منذ نشأتها في سنة 1977، هُمشت المؤسسة الوطنية للاستخدام. لم تعرها الدولة اللبنانية أي أهمية. لم ترصد لها موازنات لتقوم بدورها الأساسي في رسم سياسات الاستخدام في البلاد وتأمين فرص العمل. وهكذا، لا تخلو الخطابات السياسية، التي لا تستند لأرقام دقيقة، من الإشارة إلى ارتفاع نسب البطالة، ومنافسة اليد العاملة الأجنبية، وتراجع فرص العمل. لعلّ السياسيين لا يعرفون بوجود مؤسسة أنشئت لمعالجة هذه المشاكل، مؤسسة لها القدرة على تأمين المعلومات عن سوق العمل، وتنظيم العمالة اللبنانية والأجنبية، والمساهمة في التوجيه المهني للطلاب بما يتناسب مع حاجة سوق العمل، والتدريب المهني وتأمين فرص عمل للعاطلين عن العمل.

لعل أبرز من تطرق إلى ضرورة تفعيل المؤسسة في الآونة الأخيرة هو البيان الوزاري لحكومة الرئيس سعد الحريري قبل 5 أشهر إذ جاء فيه "تحديث قانون العمل وتطوير وتحديث المؤسسة الوطنية للاستخدام من ضمن خطة لمكافحة البطالة". ويقابل هذه الانطلاقة لـ "حكومة إلى العمل" سياسة التقشف في مشروع الموازنة، ويعقبها تصريح لوزير العمل كميل أبو سليمان لـ"المفكرة القانونية" (المقابلة منشورة في هذا العدد)، يشرح فيه أنه يدرس الاحتمالات الموجودة لوضع المؤسسة، ومنها احتمال دمجها مع وزارة العمل، وذلك بهدف توفير الكلفة ومضاعفة العمل.

تعمل المؤسسة الوطنية للاستخدام منذ 42 عاماً، وقد أنشئت في العام 1977، وترتبط بوزارة العمل وتخضع لوصايتها. وطيلة أعوام العمل واجهت تهميشاً تجسّد في انعدام موازنات الدراسات، ما أدى إلى تراجع دورها في تأمين الوظائف، كما انعكس التهميش على عدد موظفيها الذين بلغوا في العام 2018 أقصى عددهم (57 موظفاً)، مع العلم أن ملاكها الإداري هو 108 موظفين. ويطال التهميش التنمية الإدارية بما يؤثّر على الموقع الإلكتروني والمكاتب التي تحتاج إلى أبسط التجهيزات وينعكس انعداماً للتنسيق مع وزارة الوصاية.

 

المؤسسة منسية منذ ولادتها

أنشئت المؤسسة الوطنية للاستخدام بموجب المرسوم الاشتراعي رقم 80 الصادر بتاريخ 27/06/1977، وهي تتمتع بالشخصية المعنوية وبالاستقلال المالي والإداري. وبعد عامين صدر مرسوم رقم 2019 بتنظيمها ومعه مرسوم تحديد ملاك المؤسسة الوطنية رقم 2020 وخصّص لها بموجبه 108 موظفين.

وقد جاء إنشاؤها خلال الحرب الأهلية في وقت كانت الدولة تتوقع انتهاء الحرب وتتجه لإعادة إعمار البلد (تجدر الإشارة إلى أن إنشاءها تزامن مع إنشاء مجلس الإنماء والإعمار). وعلى عكس هذه التوقعات، لم تنتهِ الحرب بسرعة، بل دامت سنوات طويلة بعد ذلك. وبسبب التداعيات الأمنية والأوضاع السياسية والمالية المتأزمة ومحاولة الحكومة إلغاء ودمج بعض المؤسسات، صدر المرسوم رقم 157 أواخر عام 1983 وتمّ بموجبه دمج المؤسسة الوطنية للاستخدام مع وزارة العمل (فتم إلغاء أحكام المرسوم الاشتراعي رقم 80/1977 المذكور أعلاه ضمنياً)، ليتغيّر اسمها آنذاك من وزارة العمل والشؤون الاجتماعية إلى وزارة العمل. ما معناه أنه تم تعليق العمل بالمؤسسة واستمرت تمارس نشاطها مع بعض الموظفين فيما تم إلحاق الآخرين بإدارات مختلفة. وقد استمرت المؤسسة تعمل بنشاط جزئي لـ11 عاماً إلى حين إقرار القانون رقم 379 بتاريخ 04/11/1994 الذي ألغى المرسوم رقم 157/1983 وأعاد إعمال أحكام المرسوم الاشتراعي رقم 80/1977. وقد عملت المؤسسة بناء على بعض الموازنات التشغيلية ومعظمها لأجور الموظفين الذين لم يتجاوز عددهم 15 موظفاً.

