ظهيرة يوم الإثنين 22 تموز 2019، كانت كلتوم، السيدة الأربعينية، بالكاد قد عادت من صيدا إلى مخيم عين الحلوة المحاذي لها، وقد أجرت عملية جراحية لولدها، إبن العشر سنوات. أوصلت كلتوم صغيرها إلى المنزل وسارعت إلى أقرب دكان تشتري حاجياتها لتعد طعام الغذاء لأسرتها. مخيم عين الحلوة الذي ثار غضبا، كما بقية المخيمات الفلسطينية في لبنان، على خلفية حملة وزارة العمل مكافحة اليد العاملة غير النظامية، قرر أهله أن يحاصروا الحصار المفروض عليهم من قبل قوانين الدولة اللبنانية التي ما فتئت تحرمهم من كمّ كبير من حقوقهم المدنية، فيما أنهم لاجئون معترف بهم منذ 71 عاماً في لبنان. وفكرة الحصار الذاتي تقوم على تذكير الحكومة اللبنانية أن اللاجئين الفلسطينيين هم من خلال استهلاكهم للمواد اللبنانية محرك أساسي من اقتصاده، الأمر الذي يشكل سببا إضافيا وحاسما يضاف إلى جملة من الأسباب الحقوقية لمنحهم حق العمل وتمكينهم من المشاركة فيه أسوة باللبنانيين.

يعيش المخيّم إضرابه على أكمل وجه والتزام. ملحمة أو ملحمتان فقط تفتحان أبوابهما في طول المخيم وعرضه، فيما لا تجد خسة أو كيلو بندورة في سوق المخيم الأشهر في الجنوب. ومع ذلك لم تشأ كلتوم أن تتسوق وتستغل وجودها خارج المخيم الذي يمنع شبابه الدخول والخروج منه إلا للحالات الطبية الطارئة وللطلاب الخارجين إلى امتحانات الدورة الثانية في الشهادة المتوسطة أو الجامعات. "متلي متل أبناء المخيم، الإلتزام بمحاصرة أنفسنا هو قرار ذاتي وإيمان بما نفعله وليس بسبب عدم قدرتنا على الخروج من المخيم"، تقول كلتوم التي أفهمت أبنائها أنه لا يحق لهم تناول الفاكهة والخضار واللحوم إلا عندما يكون ذلك متاحاً لجميع أبناء المخيم.

شكلت الحملة التي أطلقها وزير العمل كميل أبو سليمان لمكافحة العمالة غير النظامية حماية لليد العاملة اللبنانية القشة التي قصمت ظهر البعير بالنسبة للفلسطينيين الذين لم تتم مراعاة خصوصيتهم ووضعيتهم كلاجئين منذ عشرات السنين. "منعونا من التملك في لبنان، بينما يتيح القانون ذلك لكل الجنسيات من عربية وأجنبية وسكتنا ونناضل لنحافظ على أملاكنا التي حرمونا من توارثها حتى، زنّروا مخيم عين الحلوة بجدار إسمنتي يصل إلى عشرة أمتار في بعض الأمكان مع أبراج مراقبة، وبتنا نعيش في سجن كبير يقطنه نحو مائة ألف لاجئ (بعضهم من فلسطيني سوريا بعد الأحداث) على مساحة كليومتر مربع هي مساحة المخيم، وتحملنا. يحرموننا من ممارسة عدد كبير من الأشغال والمهن وقبلنا بما هو متاح ومسموح. ولكن القرار الأخير عن العمل لحق بنا إلى لقمة العيش، إلى أفواه أطفالنا، فماذا نفعل؟". بهذه العبارة، يصف الناشط محمود عطايا ما يشعر به أبناء عين الحلوة.

تأثير القرار لم يقتصر على ما قاله وزير العمل من أن الحملة لم تطل سوى صاحبيّ مؤسستين من الفلسطينيين. هنا في المخيم يحكون عن عمال كثر تم طردهم من أشغالهم خوفا من غرامات وزارة العمل في مكافحة العمالة غير النظامية. أصحاب العمل أنفسهم الذين يستغلون مظلومية الفلسطيني، يشغلونه براتب أقل بكثير من مثيله اللبناني، ويخالفون القوانين ليحرموه حتى من الحقوق الدنيا التي يتمتع فيها، ليبقى لقمة سائغة يستغنون عنه ساعة يشاؤون.

