وجه رئيس الجمهورية في 31 تموز المنصرم رسالة إلى مجلس النواب عملا بصلاحيته المنصوص عليها في الفقرة العاشرة من المادة 53 من الدستور اللبناني. وبغض النظر عن مضمون هذه الرسالة الذي يستخلص منه ان مجلس النواب هو الجهة المخولة لتفسير الدستور تفسيرا ملزما، الأمر الذي لا نوافق عليه ونعتبره مخالفا لمبادئ نظرية القانون، لا بد من الإشارة إلى أن هذه الصلاحية تدخل في خصائص النظم البرلمانية وهي معبرة جدا كونها من الصلاحيات القليلة التي يستطيع رئيس الدولة ممارستها لوحده دون حاجة إلى توقيع وزاري إضافي.

وقد قرر رئيس الجمهورية توجيه الرسالة ليس مباشرة عبر حضوره الشخصي، بل بواسطة رئيس المجلس ما يجعلها تدخل في أحكام الفقرة الثالثة من المادة 145 من النظام الداخلي لمجلس النواب التي تنص على التالي: " أما إذا كانت الرسالة موجهة بواسطة رئيس المجلس، فعليه (أي رئيس المجلس) أن يدعو المجلس للإنعقاد خلال ثلاثة أيام لمناقشة مضمون الرسالة، واتخاذ الموقف أو الإجراء أو القرار المناسب". السؤال الذي يطرح نفسه لماذا لم يلتزم رئيس مجلس النواب بما يفرضه عليه النظام الداخلي لمجلس النواب؟ فقد انقضت مهلة الثلاثة أيام ولم يجتمع مجلس النواب لمناقشة رسالة رئيس الدولة لا سيما وأن المجلس دعي بموجب المرسوم رقم 4915 الصادر بتاريخ 28 أيار 2019 إلى عقد استثنائي افتتح في الأول من حزيران على أن يستمر إلى 21 تشرين الأول المقبل، أي ان المجلس يمكن له ممارسة جميع صلاحياته الدستورية.

وبالحقيقة ليست المرة الأولى التي يتأخر فيها رئيس المجلس بعرض رسالة رئيس الجمهورية أمام الهيئة العامة. ففي 19 آذار 1998 وجه الرئيس الراحل الياس الهراوي رسالة الى مجلس النواب يطلب فيها تشكيل الهيئة الوطنية لالغاء الطائفية. لكن رئيس مجلس النواب أرجأ تلاوتها إلأى جلسة 28 تشرين الأول 1998، ما دفع الرئيس حسين الحسيني إلى اعلان التالي: "دولة الرئيس، كما نعرف أن رسالة فخامة الرئيس تستند للمادة 53 من الدستور، وطبعا وكما نذكر أن الرسالة قد وردت منذ فترة طويلة، وأنا كنت قد تقدمت باقتراح، بأنه وبعد وضع هذه الفقرة في المادة الدستورية لم يصر إلى ترتيب النصوص اللازمة بالنظام الداخلي لكي تحكم سير كيفية توجيه الرسالة، وكيفية التعامل معها، وحين يوجه رئيس الجمهورية رسالة إلى المجلس النيابي يعني أن هناك أمرا هاما وهاما جدا، يقتضي تنظيم هذا الموضوع في النظام الداخلي، وكنت قد تقدمت باقتراح تعديل النظام الداخلي، وأتمنى أن يقر هذا الاقتراح بأسرع ما يمكن".

وبما أن صلاحية توجيه رسائل إلى مجلس النواب لم تكن موجودة في الدستور قبل 1990، علما أن رئيس الجمهورية كان درج على توجيه رسائل إلى السلطة التشريعية قبل 1990 رغم غياب النص، أقر مجلس النواب في جلسة 11 شباط 1999 بناء على اقتراح الرئيس حسين الحسيني تعديل النظام الداخلي وإضافة المادة 145 التي تحكم أصول توجيه الرسائل والاجراءات الواجب اتباعها من قبل رئيس المجلس عندما يستخدم رئيس الجمهورية هذه الصلاحية.

