نشر هذا المقال للمرة الأولى في جريدة الأخبار بتاريخ 17/1/2008 وذلك تعليقا على حكم صدر بتاريخ 13/12/2007. بالنظر إلى أهمية هذا الحكم على ضوء التطورات الحاصلة في لبنان، وبخاصة النقاش الدائر حول قضية فرقة مشروع ليلى، رأت "المفكرة" أهمية في إعادة نشره إبرازا لقيم التسامح في فهم القضايا الدينية ومقاربتها (المحرر).

 

بتاريخ 13-12-2007، أصدرت محكمة استئناف الشمال قرارا بردّ الطعن الذي تقدمت به النيابة العامّة شكلا ضدّ الحكم الصادر بتاريخ 9-5-2007 عن القاضي الجزائي في طرابلس منير سليمان وهو حكم مميّز في مآله وأبعاده، وخصوصا في مجال تعزيز حقوق المواطنة في مواجهة الشمولية والتزمّت الطائفيين. فالقضية بدأت فصولا بالشكوى المقدمة من رابطة الطلاب المسلمين على خلفية مقالات نشرت في مجلة حقوق الناس وذلك في 2003 أي في حمأة الخطاب العام السائد آنذاك بشأن "العزّة الإلهية وعبدة الشيطان". وقد انتهى الحكم إلى تبرئة كلا من جوزيف حداد وهو كاتب عدد من المقالات "موضوع الاتهام" ووسام ملحم الذي تولى توزيع المجلة في الجامعة اللبنانية (القبّة- طرابلس)، من التهم الموجهة إليهما وتحديدا تهمتي التجديف علنا على اسم الله وتحقير الشعائر الدينية.

وإذا ساغ تشبيه هذا الحكم بالحكم الصادر بتاريخ 1/12/1999 عن القاضية المنفردة الجزائية في بيروت بو كروم في دعوى مارسيل خليفة لجهة الاعتراف بحريتي التعبير والمعتقد، فإن الامعان في حيثياته يظهر أنها عكست مواقف أكثر تقدما وبأية حال وضوحا بشأن مشروعية الخطاب العلماني في نقد الدين والطوائف.

فردا على اتهامات الرابطة لجهة أن المجلة احتوت مقالات استفزازية تمسّ الدين والإيمان عامة وتتعرض للذات الإلهية إضافة إلى التهكم على المحجبات والحجاب بصورة مهينة لمشاعر المسلمين، ولجهة أنها تطرّقت إلى مواضيع جنسية فاضحة مخلّة بالأخلاق العامة وأنها تنتهك التربية السليمة وساقطة الهدف وفيها إثارة للنعرات الطائفية والمذهبية والسياسية وتعرض السلم الأهلي للخطر وتخدم المصالح الاسرائيلية، فإن القاضي أعاد قراءة المقالات الثلاثة موضوع الاتهام، على النحو الآتي:

  • إن الكاتب صور في المقال "بين الدين والسياسة على مسرح اللبنانية" مشهدين حصلا في حرم الجامعة اللبنانية، الأول حفل تراتيل ميلادية والثاني حفل إعلان بعض الفتيات ارتداءهن الحجاب، وذلك تعبيرا عن رفضه أن تكون الجامعة غير مدنية وتاليا فإنه ليس موجها أو متعلقا بطائفة معينة أو بدين دون الآخر إنما هو يدعو إلى نزع الصبغة الدينية أو الطائفية عن الجامعات واعتمادها كصرح مدني.
  • إن الكاتب انتقد في المقال الثاني "بلا ذاكرة" تشييد الكنائس والمساجد بتكلفة باهظة وبصورة مواجهة، كما انتقد مكبرات الصوت في المساجد التي تنقل الخطاب السياسي.
  • إنه في مقال ثالث، كتب عن الإله المخطوف واقتبس عن الفيلسوف نيتشه وعن الكاتبة ناديا التويني وغيرهم، وكتب عن الإله الدركي والإرهابي والطاغية والنظام والملجأ والانتخابات والسلطة والمقدس وذلك من باب انتقاد الوضع الدولي عامة والممارسات القمعية واللاإنسانية تحت اسم الدين "أيا كان". فإيراد الأوصاف المذكورة بجنب حكمة الله إنما هو تعبير عن انتقاده لمن يمارسون الأفعال الموصوفة تحت اسم الله، وليس تجديفا باسمه، طالما أن هذا المقال جاء ردا على الحرب على العراق وخصوصا أن الكاتب خلص في نهاية مقاله إلى القول أن الله لم يحارب يوما ولم يخضع... ولم يبرر الصليبية ولم يزكِّ الجهاد.

وكان بالطبع من الممكن أن يكتفي القاضي بتفسيره لمضمون المقالات في تبرير قراره، لكنه بدا في حيثياته اللاحقة متحفّزا للإعلان عن مواقف حقوقية من شأنها أن تشكّل سوابق في قضايا مماثلة قد تطرأ لاحقا.