شعور أجّج غضب سنين من الإحساس بالتمييز والظلم، فخرج الناس إلى الطرقات بالآلاف، وفرض وضعاً مستجدا لم يشهده المخيم منذ نحو عشر سنوات أو أكثر. يومها في 2008 حين أدت الحوادث الأمنية الداخلية في المخيم إلى فرز الأحياء إلى بؤر محسوبة على هذا التنظيم وذاك، صارت بعض المناطق محرومة على أبناء فتح والتنظيمات الحليفة، كما مُنعت مناطق أخرى على عناصر أو مؤيدين لتنظيمات إسلامية. هذه التقسيمات أسقط الحراك معظمها، من ضمن ما أسقطه، في أيامه التسعة التي مرت لغاية الآن. حصل ذلك مع مبادرة بعض الشبان إلى عقد مصالحات بين شبان التنظيمات السائرين جنبا إلى جنب في تظاهرات الحق بالكرامة الإنسانية ورفضاً لتجويع الفلسطينين "وخدمة صفقة القرن"، كما تقول شعارات لافتات رفعوها في المسيرات، والوسمات التي وضعها الناشطون على منشوراتهم على وسائل التواصل الإجتماعي. مصالحة حصلت على مستوى الناشطين في الشارع وليس على مستوى قيادات الفصائل على اختلافها.

 

إقفال تام إلا للضرورات 

تكفي جولة لمن يعرف مخيم عين الحلوة قبل الحراك لملاحظة مدى التزام أهله بالإضراب والحصار الذي قرره الناشطون: "نحن محاصرون حالنا، ما بدنا نطلع من المخيم ولا بدنا شي يفوت ع المخيم". كانت طرقات وأزقة عين الحلوة قبل الحراك تعج بالناس وكأنهم في مسيرات مستمرة: زحمة مارة وعابرين، محلات على ضفتي الطرقات تزدحم بالزبائن، وسوق شعبي طالما قصده معظم أهل الجنوب، وليس صيدا وحدها، نظرا لتنوعه ورخص أسعاره نسبة إلى المحيط.

اليوم، تخلو طرقات عين الحلوة إلا من بضعة شبان اتخذوا من الفيء على نواصيها مكاناً للنقاش والمسايرة بانتظار التظاهرات التي تبدأ عند الخامسة من عصر كل يوم ولا تنتهي إلاّ مع ساعات الفجر الأولى. الدكاكين جميعها مقفلة، ما عدا الصيدليات والمواد الغذائية والمستوصفات. ليس الوقت لشراء الملابس أو الأدوات المنزلية وغيرها من الكماليات حالياً، وفق ما يقول صاحب متجر للبيع بالجملة في المخيم. ولكن كيف سيصمد مخيم كعين الحلوة يقطنه نحو مائة ألف إنسان؟ من دون استيراد من الخارج؟ سبق لأهل عين الحلوة "أن أكلوا الخبز اليابس خلال الحصار الإسرائيلي في اجتياح العام 1982 وانتصروا"، يقولون، ليؤكدوا "لن ننهزم اليوم". يؤكدون أن منازلهم ممتلئة بالمؤن: "نحن بعدنا ع القديم، ما منشتري حاجياتنا يوم بيوم"، تقول سيدات البيوت، فيما يلاقيهن أصحاب الدكاكين "مخازننا مليئة بالحبوب والأرز والمعلبات، يمكننا الصمود لأشهر".

هذا الصمود يحرص عليه كثر من خارج مخيم عين الحلوة. أمس حضرت أكثر من آلية بيك آب من مخيم الرشيدية في صور، حيث يعمل فلسطينيون في الزراعة، محملة بأطنان من الخضار. تقبل أهالي عين الحلوة "الهدية التضامنية". واجتمع ناشطو الحراك وأرسلوا رسالة إلى كل مخيمات لبنان "أمنوا صمود مخيماتكم الذاتي، نحن لا نناضل عنكم، كلنا أصحاب القضية وفي معركة الكرامة الإنسانية نفسها". هذه الرسالة أرسلوها إلى مخيمات الرشيدية في صور، وشاتيلا الذي جمع أهله خمسة آلاف ليرة من كل قادر ليدعموا صمود عين الحلوة، كما غيرهما من المخيمات.