وبالفعل، شرح رئيس المجلس نبيه بري حينها أهمية هذه الصلاحية قائلا: "يعني مثلاً، ورد في خلال زمن رئاستي رسالتان من رئاسة الجمهورية، تتعلق آخر رسالة بموضوع تأليف الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية السياسية. في الحقيقة لم يكن هناك دورة استثنائية، فبقيت عندي أربعة أشهر لم أتمكن في خلالها من عرضها على المجلس النيابي ونسيت عرضها أيضاً في أول جلسة، وانتبهت في نصف الجلسة أنه يجب أن أتلوها، فقمت بتلاوتها لو تذكر ذلك. أعتقد أن الهدف من الاقتراح أن هناك أصولاً يتبعها رئيس المجلس النيابي نظراً لمكانة رئيس الجمهورية. أنا أدعو فوراً لجلسة مجلس نيابي مباشرة وأتلو فيها الرسالة وأطلب موقف النواب من الموضوع، وإن كان هناك توجه معين هل نأخذ به أم لا؟ نرفضه أم نبقي عليه؟"

وهكذا يكون رئيس المجلس قد أقر بأن عليه أن يدعو مجلس النواب فورا معتبرا أن "هناك قيود تقيده" خلال ممارسته لدوره الدستوري. السؤال الذي يطرح نفسه مجددا لماذا لم يدعُ الرئيس بري مجلس النواب فورا وفقا لما قاله سنة 1999؟ والحقيقة أنه لم يتم نشر أي شرح رسمي لهذا التأخير الذي يتعارض كليا مع أحكام النظام الداخلي وجل ما قيل هو ما تناقلته بعض وسائل الاعلام ومفاده أن رئيس المجلس لا يريد أن يعقد جلسة لتفسير الدستور خلال عقد استثنائي.

يحتاج هذا التبرير إلى تفكيك متعدد المستويات وفقا للتدرج التالي:

  • كيف وصل رئيس المجلس إلى هذا الاستنتاج؟ وهل يحق له أن يفرض تفسيره الخاص للدستور دون موافقة الهيئة العامة لمجلس النواب؟ فالغريب أن رئيس المجلس الذي يدافع دائما عن كون مجلس النواب سيد نفسه وأنه الجهة الوحيدة المخولة بتفسير الدستور منح نفسه صلاحية تفسير الدستور لجهة موضوع بحثنا دون علم مجلس النواب إذ كان من المفترض أن يدعو مجلس النواب لجلسة خلال ثلاثة أيام وليقرر حينها المجلس تفسير الدستور واعتبار تفسيره للدستور غير جائز في الدورة الاستثنائية.
  • أن الدستور يمنع بالفعل على مجلس النواب اقتراح تعديل الدستور في الدورات الاستثنائية. وبالتالي يصبح موقف رئيس مجلس النواب اعترافا ضمنيا بأن تفسير الدستور هو شكل من أشكال التعديل الذي يتطلب اعتماد الشروط الدستورية ذاتها لجهة النصاب وغالبية التصويت بغية "تفسير" الدستور.
  • في حال سلمنا جدلا أن التفسير لا يجوز في العقد الاستثنائي قياسا على التعديل، لكن ذلك غير متحقق في حالتنا الراهنة كون الدستور يمنع على مجلس النواب اقتراح تعديل الدستور في الدورات الاستثنائية، لكنه يجيز له تعديل الدستور حتى في الدورات الاستثنائية في حال انطلقت مبادرة التعديل من رئيس الجمهورية عملا بالمادة 76 من الدستور. وبما أن طلب التفسير/التعديل انطلق من رئيس الجمهورية، فهذا يعني أنه يحق للمجلس الاجتماع للتباحث في طلب رئيس الجمهورية علما أن كاتب هذه السطور يعتبر أن مجلس النواب لا يحق له تفسير الدستور في حال كان المقصود بذلك التفسير الإلزامي الوحيد في الدولة.

وهكذا يكون رئيس مجلس النواب قد فسر الدستور بنفسه وفقا لاجتهاده الخاص علما أنه من المدافعين عن حصرية صلاحية المجلس بتفسير الدستور.