أقرّت لجنة الإدارة والعدل[1] في3/9/2019 إقتراح القانون المقدم من النائبة بوليت يعقوبيان والرامي إلى منح النواب الصفة والمصلحة لطلب إبطال الأعمال الإدارية، بعدما أدخلت تعديلات عليه في اتجاه تضييق مدى تطبيقه. وكانت النائبة يعقوبيان تقدّمت بهذا الإقتراح بتاريخ 29/6/2018 على خلفية إصدار مرسوم تجنيس لعدد من الأشخاص في 11/5/2018 (أي بعد خمسة أيام على إجراء الانتخابات النيابية)، وبعدما اكتشف النواب أن اجتهاد مجلس شورى الدولة يفسّر بشكل ضيق جداً مفهوم صفة الطعن بالأعمال الإدارية، مما يجرّدهم (بل يجرّد أي أحد) من صفة الطعن في مرسوم الجنسية، ويجعله محصناً بمعزل عما شابه من مخالفات.

وقد انتهت لجنة الإدارة والعدل، بعد الإستماع إلى رأي ممثلي وزارة العدل، والإطلاع على الأسباب الموجبة وعلى القوانين المقارنة، إلى تعديل الاقتراح من زاويتين:

أولا من حيث عدد النواب الذين لهم صفة تقديم المراجعة. ففي حين كان اقتراح النائبة يعقوبيان، في صيغته الأساسية، عدّل نظام مجلس شورى الدولة (المادة 106) في سبيل منح 3 نواب هذه الصفة في طلبات إبطال القرارات الإدارية، رفعت لجنة الإدارة والعدل هذا العدد إلى 5. ومن النافل القول أن هذا التعديل يقلّل من حظوظ تقديم طعن بالأعمال الإدارية إذ يتطلّب من النوّاب المستقلين تحقيق توافق أوسع حول المراجعة، كي تأخذ مجراها. يذكر أن عدد النواب المطلوب للطعن بالقوانين أمام المجلس الدستوري هو 10 نواب، مما يؤدي في أحيان كثيرة إلى فوات مهلة الطعن دون التمكن من جمع عدد النواب المطلوب.

وثانيا من حيث ماهية الأعمال الإدارية التي يمكن الطعن بها من قبل النواب. وعليه، حذفت لجنة الإدارة والعدل من الإقتراح الأعمال الإدارية المتعلقة بـالأملاك العامة وبالعقود الإدارية والصفقات العمومية وإدارة المرافق العامة، لينحصر في الأعمال التالية: "مراسيم منح الجنسية اللبنانية؛ المراسيم أو القرارات المتعلقة بالهيكلية التنظيمية للإدارات العامة والمؤسسات العامة، وبأنظمة الموظفين أو المستخدمين وسائر العاملين لديها، الصادرة خلافاً لرأي مجلس الخدمة المدنية أو أي من الهيئات الاستشارية؛ المراسيم أو القرارات الصادرة خلافاً لرأي الهيئات الناظمة أو الهيئات المكلفة بإدارة قطاعٍ معين أو مرفقٍ عام، بشأن أعمال الوزارات التابعة لها تلك الهيئات؛ الأعمال الإدارية المتعلقة بالبيئة والآثار".

وما يزيد من قابلية التعديل للإنتقاد هو عدم وضوح أسبابه الموجبة: فما هو مبرّر استبعاد صفة ومصلحة النوّاب بالطعن بالأعمال المتعلقة بـالأملاك العامة وبالعقود الإدارية والصفقات العمومية وإدارة المرافق العامة، وهي الأعمال التي يرشح عنها مخاطر لجهة استباحة البيئة أو تعميم الفساد، وبخاصة في الظروف الاجتماعية والسياسية الحاضرة حيث تبلغ هاتان الآفتان مستويات غير مسبوقة وتعجز المؤسسات العامة عن مكافحتهما بشكل فعال؟ وبفعل تضييق إطار المداعاة، تكون لجنة الإدارة والعدل تجاهلت المادة 13 من اتفاقية مكافحة الفساد التي تلزم الدولة بتشجيع المواطنين والمنظمات غير الحكومية (المجتمع) بالمشاركة في مكافحة الفساد. كما تكون تجاهلت قانون 444/2002 الذي يجعل كل مواطن مسؤولا عن حماية البيئة.

ختاما، تجدر الإشارة إلى أن مسألة الصفة والمصلحة للجمعيات غير الحكومية في مراجعات إبطال القرارات الإدارية لتجاوز حد السلطة،  تبقى موضع جدل بين قضاة مجلس شورى الدولة. ففيما يتجه مفوض الحكومة عموما إلى توسيع هذه الصفة وبخاصة في قضايا البيئة، يتجه قضاة الحكم إلى تضييقها على نحو يخشى منه تحصين العديد من القرارات الإدارية ووضعها (ومعها عيوبها) بمنأى عن أي مراجعة قضائية. ويعدّ لبنان من هذه الزاوية من أكثر الدول تشددا في قبول الصفة والمصلحة، مما يضعف امكانات ضمان شرعية القرارات العامة وحماية حقوق الدولة. وعليه، ويمعزل عن مآل هذا الاقتراح الذي يسلك الآن طريقه إلى الهيئة العامة للمجلس النيابي، يبقى مجلس شورى الدولة مطالبا بتطوير اجتهاده بما يسمح لأكبر عدد من المواطنين من الدفاع عن الصالح العام.

 

 

  • مقالات ذات صلة:

شورى الدولة يرفع حمايته عن الرملة البيضا: مساعٍ لقطع التواصل بين القضاء والناس

على المواطن الدفاع عن البيئة، لكن ويلٌ لمن يقوم بذلك: مرج بسري نموذج جديد عن باطنية الحكومة في القضايا البيئية

قضية "المنطقة العاشرة": خطوة أولى لإستعادة الأملاك العامّة المنهوبة؟

شورى الدولة يرد دعوى "الموازنة العامة"

 

 


[1] رئاسة رئيس اللجنة النائب جورج عدوان وحضور مقرر اللجنة النائب ابراهيم الموسوي والنواب السادة: إبراهيم عازار،  بلال عبدالله، جورج عطالله، جورج عقيص، سمير الجسر، علي خريس،  مصطفى الحسيني، نديم الجميل، هاني قبيسي، بيار بو عاصي، بكر الحجيري وأمين شري.