سنة 1996، في مرحلة إعادة الإعمار، تم إدخال 48 موظفاً جديداً إلى المؤسسة معظمهم عبر مباراة أجرتها المؤسسة على أساس الألقاب (هي عملية توظيف تحصل عبر إجراء مقابلات مع متخصصين في مجالات معينة) كما هو منصوص عليه في المرسوم رقم 2020/1979.

وفي عام 2018، تم إدخال 32 موظفاً (تم إجراء الامتحانات لهم قبل إصدار مشروع موازنة العام 2017 الذي قضى بمنع التوظيف) بمباراة تمت هذه المرة في مجلس الخدمة المدنية ليصبح عدد ملاكها 57، بعدما تقاعد عدد من الموظفين السابقين وترك آخرين للعمل في المؤسسة. تم توزيع الموظفين الجدد على كافة المصالح والدوائر في المؤسسة، إذ كان هناك مصالح خالية من الموظفين وأخرى فيها فقط رئيس مصلحة. وبهذا تكون المؤسسة "تدفش" نفسها على العمل بأقل من نصف ملاكها الإداري الذي حدده المرسوم رقم 2020. ويشرح المدير السابق للمؤسسة جان أبو فاضل لـ"المفكرة" بأنه "كنا بحاجة لأمرين ضروريين لتتمكن المؤسسة من القيام بعملها: أن نلحظ لها الموازنات وأن نؤمن لها الموظفين، اليوم حلّينا نصف المشكلة بإدخال موظفين جدد عبر مجلس الخدمة المدنية، وهو مطلب حاربنا لأجله لنحو 7 سنوات".

ويلفت أبو فاضل إلى أن ثمة حلّين مطروحين للمؤسسة: إما تفعيلها أو دمجها مع وزارة العمل. وبالنسبة للحل الثاني فهو يعتمد على طريقة الدمج بخاصة في ظل التشابه في بعض المهام بين الوزارة والمؤسسة، ووجود مهام تقوم بها المؤسسة كالتدريب والتوظيف والدراسات لا تقوم بها الوزارة.

ويشرح قائلاً: "إن أصبحت مديرية للدراسات والاستخدام في وزارة العمل، فالموظفون سيقومون بدور فعال"، مستبعداً احتمال ترك موظفين آخرين لأن الوزارة أصلاً بحاجة لموظفين. ويلفت إلى أنه في حال تفعيلها، فإن المؤسسة تحتاج لصلاحيات إضافية، مثل إمكانية مراقبة التزام المؤسسات بتوظيف اللبنانيين وأن تتمكن من تسطير مخالفات بحق المرتكبين، وأن يكون لها مفتشون يعملون لصالحها.

 

موازنة متواضعة وتشغيلية

بلغت موازنة المؤسسة في 2018 مليارين ونصف مليار ليرة لبنانية، وهي في قسمها الأكبر ذات طابع تشغيلي (بحيث تتضمن الأجور وإيجار المباني ومشاريع التدريب المهني ونفقات إدارية أخرى). ويبلغ إيجار المبنى الذي تشغله المؤسسة 245 مليون ليرة لبنانية سنوياً تقتطع من موازنتها السنوية، وهو مبنى يتألف من ثماني طوابق. وفي هذا الصدد، يؤكد أبو فاضل الذي بلغ سن التقاعد في نيسان 2019، للمفكرة القانونية أنه "درجت العادة لدى تحديد موازنة المؤسسة الوطنية للاستخدام في جلسة دراسة مشروع الموازنة كل عام، وقبل أن يقولوا صباح الخير يُقضم منها مباشرة نحو 40 بالمئة، فتُحذف أية اعتمادات نطلبها للقيام بدراسات". وعليه، تبقى الموازنة تشغيلية فقط مع ما يستتبع ذلك من حرمان المؤسسة من أي دور تطويري.

