"كبار الملوثين تحت سلطة القانون". هكذا عبرت المصلحة الوطنية لنهر الليطاني عبر صفحتها على فايسبوك حول صدور الحكم القضائي بتاريخ 5 أيلول 2019 في قضية شركة قساطلي شتورة ش.م.ل. لصناعة المشروبات. تعتبر المصلحة معمل قساطلي من المعامل الخطرة على نهر الليطاني والتي استغلّت ضعف رقابة الوزارات لتكبّ مياهها الصناعيّة في مجرى نهر الليطاني، من دون أن تكبّد نفسها أي عناء في تركيب محطات تكرير. وكان القاضي المنفرد الجزائي في زحلة محمد شرف أصدر حكما ثانيا في اليوم نفسه بحق شركة جودي لبنان لصناعة المربيات والمخللات. وقد صدرت هذه الأحكام صباحاً قبل أن يجلس القاضي شرف على قوس المحكمة لمتابعة 41 ملفاً في قضية تلوث نهر الليطاني.

حكم قساطلي شتورة يُدينها بتصريف المياه الصناعية الناتجة عن المعامل، التي قُدرت بمئة وثلاثين ألف ليتر يومياً، إلى السهل مباشرة عبر قناة ترابية مخصصة للمجارير ومن ثم إلى مجرى نهر الليطاني، وذلك بحسب أقوال المدير العام للشركة وأحد مالكيها نايف قساطلي أمام المحكمة. المصلحة الوطنية لنهر الليطاني كانت قد ادعت على الشركة بعد الكشف الذي قامت به اللجنة الفنية المؤلفة من خبراء من وزارات الصناعة والصحة والبيئة والمصلحة أيضاً، بتاريخ 10 أيلول 2018. بالإضافة إلى أنها سلمت للمحكمة فيديوهات تثبت تحويل المياه الصناعية على مجرى نهر الليطاني. ويُشار إلى أنه بعد الكشف الأولي، تعهد المدير العام بتركيب محطة تكرير، واستعانت الشركة بقرض مدعوم متصل بـ "مشروع مكافحة التلوث البيئي LEPAP"، وهو المشروع الممول من الحكومة الإيطالية عبر البنك الدولي، بقيمة 15 مليون دولار أميركي استفادت منه عدة مؤسسات صناعية، بصفر بالمئة فائدة. 

معمل قساطلي (الذي تأسس عام 1974 حسبما يُشير موقعه الإلكتروني)، قام مرحلياً قبل الانتهاء من تركيب محطة تكرير، بإنشاء محطة تكرير بدائية تعمل على تصفية المياه الصناعية على الفحم، بحسب تقرير الخبيرين راشد سركيس وزياد أبي شاكر. ويُفيد الحكم بأن "المعمل يقوم بتصريف المياه الناتجة عن مختلف الاستخدامات لا سيما الصرف الصحي، كما مياه الأمطار إلى بركة ترسيب، تليها محطة تكرير بدائية تعمل بطريقة التصفية بالفحم، إلا أنها لا تفي بالغرض، ومن جهة أخرى فإنه "واستناداً للفحص المخبري الذي أجري للمياه الناتجة عن المعمل قبل إنشاء محطة التكرير أثبت عدم توافي الشروط الواجبة في غالبية المكونات". وبحسب المعلومات التي نستمدها من حيثيات الحكم، فإن الشركة قامت بالإصلاحات اللازمة أي بإنشاء محطة تكرير، لكن مع ذلك فإن المحكمة تجد العبرة بوقوع الجرم الذي اكتملت أركانه قبل التوقف عن التلويث، أي إدانته عن المرحلة السابقة كما في كافة الأحكام التي صدرت سابقاً.  

