اليوم، في 14 آب 2019 أرسل أهالي تربل والمنية فيديو يوثق إعتداء عنصر من القوى الأمنية على سيدة من تربل وهي تحاول منع شاحنات النفايات والآليات بجسدها، فيما أوضحت باميللا القيس من البلدة أن القوى الأمنية تمنع الخروج من البلدة والدخول إليها، مشيرة إلى وجود مسنين مرضى "يعني منموت بأرضنا" تقول ل "المفكرة". وأوضحت اللقيس أنها والأهالي عاجزون عن التحرك حتى ضمن ضيعتهم "هناك أربع آليات مكافحة شغب وسيارة إسعاف وعشرات العناصر من جيش وقوى أمن، نشعر وكأننا في قلب معركة حقيقية،هل يخوضون حرباً ضدنا؟ أم ماذا". ويؤكد إبن المنية د. محمد علم الدين للمفكرة حوادث اعتداء القوى الأمنية على الأهالي ومحاصرتهم للمنطقة وعزلها، مشيراً إلى أن "القوى السياسية كافة قد اتفقت على إدارة الظهر لمعارضة الناس، لتنفذ خططها بمعزل عن صحتهم ومياههم ومصالحهم".

هذه المشاهد تحصل في تربل في أعقاب إصرار السلطة السياسية على إقامة مكب نفايات فيها، بعدما فشلت جميع مساعي الأخالي وتحركاتهم في ثني هذه السلطة عن ذلك.

"المفكرة" واكبت حراكات الأهالي واستمعت إليهم خلال الأيام الفائتة، وهي تسجل أن المكب ينشأ هنالك بإرادة وزير البيئة من دون أي دراسة للأثر البيئي، وتحديدا لأثره على الهواء والماء الجوفية في المنطقة (المحرر).

 

 

في الأسبوع الماضي، تلقى أهالي تربل صدمة تمثلت في موافقة وزير البيئة فادي جريصاتي على إنشاء مطمر في جبل تربل، وهو المطمر الذي تنتظره بلدات عدة من أقضية الكورة وزغرتا وبشري والمنية والضنية، بعضها يرزح حاليا تحت النفايات. واللافت أن جريصاتي، ومعه بعض القوى السياسية في الشمال، سبقوا بقرار فتح المطمر في تربل وزارة التربية التي لم تستجب حتى الآن لمطالب أهل البلدة بإعادة فتح المدرسة الرسمية التي تتمركز على قمة الجبل.

يمسك جبل تربل بأقضية المنية-الضنية وزغرتا ويلامس خراج الفيحاء، طرابلس، ويهبط منه أطفاله وتلامذته إلى قرى المنية أو الضنية طلبا للعلم.  29 عاماً على اتفاق الطائف لم تكن كافية لإعادة فتح المدرسة في تربل التي تهجرت بفعل الحرب. ولكن، وخلال 24 ساعة أتُخذ القرار بإنشاء مطمر للنفايات على مساحة 500 ألف متر مربع في تربل. وبلمح البصر، وصلت آليات عملاقة لتبدأ أعمال التجهيز وفتح الباب أمام وصول نفايات أقضية الكورة، وزغرتا وبشري والمنية والضنية إلى قمة الجبل.

القرار الذي اتخذ في 6 آب 2019، استنفر أهالي تربل ومعهم المناطق المحيطة وتحديدا المنية التي تقع في سفحه لناحية الغرب. معهم أيضاً سكان قرى السفح الشرقي من قضاء الضنية وزغرتا وبشري التي يحمل اتجاه الهواء كل الروائح إليها، عدا عن عصارة النفايات التي يرتقب أن تنتج عنها والتي من شأنها أن تهدد المياه الجوفية. وتبيان لهذا التهديد، وضع الخبير الهيدرولوجي الدكتور سمير زعاطيطي دراسة سريعة أوضح فيها التكوين الصخري للجبل والقدرة الإمتصاصية للصخور التي تسمح بتسرب 40% على الأقل من المتساقطات على تربل. وهذا يعني أن عصارة النفايات وكذلك اختلاط المياه الهاطلة على النفايات سوف تذهب مباشرة إلى خزانات المياه الجوفية التي تغذي الينابيع في السفح الشمالي حول جبل تربل وصولاً إلى مدينة طرابلس.