يضاف إلى النفقات التشغيلية، بعض الموازنات التي تتصل بالتدريب المهني لنحو 1000 متدرب سنوياً بالتنسيق مع جمعيات غير حكومية. وتتعاون المؤسسة بشكل مستمر مع نحو 41 جمعية تقوم بتدريب نحو 40 مهنة.

وعليه، ورغم أهمية دور المؤسسة "على الورق"، قلّما توفّر لها الاعتمادات اللازمة للقيام بعملها. فقد كان عدد الموظفين في قسم تأمين الوظائف، "نحو ثلاثة أو أربعة موظفين عليهم إيجاد فرص عمل لآلاف من اللبنانيين العاطلين عن العمل"، بحسب ما يؤكد أبو فاضل للمفكرة. وتجدر الإشارة إلى أنه بعد التوظيفات الجديدة تم تشكيل 10 موظفين جدد لقسم الاستخدام تم توزيعهم على مكاتبها في صيدا وطرابلس. ويرى أبو فاضل أن إدخال الموظفين قد يحسّن العمل ولكن مع ذلك لا يزال يحتاج إلى المزيد من الموارد.

كما لم تتمكن المؤسسة من استحداث مكاتب استخدام تابعة لها في المناطق سوى في بيروت وطرابلس وصيدا، بحيث بقي حضورها متمركزاً في المدن الساحلية الكبرى دون سواها. فيتعذر بالتالي على طالبي الوظيفة من مختلف المناطق القدوم إلى مكاتبها لتقديم طلبات، كما أنّه من النادر ما ينشر موقعها الإلكتروني إعلانات عن الوظائف الشاغرة.

في الاتجاه نفسه، تحتاج معظم المكاتب في المبنى إلى أبسط التجهيزات مثل الكمبيوترات المتطورة وأجهزة الهاتف وآلات الطباعة. ويتأثر العمل في المؤسسة بانعدام الموازنات للتنمية الإدارية، مثلاً لتسهيل عملية تأمين الوظائف إلكترونياً. ويظهر هذا الأمر من رداءة الخدمة التي يقدمها الموقع الإلكتروني التابع للمؤسسة، الذي لا يقدم سوى تعريفاً عنها وعن دوائرها والعدد القليل من الدراسات التي قامت بها، والتي موّلت معظمها جهات غير حكومية.

 

أي دور للمؤسسة في التوظيف في ظل منافسة السياسيين:

محترفو سياسة أم محترفو توظيف؟

بموازاة تراجع خدمة التوظيف في المؤسسة، ازداد لجوء طالبي العمل إلى وسائل أخرى كالتواصل المباشر مع الشركة مقدمة عرض الوظيفة، أو التوسّط لدى الأحزاب وممتهني السياسة. ويتوازى ذلك مع انتشار الكثير من الشركات المتخصصة بالتوظيف، مع العلم أن للمؤسسة الوطنية للاستخدام حصرية القيام بوظيفة الاستخدام وفق المادة 8 من مرسوم إنشائها والتي تمنع إعطاء الرخص لمكاتب استخدام خاصة تقوم بأعمال تدخل ضمن مهام المؤسسة.

وعليه، انحصر عمل المؤسسة في هذا الخصوص بتأمين وظائف لأشخاص من الحالات الصعبة أي الذين يصعب عليهم إيجاد فرص عمل بجهد ذاتي بسبب انعدام الخبرة أو لم يلتحقوا بالمدارس، أو ليس لديهم علاقات مع سياسيين (ما يُشار إليه بـ"الواسطة") أو معارف. يضاف إلى ذلك ما ذكرناه أعلاه لجهة وجود ثلاثة مكاتب فقط للمؤسسة في المدن الساحلية معنيّة بالاستخدام.