فمن جهة أولى، أصرّ القاضي على التوضيح بأن حريّة الرأي والمعتقد تشمل حكما حرية التعبير عن آراء "علمانية غير دينية تؤمن بالمدنيّة ولا تحبّذ الطوائف داخل المجتمع" وعن رفض ما يمارس من عنف في العالم تحت اسم الدين وأيضا عن مفاهيم خاصة للإيمان والله بل وأيضا للتربية. وهو إذاً، أقر أحقيّة الاعتراف بحرية التعبير، ليس فقط من باب تجاوز بعض القواعد الشرعية كما جاء في حكم مارسيل خليفة، إنما أيضا من باب نقد الدين وأدواره الاجتماعية.

أما الموقف الثاني- وهو مكمل للموقف الأول- فقد تمثل بالاعتراف بالتوجّه العلماني ليس فقط كحرية فردية مشروعة إنما كمجموعة أفكار وعقائد وإيمان تعتنقه مجموعة من الناس تشكل شريحة من المجتمع اللبنانيّ. وهذا الموقف جدّ مهمّ طالما أنه يؤدي إلى وضع العلمنة على المصاف نفسه لأي معتقد ديني آخر بحيث يكون لها ولأصحابها ما للمعتقد الديني ولأصحابه من احترام.

أما الموقف الثالث (وهو أيضا مستجدّ)، فهو يتصل برسم حدود حريّة المعتقد أو حرية التعبير، وتاليا الحدود التي يشكل تجاوزها تحقيراً للشعائر الدينية أو إثارة للنعرات الطائفية، والتي لا بد أن يخضع تحديدها للتسامح والعقلنة وإلا لأدى لأغراض مناقضة تماما لما يرمي إليه. وهذا ما نلقاه بوجه خاص في الحيثية الختامية حيث رأت المحكمة أنه "ليس ما يثير النعرات الطائفية أكثر من تقويض حرية المعتقد وإبداء الرأي وتسليط الضوء على بعض العبارات ذات الدلالات الدينية وإخراجها من سياق ومضمون المفهوم العام لما كتب والقصد منه وما رمى إليه، ووضع تفسيرات ضيقة لها وحرفية يخرجها عن المعنى المقصود منها". وهذا ما قد يحصل مثلا في حال سواد التزمت والتعصب في مقاربة أقوال الآخرين وتفسيرها، بحيث يصبح التوسّع في تعريف الأفعال والأقوال المسيئة أو المثيرة للنعرات وتاليا في اتهام الآخرين بإثارة النعرات الطائفية أوسع باب ليس فقط إلى الحدّ من حريّة الرأي والمعتقد بل أيضا إلى إثارة النعرات ومضاعفة أسباب التنازع والتخاصم والفتنة.

وهذا أيضا ما نقرؤه في حيثية أخرى مفادها "أن مفاهيم التربية السليمة لا تحتكر تحديدها فئة معينة أو رأي محدد وإنما ما يعتقده البعض بأنه سليم تربويا يمكن أن يراه البعض الآخر بأنه سيء والعكس صحيح وذلك ضمن المجتمع الواحد والمنطقة الواحدة".

وعلى أساس ما تقدم، وفضلا عن تبرئة المدعى عليها (التي لم تتجاوز الحدود وبقيت أقوالها ضمن حدود النقد المقبول)، آل الحكم إلى توبيخ المدعية لما جاء في شكواها من عبارات نابية وتبعا لذلك إلى إدانتها (ضمنا) بما وجهته من اتهامات، سواء لجهة إثارة النعرات أو المساس بمشاعر الآخرين أو معتقداتهم. وقد تبدّى الحكم بنتيجة كل ذلك نموذجيا في تكريس المساواة وأصول الاحترام بين المتقاضين أمام القضاء والتعددية والتسامح وخصوصا في فتح أبواب أمام الاعتراف بالعلمنة كخيار جماعيّ، مع ما يستتبع ذلك لاحقا من مفاعيل اجتماعية. كما تبدى بنتيجة ذلك نموذجيا في إظهار ما يمكن للقاضي أن يؤديه من أدوار ريادية في مسائل اجتماعية شائكة. وما يزيد الحكم تمايزا هو أنه صدر غيابيا، أي من دون حضور المدعى عليهما، وتاليا من دون أن يتسنى لهما الدفاع عن أنفسهما: وهو إذ يذكّر هنا أيضا بحكم "مارسيل خليفة" حيث ذهبت القاضية أبعد مما أدلى به المحامون في قضية مارسيل خليفة فأعلنت حقّ خليفة في مخالفة قاعدة شرعية عملا بحرية المعتقد فيما اكتفى المحامون في مرافعاتهم في طلب براءته لعدم علمه بهذه القاعدة، فإنه يتمايز عنه في صدوره في قضية بقيت قيد الكتمان فلم يعرف بها ولا بالحكم الصادر بشأنها إلا قلة من الناس. وإذا جاز بالمقابل انتقاد القاضي لإعلان صلاحيته في قضية مطبوعات تخرج حكما عن اختصاصه (وهذا ما أقرته محكمة الاستئناف في حكمها الصادر في 13-12-2007)، فإن ذلك لا يقلل البتة من أهمية حيثياته بل يشكل دليلا اضافيا على تحفّز القاضي لتثبيت مواقفه المشار إليها أعلاه تمهيدا لإحقاق ما يراه عدلا.