تبعا لهذه التحركات، أعلنت العديد من القوى السياسية في الشمال، وخصوصا كتلة الوسط النيابية برئاسة رئيس الحكومة الأسبق نجيب ميقاتي، تأييدها لها. وقد شارك النائب علي درويش الأهالي في اعتصامهم الحاصل في 9 آب في تربل، كما وقع نائب المنية المحسوب على تيار المستقبل عثمان علم الدين على عريضة نظمها الأهالي رفضا للمطمر وأرسلت إلى رئيس الحكومة سعد الحريري. هذا الأخير، الذي اجتمع في 9 آب مع وفد من المنطقة، وتحديدا مع صاحب مشروع "ميرادور" الذي يستثمر 750 ألف متر مربع في جبل تربل، من مطاعم ومرافق سياحية وأحياء سكنية ومدينة تجارية، اتصل بوزير البيئة طالبا منه التريث 24 ساعة في أعمال المطمر بانتظار البحث عن بديل.

مددت عطلة عيد الأضحى تلقائياً مهلة ال 24 ساعة من التريث التي كان رئيس الحكومة سعد الحريري قد طلبها من وزير البيئة فادي جريصاتي لوقف الأعمال في موقع جبل تربل. وعليه، أوقف المتعهد عبد الهادي حسون (وهو بالمناسبة مقرّب من تيار المستقبل) آلياته التي كانت بدأت العمل بعد ساعات قليلة من إعلان جريصاتي في 6 آب 2019، من سرايا طرابلس، عن الوصول إلى اتفاق سياسي مناطقي بشان اعتماد جبل تربل مطمراً لحل مأزق النفايات التي تُغرق شوارع الأقضية الأربعة وأوديتها بعد 4 أشهر وعشرة أيام من إقفال مكب عدوة. وأقفل مكب عدوة الذي استمر نحو 18 سنة نتيجة مطالبات السكان في المنية بعدما أشيع عن ارتفاع نسب السرطان بين السكان بوتيرة غير مسبوقة وبسبب خلافات داخل منطقة عدوة بين صاحب الأرض وأهالي البلدة. وردد بعض الشهود ل "المفكرة" أن صاحب المكب أصيب شخصيا بالسرطان، وحينها أدرك حجم الكارثة التي يعاني منها ناس منطقته بسبب المكب، فسارع إلى إقفاله، إلا أننا لم نتأكد من صحة هذا الخبر.

وقد فتح إقفال المكب الباب أمام تجاذبات مناطقية وسياسية ومالية، لما للأقضية الأربعة من تشابك سياسي وديموغرافي وطائفي أيضاً. ومع أزمة النفايات وطرح نحو 37 مكانا لإقامة المطمر البديل عن مكب عدوة، ارتفعت أصوات ترفض أن تتحمل منطقة معينة نفايات المناطق الأخرى، فيما دعا البعض إلى اعتماد "لامركزية حلول النفايات" على أن يتحمل كل قضاء مسؤولية نفاياته. وعليه، رفع العديد من الناشطين في المنية شعار "المنية منا مزبلة" في استذكار للحراك البيئي العكاري في مواجهة إقامة مكب أسرار في 2015: "عكار منا مزبلة". 

يومها، في 6 أب 2019، وصف جريصاتي الإعلان عن الاتفاق من سرايا طرابلس بحضور محافظ الشمال القاضي رمزي نهرا ورؤساء بلديات وإتحادات بلديات في الأقضية المعنية، ب "اليوم التاريخي"، معلناً استعداده لتحمل "المسبات" من المعارضين. إعلان استدعى رفع طفة من تربل لافتة تقول "معاليك بتحمل مسبات بس أنا طفلة ما بحمل أمراض"، خلال الإعتصام، فيما رفع أحد أبناء المنية لافتة ثانية مكتوبة بخط اليد تقول "لا نثق بوزارة البيئة".

وصول آليات المتعهد ومباشرة أعمال تجهيز الموقع ترافق مع مواكبة أمنية لافتة، حيث تحدث الأهالي عن اعتقال ثلاثة ناشطين على الأقل وصحافي خلال احتجاجات تربل والمنية والمنطقة على المطمر. حضور أمني استمر في أعالي جبل تربل وواكب كل حركات الإحتجاج التي بدأت في 6 آب  وما زالت مستمرة عند الخامسة من عصر كل يوم إلى "حين الإعلان الرسمي عن إلغاء القرار بمطمر تربل ورحيل الآليات من جبلنا" وفق ما أكدت باميللا اللقيس، إبنة بلدة تربل ل "المفكرة".  ولفتت اللقيس إلى أن الحرب سبق وهجرت أبناء تربل "ولكننا، نحن الجيل الجديد سنقف بأجسادنا أمام الآليات وسنمنع تهجيرنا بسبب النفايات".