وتشرف المؤسسة في هذا الإطار على دورات تدريبية للأشخاص المهمشين اجتماعياً واقتصادياً في لبنان (وهم غالباً ممن لم يكملوا تعليمهم المدرسي أو لم يلتحقوا بالمدرسة أساساً، وبالتالي لم تتوفر لهم فرص التدريب في النظام التعليمي المهني التقليدي). فضلاً عن ذلك، تشرف المؤسسة على تدريب خاص بالأشخاص المعوّقين، وذلك بالتنسيق مع جمعيات مختصة، لا سيما فيما يتعلق بالتدريب في المشاغل المحمية، وهو تدريب يحصل ضمن الجمعيات على مهن يدوية من النوع البسيط مثل شك الخرز وصنع الكراسي. ويتقاضى المعوّق أجراً عن الأعمال التي ينجزها وتقوم الجمعيات ببيع منتجاته لصالحه.

تؤمّن المؤسسة التمويل اللازم للجمعيات المعنية بهؤلاء الأشخاص على أن تُشرف على عملية التدريب وتقديم الشهادات لهم وهي شهادات معترف بها ويمكن مصادقتها من وزارة الخارجية.

وقد أدى الشح في موازنات المؤسسة إلى تجميد العمل في أهم دوائرها، لا سيما دائرة هجرة اليد العاملة اللبنانية التي تتولّى مهام متعلقة بتنظيم هجرة اليد العاملة وتوجيهها بالتعاون مع الجهات المختصة بالداخل والخارج (المادة 18 من المرسوم 80). وكذا دائرة التوجيه المهني التي تتولى جمع ونشر المعلومات حول طبيعة ومضمون الوظائف والمهن ومجالات الاستخدام على المدى القريب والمتوسط وحول وسائل الإعداد (المادة 21 من المرسوم 80).

في اتجاه مغاير يذهب عضو تكتّل "لبنان القوي" النائب إدكار طرابلسي إلى اتّهام فريق عمل المؤسسة بالتلكّؤ عن القيام بالدور المطلوب، إذ اعتبر في تصريح للمفكّرة أنّ المؤسسة قادرة على أن تقوم بدورها ولكنّ موظفيها في المديرية الخاصة بالتوظيف لا يعملون. وكان طرابلسي وجّه عبر رئاسة مجلس النواب سؤالاً إلى الحكومة عن الأسباب التي حالت حتى تاريخه دون قيام المؤسسة الوطنية للاستخدام بدورها، وهل من ضمانة أو ضمانات تحول دون تهميش المؤسسة ودورها في المستقبل؟ وسأل طرابلسي عن خطتها لمكافحة البطالة ولكنّه لم يحصل على جواب من الحكومة بعد، على ما يقول.

ويعلّق أبو فاضل بأنّ موقف طرابلسي من فريق عمل المؤسسة تكرر مثله في السنوات السابقة، ويقول: "زار المؤسسة العديد من النواب، وضربوا على صدورهم ووعدونا بإيجاد الحلول بعدما نقلنا لهم معاناتنا. وعند تشكيل حكومة جديدة، راحوا يهاجموننا على المنابر النيابية". ويُضيف "لم يكن في مديرية الاستخدام سوى ثلاثة أو أربعة موظفين، فهل سيتمكنون من تأمين فرص عمل لآلاف اللبنانيين؟"

 

مجلس إدارة نموذجي ولكنّه لا ينعقد

يتشكل مجلس الإدارة من ممثلي أصحاب العمل (5 أعضاء)، وممثلي الاتحاد العمالي العام (3 أعضاء)، وممثلي الدولة اللبنانية (3 أعضاء يمثلون الجامعة اللبنانية والمديرية العامة للتعليم المهني والتقني والمركز التربوي للبحوث والإنماء)، يعيّنون بمرسوم من مجلس الوزراء. واللافت أن وزير العمل هو رئيس مجلس الإدارة بحسب المادة 5 من مرسوم إنشاء المؤسسة رقم 80، وذلك على خلاف ما هو منصوص عليه في المرسوم رقم 4517 الخاص بالأنظمة العامة للمؤسسات العامة، الذي يُشير إلى أنّ على وزارة الوصاية تعيين مفوض للحكومة لدى المؤسسة العامة، فلا يتولّى وزير الوصاية رئاسة مجلس إدارتها. وتختلف المؤسسة الوطنية للاستخدام عن كافة المؤسسات من حيث عدد أعضاء مجلس إدارتها، إذ يصل إلى 13 عضواً، بينما حدد المرسوم 4517 عدد أعضاء المؤسسات من ثلاثة إلى سبعة أعضاء بمن فيهم الرئيس ونائب الرئيس.