انتهى الحكم إلى "حبس المالك نايف قساطلي ثلاثة أشهر وبتغريمه خمسة عشر مليون ليرة"، إلا أن المحكمة استبدلت عقوبة الحبس بالغرامة المالية البالغة مليون ليرة كونه أزال المخالفة، وبالنتيجة تغريمه مبلغ ستة عشر مليون ليرة لبنانية. اما الغرامة الملزمة أن تدفعها الشركة لم تختلف قيمتها عن تلك التي ألزمت للمالك، وذلك بتغريمها مبلغا قدره خمسة وعشرين مليون ليرة وإنزالها تخفيفاً إلى مبلغ خمسة عشر مليون ليرة كونها أوقفت التلوث وأزالت أسبابه. وألزم الحكم المدعى عليهما بتنظيف مجرى النهر في المنطقة الموازية لمعملهما وبمسافة 2 كيلومتر، وبأن يزرعا ألف نبتة من قصب السكر، وثلاثة آلاف غرسة من أشجار الصنوبر، على طول 300 متر من المنطقة الممتدة من المعمل إلى مجرى النهر. وألزم القاضي المدعى عليهما بالفحوصات الدورية كل أربعة أشهر تحت إشراف وزارة البيئة والمصلحة الوطنية لنهر الليطاني، وبتركيب عداد للمياه التي تخرج من محطة التكرير. وكتعويض عن الضرر الذي لحق بالمصلحة الوطنية لنهر الليطاني ألزمت المدعى عليهما بأن يدفعا للمصلحة مبلغ 15 مليون ليرة لبنانية. ويُشار إلى أنها المرة الأولى التي تحدد المحكمة غرامات وتعويضات مرتفعة نسبيا حيث أن الغرامات تراوحت في الأحكام الصادرة سابقا بين ثمان ملايين ليرة وخمسة ملايين والتعويضات بين مليون ليرة وخمسة ملايين، باستثناء مسلخ فروج السيد الذي تبين أنه "يرمي المياه الصناعية التي تحتوي على بقايا حيوانية ودماء" مباشرة في النهر فتم تغريمه بمبلغ خمسة عشر ملايين ليرة وبتعويضات للمصلحة قدرها عشرة ملايين ليرة. وقد يفسر ذلك بضخامة المياه الصناعية التي ترميها معامل قساطلي شتورة والتي تصل يومياً إلى 130 ألف ليتر من المياه الصناعية، بحسب حيثيات الحكم.

الحكم الثاني صدر بحق شركة جودي لبنان لصناعة المربيات والمخللات في قب الياس في البقاع. بحسب الكشف الأولي الذي حصل على المعمل، فإنها تصرف يومياً حوالي 14 ألف ليتر يومياً من الصرف الصناعي، وهذه المياه تذهب إلى محطة تكرير تبين أنها غير فعالة، ثم تذهب المياه إلى نهر الليطاني. وقد حكم القاضي شرف عليه بعقوبة "الحبس لمدة ستة أشهر وبتغريمه ثلاثة ملايين ليرة" واستبدال عقوبة الحبس بالغرامة البالغة مليون ليرة، كونه أزال المخالفة. كما غُرمت الشركة مبلغ خمسة عشر مليون ليرة وتم تخفيفها إلى مبلغ خمسة ملايين ليرة كونه أوقف التلوث وأزال أسبابه. كما ألزمت الشركة المدعى عليهما بالتعويض للمصلحة الوطنية لنهر الليطاني، بأن يدفعا مليوني ليرة كتعويض عن العطل والضرر.  وألزم الحكم المدعى عليهما بتنظيف النهر في المنطقة الموازية للمعمل، وبأن يزرعا على ضفتي النهر 500 غرسة من أشجار الصنوبر و500 نبتة من قصب السكر على طول ثلاثمائة متر من المنطقة الممتدة من المعمل حتى نهر الليطاني. وأخضع الحكم الشركة للفحص الدوري تحت إشراف وزارة البيئة والمصلحة الوطنية لنهر الليطاني، وبتركيب عداد للمياه التي تخرج من محطة التكرير.

يُذكر أنه منذ بداية المسار القضائي في أواخر العام 2018، صدر حتى الآن ما يُقارب خمسة عشر حكماً، تخللها إلزام الشركات المدعى عليها بتنظيف أقسام من مجرى النهر، وزرع أشجار الصنوبر وقصب السكر، عدا عن غرامات مالية وتعويضات لمصلحة الوطنية لنهر الليطاني. وحتى اليوم لم يتم تنفيذ أي من الأحكام، بسبب توجه المدعى عليهم إلى استئناف قرارات المحكمة، إلا أن المسار وصل إلى نصف الطريق بالتزام المؤسسات المدعى عليها بتركيب محطات التكرير وبالتعهد بالسماح للمصلحة الوطنية لنهر الليطاني بالكشف الدوري وأخذ العينات.