تعتبر فوارق الدخل والأجور بين الذكور والإناث من الخصائص الملازمة لمجمل أسواق العمل والتوظيف في كافة دول العالم. وتدلّ الفجوات الجندرية في الأجور والمداخيل (Gender pay gap) على عجز الإصلاحات الحقوقية الهادفة لإلغاء التمييز بين الرجال والنساء عن تحقيق المساواة الاقتصادية الفعلية بين العاملين والعاملات. فلا تزال مجمل المكتسبات القانونية والمؤسساتية الهادفة لإرساء المساواة الحقوقية بين الجنسين غير كافية لإبطال الاختلاف الاقتصادي بين الذكور والإناث وبخاصة فيما يتعلق بتقسيم العمل والأدوار وتوزيع الدخل.

تشكل تلك الفجوات الجندرية تحدياً كبيراً للعلوم الاقتصادية وللدراسات القانونية على حد سواء، وذلك نظراً لارتباط التمييز الاقتصادي ضد النساء بمنظومة تمييزية قد تبدأ من القانون ولكنها تتعداه لتشمل الممارسات الاقتصادية الإقصائية التي قد تعصى على أي تشريع )كتفضيل بعض العائلات الاستثمار في تعليم أبنائها الذكور أو التمييز في توزيع الإرث، مما يؤدي إلى إعادة إنتاج الفوارق بين الأجيال).

تهتم الدراسات الجندرية بعلاقات القوة والسيطرة بين الذكور والإناث، في حين ترتكز العلوم الاقتصادية بشكل أساسي على الخيارات الفردية العقلانية (Rational choice theory) للعميل الاقتصادي (Economic Agent)، بمعزل عن انتمائه لهويات ثقافية أو عرقية أو دينية أو جندرية والذي غالباً ما يظهر بأنه مجردٌ من أي هوية جنسية.

لذلك، لطالما كان البحث في الاختلاف بين الرجال والنساء مسألة هامشية في تاريخ الفكر الاقتصادي، كما لم تشكل علاقات الهيمنة بين الجنسين يوماً موضوع بحثٍ جدي لعلماء الاقتصاد[1].

وفي تلك المقاربة، يظهر "علم" الاقتصاد على أنه، بمجمله، أقرب إلى الخطاب الذكوري مما هو إلى العلم، بحسب التوصيف الذي تطلقه الباحثة ديردر )دونالد سابقاً) مكلوسكيوالتي، والتي تعتبر من خلاله أن العلوم الاقتصادية بحد ذاتها أداة سيطرة تنتج من قبل الذكور وفي خدمتهم، لا سيما في سبيل تشريع و/أو إخفاء علاقات السيطرة بين الجنسين[2].

ولا شك أن فوارق الدخل بين الجنسين أصبحت اليوم موضع بحث أساسي على مستوى الدراسات الأكاديمية كما على أجندات العديد من السياسات الحكومية حول العالم، لما تشكله من خروقات فاضحة لمبادئ العدالة التي تسعى إليها سياسات العمل.

فعلى سبيل المثال، أدخلت سويسرا تعديلات في دستورها منذ سنة 1981 بهدف تثبيت المساواة في الأجر بين النساء والرجال كحق دستوري ولكنها لا تزال حتى اليوم من أكثر الدول الأوروبية التي تعاني من الفجوات الجندرية في الدخل والأجور[3].

أما في لبنان، فنادراً ما يهتم الاقتصاديون أو السياسيون بالمسألة الجندرية. وعلى الرغم مما قد يُسجّل من تقدّم على صعيد بعض التشريعات لمكافحة هذا التمييز (مثل تعديل المادة 26 من قانون العمل سنة 2000 التي أصبحت تحظر التمييز ضد المرأة في ما يخص نوع العمل، مقدار الأجر، التوظيف، الترقية، الترفيع، التأهيل المهني والملبس فقط)، لا يزال لبنان يعاني من إختلال فاضح في الدخل بين الجنسين وفقاً لمؤشر التفاوت بين الجنسين الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي. فيحتل لبنان المرتبة 135 عالمياً ويعتبر أداؤه سيئاً مقارنة بالدول العربية المجاورة (المرتبة الثالثة ما قبل الأخيرة على الرغم من أن التحصيل العلمي للإناث ومشاركتهن في القوى العاملة في لبنان أعلى نسبياً).