القوة الدافعة باتجاه قمع المعارضين والمواكبة الأمنية الحازمة للأليات، بينت للأهالي "حجم التوافق المالي والسياسي والمصالحي" الكبير الكامن وراء التوافق على المكب، وفق ما أكد بعضهم ل "المفكرة" خلال اعتصام تربل في 9 آب. وتساءل البعض عن السبب الذي يجعل كميل مراد صاحب الأرض مثلاً ان يقدم أرضا بمساحة 500 ألف متر مربع لا يقل سعر مترها عن 50 دولاراً، أي يبلغ ثمنها نحو 25 مليون دولار، هكذا ليساهم فقط في حل أزمة نفايات الأقضية الأربعة. وتوقف ابن المنية د. محمد علم الدين عند غياب دراسة الأثر البيئي لإقامة المكب والذي تحدث عنه النائب علي درويش خلال الإعتصام. وذكر درويش بالقانون 444 الذي يلزم بوجود دراسة أثر بيئي لأي مشروع وخصوصا المطامر والمكبات، وكذلك بموافقة الأهالي، نافيا أن يكون وزير البيئة تشاور مع جميع الأطراف السياسية في المنطقة: "نحن لم يتم التشاور معنا ككتلة الوسط النيابية التي يرأسها الرئيس نجيب ميقاتي".

ويروي بعض الناشطين أن القصة بدأت عندما قدم كميل مراد، أحمد أبناء منطقة راسنحاش (وهو طامح دائم للسياسة والنيابة) (وراسنحاش بلدة تقع فوق نفق شكا، لكنها تتبع إدارياً لقضاء البترون) قطعة أرض بمساحة 500 ألف متر مربع على العقار 117 عبر النائب طوني فرنجية لإقامة المكب. وأعلن الوزير جريصاتي أن الخطوة تحظى بموافقة جميع الأفرقاء السياسيين في المنطقة. وعليه، تم اتخاذ القرار خلال 24 ساعة، ثم وصلت آليات الحفر والإنشاءات في اليوم نفسه إلى قمة جبل تربل. 

 

من الفوار إلى تربل: لا للمزابل

لم يكن الناشطون في منطقة الفوار قد ارتاحوا من مواجهة المطمر في بلدتهم في سفح قضاء زغرتا، حتى باشر أقرانهم على الضفة الثانية للمنطقة وتحديدا في المنية مواجهة إنشاء المطمر في أعالي جبل تربل. وعشية إعلان وزير البيئة عن المشروع، نصب أهالي تربل خيمة كبيرة شكلت محجة للمعارضين صباحا ومساءً. وقد استندت معارضتهم إلى معطيات علمية تحدث عنها الخبير الهيدروجيولوجي الدكتور سمير زعاطيطي في دراسته التي أعدها بطلب من نائب المنطقة عثمان علم الدين ليقدمها إلى الرئيس الحريري.

وأوضح زعاطيطي ل "المفكرة" أن دراسته وضع المياه الجوفية في المنطقة وبعد كشف جيولوجي وهيدروجيولوجي تثبت وجود "خطر كبير داهم على المخزون المائي المستثمر لصالح طرابلس والجوار وعلى الصحة العامة للمواطنين". كما ذكرت الدراسة ب"تلوث المياه الجوفية في محيط نهر الليطاني وحالات السرطان المتفشية بين الأهالي". (تنشر المفكرة كامل دراسة الدكتور زعاطيطي مع الخرائط ربطا).

 

على طريق السرايا الحكومية

 وصلت الدراسة إلى الحريري خلال اجتماعه مع صاحب مشروع ميرادور الإستثماري في جبل تربل أحمد الدوري علم الدين، الذي وعد أن يقدم بدائل لوزير البيئة لإنشاء المطمر عند السادسة من مساء اليوم 13 أب 2019.