ويشكل مجلس الإدارة بشكله المنصوص عنه في المرسوم 80، نموذجاً من شأنه أن يلبّي احتياجات المؤسسة، وبخاصة من خلال تمثيل الجامعة اللبنانية والمركز التربوي للبحوث والإنماء، صاحب الدور الأساسي في تقديم البحوث والمعلومات التي تفيد في وضع البرامج وتطبيقها في النظام التعليمي.

إلا أن هذه التركيبة النموذجية لم تُجدِ نفعاً على أرض الواقع بسبب التهميش المستمر من الحكومة للمؤسسة. ففي العام 2003 صدر آخر مرسوم تعيين مجلس إدارة انتهت ولايته بعد ثلاث سنوات ولكنه يستمر في عمله إلى حين تعيين مجلس إدارة جديد وفقاً للمادة 6 من المرسوم رقم 4517. أيضاً، يُشار إلى أن المادة 25 من المرسوم رقم 5417 تؤكد أن مدير عام المؤسسة يبلغ وزير الوصاية محاضر جلسات مجلس الإدارة، إلا في حالة المؤسسة الوطنية للاستخدام، حيث الوزير هو رئيس المجلس، فإنه يبلغ نفسه. 

ويتكلم أبو فاضل عن الحيلولة دون إمكانية تأمين التمثيل الثلاثي في مجلس الإدارة بسبب غياب ممثلي الاتحاد العمالي العام. ويعد ذلك إلى "وفاة إثنين من ممثلي الاتحاد العمالي العام وسفر ثالث خارج البلاد من دون رجعة. ولا يصح عقد الاجتماعات من دون حضور شريك أساسي، وهو الاتحاد العمالي العام".

لا يجد أبو فاضل تبريراً لتمنّع الحكومة عن تعيين مجلس إدارة جديد منذ العام 2006، حتى أنه يستغرب أنّه منذ غادره في آخر نيسان الماضي لم يجر تعيين مدير عام جديد. وأكد بأنه اقترح سابقاً على وزارة العمل تخفيض عدد أعضاء مجلس الإدارة ليتواءم مع كافة المؤسسات العامة وتعيين مجلس إدارة جديد، إلا أنه لم يجد "تجاوباً جدّياً خاصة في مسألة التعيين وهو أمر سهل لا يحتاج للكثير من التباحث" بحسب تعبيره.

وعلى جهة موازية، يؤكد أن إمكانية جمع النصاب كانت بحد ذاتها مسألة تعيق انعقاد الاجتماعات، لافتاً إلى أن عدد الاجتماعات السنوية لمجلس الإدارة لم تكن تتخطّى العشر مرات.

 

الدولة تهمّش المؤسسة حتى في نطاق صلاحياتها

مؤخراً، بدأت وزارة العمل بتنفيذ خطة مكافحة العمالة الأجنبية غير الشرعية، وهي خطة ارتبطت بشكل أساسي بحماية اليد العاملة اللبنانية من المنافسة الأجنبية. ويُشار إلى أن أحداً لا يعرف نسبة البطالة الفعلية في البلاد، وآخر الدراسات بهذا الخصوص قام بها الإحصاء المركزي، الأولى قبل عشر سنوات أي في العام 2009، حين تبيّن أن نسبة البطالة هي 6.7%. وتفيد دراسة ثانية أجراها في العام 2012 ولم تنشر بأن نسبة البطالة 9.7%[1]. ومن المفترض صدور دراسة قريباً تحت عنوان "مسح الأوضاع المعيشية للقوى العاملة والأسر" بالتعاون بين إدارة الإحصاء المركزي ومنظمة العمل الدولية.

 وإذ تتدخل الوزارة في صلاحيات المؤسسة لناحية إجراء الدراسات حول العمالة الأجنبية ونسبة حاجة البلاد إليها، لم تقم الوزارة بإشراكها في الخطة. حتى أن الوزارة تعطي سنوياً آلاف إجازات العمل لعمال أجانب من دون التنسيق مع المؤسسة الوطنية للاستخدام.