وتحتسب بعض الأبحاث الجامعية التي تُعنى بفوارق الأجور بين الإناث والذكور في لبنان، إختلالاً جندرياً في الدخل بنسب مئوية منخفضة جداً نسبياً، قد تناهز 16% أحياناً ما يقارب مستواه في الولايات المتحدة ولا يعكس الفارق الفعلي للدخل بين الجنسين في لبنان[4].

لذا عمدنا إلى دراسة الفوارق الجندرية للأجور والدخل في لبنان إنطلاقاً من دراسة إحصائية ومن نمذجة الاقتصاد القياسي (econometric modeling).

يشكّل هذا البحث جزءاً من أطروحة للماجستير في كلية الاقتصاد في جامعة القديس يوسف في بيروت سنة 2019. وقد استند إلى بيانات جُمعت خلال دراسة استقصائية أجراها المرصد الجامعي للواقع الاجتماعي والاقتصادي  (OURSE)سنة 2012  وتناولت عيّنة من 2587  شخصاً  1843) منهم ذكور و 744إناث).

على الرغم من إختلال الأعداد بين الجنسين ضمن العيّنة وعلى الرغم من أن الدراسة الإحصائية قد تعتبر قديمة نوعاً ما، إلا أن حجم العيّنة ومدى تمثيلها لكافة المناطق يجعل من هذا النموذج في الاقتصاد القياسي إحدى أكثر الدراسات موثوقية في مجال دراسة الفوارق الجندرية في لبنان اليوم.

وبحسب دراستنا، بلغت الفجوة في الأجور بين الرجال والنساء في لبنان في عام 2012 نسبة 23.45%، وكان متوسط الأجر السنوي للنساء العاملات في وظائف بدوام كامل وبدوام جزئي في جميع الصناعات والمهن12.887.645  ليرة لبنانية مقارنة بمتوسط راتب سنوي للرجال يبلغ 16.824.136 ليرة لبنانية[5].

تزداد الفجوة في الأجور بين الرجال والنساء مع التقدّم في العمر حتى الثلاثينات وتصل إلى 32.28% ثم تنخفض قليلاً لتبقى21.51% لصالح الرجال في الخمسينات. أي أن الفجوة في الأجور بين الرجال والنساء هي أدنى بالنسبة للواتي تقل أعمارهن عن 30 سنة وتزداد بشكل حاد بالنسبة للواتي تتراوح أعمارهن بين  30و49 سنة (سنيّ الأمومة) ومما يعني أن الإناث يحصلن على أجور أقل في كامل دورة حياتهن المهنية بغض النظر عن تقارب مستويات التعليم أو سنيّ الخبرة.

لا شك أن التقدم الذي أحرزته النساء في التعليم خلال العقود الماضية في لبنان يساهم في تقليص هذه الفوارق في الأجور والمداخيل. ولكن على الرغم من أن هذه المكاسب قد ضاعفت بشكل كبير من فرص النساء في سوق العمل، إلا أن الحواجز الثقافية والممارسات التمييزية، كما والأحكام المسبقة حول الفوارق في المهارات بين الجنسين، تستمر في التأثير على أداء العديد من النساء في سوق العمل. لذلك، فإن المرأة الحاصلة على دبلوم جامعي تحصل على دخل أقل بنسبة 35.55% من الرجال. وتنسحب هذه الفجوة على جميع المستويات الدراسية فتصل نسبتها إلى31.05% في المرحلة المتوسطة و32.33% في المرحلة الثانوية.

يستمرّ التفاوت في الأجور بين الرجال والنساء لا بل يزداد مع تقدّم تجربتهم المهنية. فتحصل النساء اللواتي تقلّ خبرتهنّ عن 5 سنوات على أجور أقل بنسبة 10% من أجور الرجال الذين يملكون سنيّ الخبرة نفسها. وتتزايد هذه الهوة مع زيادة سنوات الخبرة. فالمرأة التي تتراوح خبرتها بين 5 و10 سنوات تحصل على راتب أقل بنسبة 18.81% من راتب الرجل. وتزيد هذه الفجوة لتبلغ نسبة 23.96% بين رواتب الرجال والنساء ذوي خبرة تفوق العشرة سنوات.