ويقوم مشروع ميرادور على "مساحة 750 ألف متر مربع في جبل تربل"، وفق ما أكد محامي المشروع د. محمد ملص ل"المفكرة"، ومن شأن المطمر أن يطيح بكل القيمة الإستثمارية والإقتصادية للجبل، وفي قلبه ميرادور طبعا. وعليه، أعلن صاحب المشروع استعداده لشراء أرض بديلة لا تقل مساحتها عن 50 ألف متر مربع على نفقته الخاصة. ووفق المشاورات بين مرجعيات المنطقة وناشطيها، من المرجح إعلان تخصيص الأرض لمنطقة المنية وحدها، خاصة في ظل موقف مرجعيات الضنية التي تقول أنهم "لا يملكون حلولاً كون المكبات تقام على ارتفاع 600 متر وما دون"، وفق ما أشار ناشطون. ويقول ملص، محامي مشروع ميرادور، أن المطمر سيقضي على أي أمل استثماري في تربل وجوارها، مشيراً إلى ارتفاع سعر الأرض من 5 دولارات للمتر إلى 200 دولار للمتر في سنوات قليلة "ومع المطمر لن يشتري أحد في الجبل أو يستثمر".

كما رفض أهالي تربل ومعهم المنية بكافة مناطقها إقامة المطمر الذي كانت وزارة البيئة ستعمل على تحويله إلى "باركينغ" لتجميع نفايات الأقضية الأربعة بداية، ريثما يتم التجهيز اللوجستي لما أسموه "مطمراً صحياً". نحن نتحدث هنا عن نفايات نحو 52 بلدية وتضم نحو 150 قرية ومدينة وبلدة كانت ترمي نفاياتها في مطمر عدوة الذي سيرثه مطمر تربل. نفايات لا يقل حجمها عن 800 طن يومياً، وفق ما أكده مدير كلية الحقوق في الجامعة اللبنانية في طرابلس د. محمد علم الدين للمفكرة. ولفت علم الدين إلى أن أطنانا أخرى من النفايات الخطيرة من طبية وحيوانية عائدة لكبرى المسالخ في البلاد كانت ترمى في مكب عدوة ليلا مقابل دفع مبالغ مالية. وسأل: "من يضمن عدم تكرار الأمر نفسه أيضاً مع المكب الجديد؟"

إلا أن الأمل الذي اشاعه لقاء الحريري تبدد بعد اجتماع ممثلين عن منطقة المنية وجوارها ومن بينهم صاحب مشروع ميرادور مع وزير البيئة فادي جريصاتي عند السادسة من مساء أمس الثلاثاء في 13 آب 2019 للبحث في بدائل عن المطمر. وما أن انتهى هذا الاجتماع حتى وصلت قوة كبيرة من الجيش اللبناني لمواكبة آليات متعهد المكب في تحركاتها.

وعليه، بدا كأنما وزير البيئة بعطاء من السلطة الحاكمة حزم أمره في طمر نفايات أقضية الكورة وزغرتا وبشري والمنية والضنية على أعلى قمة في المنطقة الساحلية، ضاربا بعرض الحائط بالمعطيات العلمية التي أثبتت أن خطوة كهذه سوف تلوث المياه الجوفية المتفجرة في سفح تربل الدائرة ومن كل الإتجاهات وصولاً إلى آبار الشفة في طرابلس.

 

تربل مصفاية المتساقطات

ليست ل 650 متراً، وهو ارتفاع جبل تربل عن سطح البحر في شمال لبنان، ما يجعله مميزاً، برغم أنه يلفت انتباه كل العابرين من المنية نحو الحدود اللبنانية السورية.

فرادة تربل تأتي من إمساكه كمرتفع في خضم سهل مترام بأطراف أقضية طرابلس وزغرتا والضنية -المنية. هنا في الدائرة المحيطة بسفح تربل، يسكن نحو مائتي ألف مواطن من الأقضية الثلاثة بالإضافة إلى نحو 60 ألف لاجئ سوري. هناك في هذا السفح ومن نواحيه الأربع، تتفجر ينابيع، وتُحفر آبار لتغذي المنطقة وصولاً إلى أبو سمرا في طرابلس.