وإذ يشدد أبو فاضل على أن الخطة التي تقوم بها الوزارة هي محقّة وضرورية، إلّا أنه يرى أنه على وزارة العمل أن تتعاون مع المؤسسة بشكل فعال. ولفت إلى أنه في السنوات التي عمل فيها في المؤسسة قبل أن يتقاعد قبل أشهر، شهد على أن وزارة العمل لا تتعاون مع المؤسسة بخاصة فيما يتعلق بإعطاء إجازات العمل للعمال الأجانب. ويشرح بأنه على الشركة التي تطلب عاملاً أجنبياً أن تُعلم وزارة العمل التي تُحيل الطلب إلى المؤسسة التي تنشره في الجرائد. وبالتالي تُعطى الأولوية لتأمين العمل للعامل اللبناني. ويُضيف أنه "عندما لا نجد خلال أسبوعين عاملاً لبنانياً مهتماً بالوظيفة حينها نشير إلى الشركة عبر وزارة العمل بأن توظف عاملاً أجنبياً". ولكن هذا الإجراء لا يحصل، بحسب أبو فاضل، بسبب انعدام التنسيق مع وزارة العمل.

ويشرح أبو فاضل بأن الدولة لم تعر أهمية لدور المؤسسة، لافتاً إلى "السنوات السبع الأخيرة لما عانته البلاد من تخبط بسوق العمل، جرّاء دخول عمال أجانب إلى سوق العمل، حين كان يجب وضع دراسات لم ينتبه أحد لأهميتها". ويُضيف، "الطلاب يتوجهون إلى اختصاصات جامعية من دون مرجع يوجههم على حاجات سوق العمل، الأمر الذي يؤدي إما إلى عملهم في مجال خارج اختصاصاتهم أو إلى الهجرة".

 

أبرز الدراسات التي قامت بها المؤسسة

كانت آخر دراسة شاملة قامت بها المؤسسة على صعيد سوق العمل اللبناني في العام 1996 في مرحلة إعادة الإعمار، وشملت كافة القطاعات وهي من أهم الدراسات على صعيد البلاد في هذا الشأن منذ العام 1970 عندما قام الإحصاء المركزي بدراسة مشابهة.

ونشرت بعض الدراسات في السنوات الأخيرة، كلّها ممولة من جهات خارجية، أبرزها في العام 2010 حول الفنادق والمطاعم، بمساعدة مالية من منظمة العمل الدولية، قامت بمسح شامل لـ450 مؤسسة من فنادق ومطاعم تضم نحو 14 ألف عامل. وفي العام 2016 نفذت دراسة لإحصاء اليد العاملة في القطاع التجاري بالتعاون مع جمعية تجار بيروت أظهرت احتياجات التجار لليد العاملة الماهرة والمهارات التي تنقص العاملين في هذا القطاع.

وتتميز المؤسسة بأنها الوحيدة التي تعتمد التصنيف المهني، حيث أصدرت في العام 2005 دراسة التصنيف المهني في لبنان تغطّي جميع المهن المعمول بها في البلاد. والتصنيف هو مصدر لمعرفة أنواع المهن في لبنان وترتيبها. ومن المتوقع أن تصدر المؤسسة تصنيفاً جديداً في مطلع السنة المقبلة.

ولتتمكن المؤسسة من تلبية الحاجة إلى معلومات حول البطالة فإنها تحتاج لدراسة شاملة عن نسبة العاطلين عن العمل وهذا النوع من الدراسات يقوم به الإحصاء المركزي على صعيد الأسر. ومن جهة أخرى، فإن معرفة حجم البطالة يتعذر على مكاتب الاستخدام التابعة للمؤسسة لأن الأمر يتطلب أن تلزم الإدارة العاطلين عن العمل بالتسجيل في الدوائر المختصة، ومن المستبعد حصول ذلك لان العاطل عن العمل لا يحصل على بدل بطالة كما هي الحال في الدول الأوروبية

 

 

  • نشر هذا المقال في العدد | 61 |  تموز 2019، من مجلة المفكرة القانونية | لبنان |. لقراءة العدد اضغطوا على الرابط أدناه:

ليس بالوطنية وحدها تحمى العمالة

 


[1]  كلمة المديرة العامة لإدارة الإحصاء المركزي الدكتورة مارال توتليان حول "أهمية مسح القوى العالمة لتأمين مؤشرات البطالة والعمل" في مؤتمر البطالة وفرص العمل الكامنة في طرابلس والشمال، 20 تشرين الأول 2018.