تبلغ الفجوة في الأجور أعلى مستوياتها بين العاملين في المهن الفكرية وهي 38.5%، وأدناها بين عاملين وعاملات المكاتب حيث تبلغ نسبة 22.37%. فيما تناهز في المهن المتوسطة 34.8%. أما بين موظفي الخدمة ومندوبي المبيعات، فيبلغ الفرق في الرواتب بين الرجل والمرأة 23.23%. وأخيراً، يتقاضى العمال الرجال 27.83% أكثر من العاملات النساء.

ولكنّ النموذج في الاقتصاد القياسي يظهر بأن كل سنة دراسية إضافية للمرأة ترفع دخلها أكثر مما ترفعه لدى نظيرها الرجل. فإذا حصلت المرأة اللبنانية على سنة دراسية إضافية، يزيد معدل تغيير راتبها بنسبة3.29 %. وإذا حصلت على سنة خبرة إضافية، فيزيد راتبها بمعدل 1.61%. أما الرجل اللبناني، فإذا حصل على سنة دراسية أخرى، فيزيد معدل راتبه بنسبة 1.06%، بينما يؤهّله عام من الخبرة الإضافية لزيادة في معدل تغيير راتبه بنسبة 0.99%.

هذا لا يتعارض مع الاستنتاجات السابقة بشأن التمييز والفجوة في الأجور. في الواقع، إذا زادت أجور النساء بسرعة أكبر بعد عام إضافي من التعليم، تتقلص الفوارق ولكن لا تختفي، وذلك لأن الفوارق الأساسية في الأجور والمداخيل مرتفعة أصلاً ولأن سنيّ الخبرة ترفع من مداخيل الرجال أكثر من نظيراتهم الإناث. تدخل المرأة حياتها المهنية فتتقاضى أجراً أقل نتيجة للممارسات التمييزية في أسواق العمل. ومع ذلك، فإن استثماراتها في سنيّ الدراسة وتكوينها  لرأس المال البشري تساهم في تقليص الفوارق الأساسية في نقطة الانطلاق، ولكن تبقى هذه الفوارق ملازمة لمجمل مداخيلها طوال دورة حياتها المهنية.

ومع تثبیت سنيّ التعلیم والخبرة ومستویات الكفاءة والإنتاجیة، تتقاضى المرأة في نهاية المطاف دخلاً أقل من الرجل بنسبة 23%، مما یجعل الإختلاف الجنسي من أھم العوامل المؤثرة في تفسیر الدخل الفردي في لبنان.

 

 

  • نشر هذا المقال في العدد | 61 |  تموز 2019، من مجلة المفكرة القانونية | لبنان |. لقراءة العدد اضغطوا على الرابط أدناه:

ليس بالوطنية وحدها تحمى العمالة

 

 


[1] الأطروحة التي قدمها جون ستيوارت ميلJohn Stuart Mill  سنة 1869  تحت عنوان "إخضاع النساء" (Subjection of Women) ، والتي تهدف إلى دراسة القيمة الاقتصادية لإعطاء حق التصويت للمرأة، قد تعتبر الاستثناء الوحيد لهذه القاعدة.

Deirdre McClosky. The Rethoric of Economics. University of Wisconsin Press, 1985 [2]

3 Jean Claude Béguin (1998), La constitutionnalisation du principe d’égalité hommes/femmes en Suisse et le processus de concrétisation, Revue internationale de Droit Comparé, vol. 50, n.1, p. 67-92      

[4] فاطمة الموسوي. فجوة الأجور بين الجنسين: استغلال النساء المُضاعف. جريدة الأخبار، الإثنين 4 آذار 2019

https://al-akhbar.com/Issues/267143

 [5] تحتسب الفجوة الجندرية على أنها الفارق بين متوسط دخل الذكور والإناث ويتم التعبير عنه كنسبة مئوية من متوسط دخل الذكور