وهنا تحديدا، "على قمة جبل تربل، قررت وزارة البيئة أن "تتوج" هذا الإرتفاع بمكب للنفايات، أو "مطمر صحي"، كما يسمون كل مزبلة يرمونها في وجه المناطق اللبنانية، وأهلها كافة" وفق ما يؤكد الناشط المعارض للمطمر د. إيلي عطية، ابن بلدة مركبتا الواقعة في سفح جبل تربل. ويؤكد عطية أن أبناء المنطقة لن يقبلوا بإقامة المطمر نهائيا "نحن ندعو إلى اعتماد استراتيجية لإدارة النفايات عبر الفرز من المصدر وتقليل حجم النفايات الناتجة ومن ثم إعادة تدوير ما يمكن تدويره وصولاً إلى طمر المتبقيات فقط وبطريقة صحية غير ضارة بالبيئة وصحة الناس". ويلفت إلى توقيع أبناء المنطقة ومعهم نحو 60 رئيس بلدية ومخاتير وفعاليات عريضة ترفض المكب وتم إرسالها إلى الرئيس الحريري.

من هذه العريضة يبدأ مختار بلدة تربل بهيج جريج رافضاً "تلويث الجبل وبلدة تربل نفسها وكذلك مناطق أهلنا في الجوار". ويشير جريج إلى افتقاد أهالي البلدة لمساعي السياسيين لإرجاع أبناء تربل إليها "نحن ضيعة بدنا نرجّع الناس عليها، ما بدنا نهجرهم". ويؤكد جريج أنه لم تتم استشارة الأهالي، وهو المختار الوحيد في تربل التي تفتقر إلى بلدية. "ما حدا استشارنا وعرفنا بالموضوع من إعلان الوزير السبت في 6 آب". ويلفت المختار جريج إلى قول جريصاتي أن المكب يبعد عن ضيعة تربل 7 كيلومترات، ليشير بأصبعه إلى منازل ضيعته التي لا تبعد عنه أكثر من مائة متر خط نار "مين جايي كاشف للوزير وعاطيه معلومات خاطئة؟"، يسأل الرجل ليؤكد أن إقامة مكب في جبل تربل هي بمثابة إطلاق رصاصة قاتلة على تربل البلدة وأهلها البالغ عددهم نحو 700 نسمة، وتهجيرهم نهائيا". يختم المختار بحسرة "يعني بدنا نصير جبل الزبالة بدل جبل تربل".

لدى الياس جريج، ابن تربل الضيعة هواجس عملية: "أنا بشتغل بمصلحة المي وبعرف"، يقول متخوفاً من تلوث بئر تربل الإرتوازي "بئرنا محفورة ع عمق 350 متر تحت الأرض يعني أول شتوة رح تتلوث مياهها". ويبرر جريج مخاوفه بما اعتاده من تغير لون مياه البئر مع الشتوة الأولى " بتتعوكر المي مع الشتوة الأولى، يعني مياه الشتا والتلج بتوصل فورا ع الخزان الجوفي للبير، يعني رح تحمل معها سموم النفايات ووسخها وتلوثها وعصارتها".

 

"عم تشربوا مياه مجارير"

عن تلوث المياه أيضا يتحدث ابن المنية، الشيخ محمد أسوم في معارضته لإقامة مطمر للنفايات في تربل، الجبل الذي يعلو المنية ب 650 مترا عن سطح البحر. ولأن مياه الصرف الصحي واهتراء شبكات المياه تلوث الآبار الإرتوازية حتى قبل المكب، قصد الشيخ أسوم وبجهود شخصية الجامعة الأميركية في بيروت واتفق مع الخبيرة البيئية د.ة كارول السخن على فحص عينات من مياه منطقة المنية "قلت بدي أعرف إذا ملوثة أم لا". وبعد جمع علمي ودقيق لعينات المياه، جاءته النتائج "كالصاعقة". أخبرتني د.ة السخن "أننا نشرب مياه مجارير، وفق نتائج الفحوصات التي ظهرت في التحاليل". وجمع أسوم العينات من مناطق الحكر والكنيسة وأوتوستراد المنية وحمدون وحي البلاد والنبي يوشع. وتوزعت الفحوصات على خمس عينات من مياه الآبار الإرتوازية وعينة واحدة من مياه الشفة الموزعة من مياه مصلحة مياه الشمال والآتية من بئر تربل في رأس الجبل.

