجاه تقويض مشروعية الرقابة المسبقة بالنسبة الى المجالات التي ما تزال خاضعة قانونا او بالتطبيق لها كما هي احوال المسرح والانتاج والعرض السينمائيين. وبذلك، يلتقي الحكم تماما مع مطالب اجتماعية واسعة عبر عنها بشكل خاص "المرصد الرقابة – تحرّك من أجل إعادة النظر في قوانين الرقابة في لبنان[7]".

نشر هذا المقال في العدد الثالث من المجلة الدورية للمفكرة القانونية.

[1]يراجع الأمر على عريضة الصادر عن قاضي الأمور المستعجلة في بيروت بتاريخ 5/3/2010.
 [2]يراجع الأمر على عريضة الصادر عن قاضي الأمور المستعجلة قي بيروت (القاضي زلفة الحسن)، بتاريخ 29/6/2010، عدد 731/2010.
[3]تراجع التغطية الاعلامية للحدث على الموقع الالكتروني: http://old.naharnet.com/domino/tn/newsdesk.nsf/Lebanon/93739F9EAC0E26D6C225774500281658?OpenDocument
[4]يراجع الأمر على عريضة الصادر عن قاضي الأمور المستعجلة في بيروت (القاضي زلفة الحسن)،بتاريخ 30/6/2011، عدد 719/2011؛ وايضاً القرار الصادر عن قاضي الأمور المستعجلة في بيروت (القاضي جاد معلوف)، بتاريخ 23/8/2011؛ وايضاً القرار الصادر عن قاضي الأمور المستعجلة في بعبدا (القاضي حسن حمدان)، بتاريخ 23/8/2011.
[5]قاضي الأمور المستعجلة في بيروت نديم زوين: فبعدما تثبت زوين من "انه ليس في الملف ما يسمح بالتأكيد على ان الشركة ستعود وتنشر على الموقع الالكتروني مقالات تتضمن تعديا وتعرضا واضحا" رأى انه لا يجوز اتخاذ قرارات للمستقبل وان "اجابة طلب المستدعي .. يشكل حكما على النوايا وقمعا غير مبرر لحرية الاعلام والتعبير" (قرار 8-3-2011، مجلة العدل، 2011، 1378). ورغم وضوح الارادة في حسر موجة الاستدعاءات، فان هذا الحكم بقي ملتبسا بعض الشيء: فلا نفهم منه اذا كان رد الدعوى قد  حصل لعدم جواز اتخاذ قرارات بشأن المستقبل ام لعدم وجود اثباتات على عزم الوسيلة على نشر مقالات تتضمن تعديا وتعرضا واضحا.
 
[6] الحكم الصادر في 12-4-2010، عن شرح للحكم، راجع نزار صاغية، اجمل الأحكام 2010، المفكرة القانونية، عدد صفر.
[7] وقد اعلن المرصد مشروع قانون لالغاء الرقابة المسبقة، يراجع الصحف الصادرة في 16-12-2011.