 

صيدا تتضامن

أهالي صيدا، جيران عين الحلوة وأهم محرك اقتصادي في المدينة، عبروا عن تضامنهم مع جيرانهم بأكثر من طريقة. أول من أمس وصل نحو 300 صيداوي في تظاهرة تضامنية إلى قلب عين الحلوة، شدوا على أيدي أهله، مستنكرين كل التمييز السلبي تجاههم، وعادوا أدراجهم.

بالأمس، في 22 تموز 2019، وصلت حافلة صغيرة محملة بألف سندويتش من أحد المطاعم اللبنانية في صيدا، وهي بمثابة لفتة تضامن مع الشبان الذين لا يتركون الشارع ليذهبوا إلى منازلهم "اعتبرونا متل العائلات الفلسطينية يلي عم تطبخ لكم"، قال مدير المطعم، الذي حضر مع عماله، لشبان المخيم وهم يحاولون رد الهدية بلطف. "لا ينقصنا شيء، ونحن لسنا بحاجة إلى طعام من الخارج، ولدينا كل ما نحتاجه في المخيم". قالوا له قبل أن يقبلوا هديته خجلاً من رده، وتقديراً لتضامنه.  خطوة هذا المطعم ليست الأولى أو الوحيدة من مؤسسة لبنانية في صيدا "سبق لمطاعم أخرى أن دعمت الحراك"، وفق ما يؤكد الناشطون.

في مقابل اللبنانيين، يتجنّد عشرات العائلات والفلسطينيين كأصحاب مؤسسات لدعم الناشطين. مع ساعات الصباح الأولى، تخرج نسوة الأحياء القريبة من مداخل المخيم الرئيسية في الطوارئ- الحكومي، والتعمير ودرب السيم والحسبة، يحملن ركاوي القهوة للصاحين من بين النائمين على مداخل المخيمات، أو الساهرين يحرسون المكان. بعض هؤلاء تصلن عند الخامسة أو السادسة صباحاً "بقوم بصلي الفجر وبجي بطل ع الشباب" تقول أم وديع جارة مدخل الحسبة، الذي اكتسب اسمه من قربه من سوق الحسبة للخضار بالجملة.

ما أن تحل السابعة صباحاً حتى تبدأ الخطوات التضامنية من هنا وهناك على المداخل جميعها. هنا في مدخل الحسبة، وصلت حافلة محملة بصدور الكنافة التي تكفي الحي بأكلمه وليس الشبان المرابطين عند المدخل فقط. والشبان هؤلاء يشعلون الإطارات ليمنعوا حركة الدخول والخروج إلى ومن المخيم. على حوافي الطرقات المؤدية إلى المداخل من ناحية المخيمات، تتوزع فرشات إسفنجية: هنا ينام شبان وفتيان من المخيم لساعات قبل أن يتناوبوا مع آخرين بعدما يخفّ زخم التظاهرات التي تستمر لما بعد منتصف الليل. مع صدور الكنافة أرسل صاحب محل الحلويات قارورة غاز مع غاز نقال لتبقى الكنافة ساخنة.

بعد كنافة الصباح، أرسل فلسطيني، يملك مطعم فول، دستين من الفول والحمص وحوائجهما إلى الشباب الذين بدأوا بتوزيع بعض صدور الكنافة والفول والحمص على العائلات القريبة من المدخل، طالبين من الجميع عدم تزويدهم بالطعام: "نشكركم ولكن لدينا مؤنة تكفينا في المخيم ولدينا كل ما نحتاجه"، يقولون مشددين على عدم حاجتهم إلى أي شيء. 

عند الظهيرة، وصلت فتاة من آل الخطيب تفرغ مع عمتها سيارة كبيرة من صوان عدة ومتنوعة. وصلت الصبية منذ أيام من أوروبا حيث تعيش، في زيارة صيفية إلى عين الحلوة. اليوم قررت أن تشارك الناشطون حراكهم على طريقتها "بدي أتضامن ومش عارفة كيف غير المشاركة في التظاهرات، هودي عم يخوضوا معركة كرامة الشعب الفلسطيني كله"، تقول.

صابرين، اللاجئة الفلسطينية من سوريا، تضامنت أيضاُ على طريقتها. أبلغت الصبية العشرينية مكان عملها في صيدا توقفها عن العمل منذ تسعة أيام. "نحن مأضربين بالمخيم ومحاصرين حالنا ولن نخرج إلى أعمالنا" قالت لهم، غير عابئة بإمكانية طردها من وظيفتها: "أنا مش أحلى من صاحب العيلة ل مش لاقي يشتغل أو طردوه بسبب منع العمل علينا"، تقول.