وبينت تحاليل الجامعة الأميركية، وفق الشيخ أسوم، "تلوث جميع الآبار الإرتوازية بالمجارير وعصارة النفايات على أنواعها، وسلامة مياه الشفة الآتية من مصلحة مياه الشمال"، وفق ما أكد ل المفكرة، متسائلاً "هل يريدون تلويث مياه الشفة حتى؟". ولفت أسوم إلى أن السخن أبلغته أن مياه المنطقة غير صالحة للشرب ولا للإستخدام ولا حتى للري "يعني مجارير صرف". ويرد أسوم تلوث مياه المنطقة إلى استمرار رمي كل أنواع النفايات من صلبة وعضوية وطبية وحيوانية ومخلفات مسالخ في مكب عدوة لمدة 18 سنة، وهو ما تسبب بانتشار كل أنواع الأمراض وخصوصا السرطان في المنطقة. ولفت الشيخ أسوم إلى أنه من موقعه كشيخ في المنطقة وكناشط وإعلامي، يمكنه أن يؤكد أن النسبة الأكبر للوفيات هي بسبب السرطان الذي يفتك بالناس. ويلفت إلى أنه وعلى الرغم من مرور 14 سنة على تجديد شبكة المياه في المنية ولكنها لم تصل إلاً إلى نحو 30% من منازل الضنية الواقعة في أحياء النبي يوشع وجزء من بحنين وجزء من النبي كزبير، فيما بقيت كامل المنية، أي ما نسبته نحو 70% من المنطقة من دون شبكة مياه"، وفق أسوم نفسه.

من هذه الوقائع، ومن كل الواقع الإنمائي المهمل في المنية، ينتقد د. محمد علم الدين مجمل أداء القوى السياسية تجاه المنطقة: "ليس لدينا مشفى صالح لاستقبال المرضى، لا مكركز للصليب الأحمر خاص بالمنية، حتى الضمان ما زلنا تابعين لمركز طرابلس برغم أننا نشكل 10 آلاف مضمون من مجموع 37 مضمون في المنطقة، ومع ذلك علينا أن نقصد طرابلس لإتمام عمليات الضمان". ويلفت علم الدين إلى ارتفاع نسب البطالة إلى حدود 30% "نحن والهرمل أعلى معدلات، ومعها الأمية التي تلامس 26% وهي من الأعلى في لبنان". ومع ذلك، استذكرت السلطات ممثلة بوزارة البيئة والقوى السياسية منطقة المنية ومحيطها بمطمر نفايات وليس بأي مشروع إنمائي.  

بانتظار الدخان الأبيض، سواء من وزارة البيئة أو السرايا الحكومية، تستمر أزمة النفايات في أقضية الكورة وزغرتا وبشري والضنية-المنية في التفاقم بعدما تُركت الأمور على حالها إلى حين إقفال مكب عدوة وتفاقم الأزمة. "حراس" طرابلس وغيرها من ناشطين وناشطات يحرسون المناطق هذه الأيام خوفا من رمي نفايات هذه المنطقة أو تلك على غيرها. وهم يشيرون أنه يتم ضبط نحو عشر شاحنات يوميا من النفايات الآتية سواء من قضاء زغرتا أو بشري أو المنية والضنية والكورة، في محاولة لرمي نفايات هذه المناطق في أي مكان مقابل دفع مئات الدولارات للطن للشاحنة. ويتمكن الشبان من ضبط الشاحنات عبر مراقبتهم للطرقات المؤدية إلى المكب، لمنعها من الوصول إليه.

 

مركبتا: فرز رائد

وحدها بلدة مركبتا ، في قضاء المنية وتحديدا في السفح الملاصق لجبل تربل، تبدو مرتاحة من كل فوضى النفايات. قادت البلدة تجربة رائدة في فرز الفنايات من المنازل بمساعدة منظمة ميرسي كور، وفق ما يؤكد رئيس بلديتها بسام عطية للمفكرة. اليوم تمنح مركبتا البلاستيك والحديد والزجاج والورق والكرتون لمعامل إعادة تدوير النفايات، وتذهب بالنفايات العضوية إلى التسبيخ، ولا يبقى سوى بعض المتبقيات.

لكن لمركبتا هاجس آخر خطير. يتحدث رئيس بلديتها عن وجود ثلاثة ينابيع في البلدة التي تقع في أسفل جبل تربل "مياهنا تروي جزءا كبيرا من أهل المنية الذين يقصدونها يوميا وتروي البلدة ومزروعاتها. إذا أقاموا المكب في تربل لن يبقى لدينا بئر أو نبع إلا ويتلوث، يقول عطية رافضا باسم مركبتا إقامة مطمر للنفايات فوق خزانات مياههم الجوفية.

 

الفيديو الذي يوثق اعتداء عنصر من قوى الأمنية على سيدة من تربل