لم تعد القصة قصة حق بالعمل، صارت قضية شعب يطالب بحقوقه المدنية وبكرامته الإنسانية بكل سلمية، وسط حرص كبير على عدم الإصطدام بالجيش اللبناني الذي يوزعون الورود على عناصره ويتفادون القيام بأي عمل قد يفسر على أنه ينتقص من احترامهم.

لأم مطاوع كنعان، التي تسكن في أحد الزواريب المحيطة بالسوق الشعبي للمخيم، هاجس آخر. تريد السيدة السبعينية التي يناديها ناشطو وناشطات الحراك ب"الخالة أم مناع" أن توصل رسالة إلى جيران المخيم في صيدا: "نحن عارفين إنه نصف خضار الحسبة تتلف بسبب مقاطعتنا للسوق، وأن ذبائح مسلخ صيدا قد تدنى عددها إلى النصف، ونعرف أن الحركة الإقتصادية في صيدا تراجعت كثيراً". لكن حراكنا ليس ضد الشعب اللبناني، بل ضد الحكومة اللبنانية التي لا تريد إنصافنا"، تؤكد بصوت جهوري يستجلب تصفيقا حاداً من حولها. وبعدما تشكر الشعب اللبناني على تضامنه مع المخيمات من مختلف المناطق، تعود إلى العلاقات العائلية بين اللبنانيين والفلسطينيين: "جوزناكم بناتنا وأخدنا من بناتكم"، مؤكدة أن العائلات في المخيم "ستتقاسم المؤن بين بعضها البعض ولكنها لن تحتاج أي شيء".

 

ماذا سيحمل الغد؟

يقول محمد حسون، أحد شبان الحراك، أن الناشطين اتخذوا قرارا بالتوقف عن استقبال أي أغذية كتضامن من خارج المخيم، مؤكداً أن لا تراجع عن الأنشطة الرافضة للتمييز السلبي ضد الفلسطينيين في سلة حقوقية متكاملة. ويرد حسون هذا التوحد وراء مطالب الشعب الفلسطيني للعنوان الجامع الذي يوجع جميع الأهالي سواء انتموا إلى الفصائل أم لم ينتموا، ليؤكد أن المصالحات بين شبان الفصائل حصلت بمبادرات محض شعبية.

على الخط نفسه، يرى ظافر الخطيب، رئيس الهيئة الإدارية لجمعية ناشط الثقافية الاجتماعية، أن الحراك الحالي سمح للفلسطينيين امتحان قدرتهم الكبيرة على تحمل تحدياته وإستيلاد توحد ملحوظ لم يحصل منذ سنوات، هناك قوة إجتماعية مظلومة تبحث عن العدالة وليس أمامها سوى مواجهة السلطة سلميا للحصول على حقوق الفلسطينين كلاجئين يتمسكون بحق العودة إلى بلادهم. ويضيف: هذه موجة إعتراضية مهمة وضعت النضال في سبيل الحقوق المدنية والإجتماعية والإقتصادية على الطريق الصحيح. ويرى أن التحدي الأساسي اليوم هو في وضع خطة لتطوير الحراك وأدواته بين مكونات الحراك المختلفة من الشباب والأهالي على الأرض والفصائل السياسية أيضاً، وهذا ما بدأ الناشطون البحث فيه".

تحل الخامسة عصراً، موعد التظاهر اليومي، لتمتلئ طرقات المخيم بأهله. أمس عدلت النسوة في سياسة نثر الأرز على المتظاهرين لتوفيره للإستمرار بالحصار الذي اختاروه لأنفسهم. مع ارتفاع درجات الحرارة تهيئ هؤلاء ومعهن الرجال من كبار السن، أوعية مليئة بالمياه يحملونها إلى أسطح المنازل حيث يتم رش المتظاهرين بها تخفيفا للحر في عز الصيف وشمسه الحارقة. منذ الصباح، تبدأ فرق الإسعاف العائدة للجمعيات كافة التجول في المخيم وعند مداخله لتقديم الإسعافات للمحتاجين، قسّم هؤلاء أنفسهم على مناوبات تغطي المخيم 24/24 ساعة. فرق أخرى مختصة تتناوب على توزيع قوارير المياه أيضاً.

ووسط كل هذه الوحدة الشعبية في الحراك الذي فرض نفسه من القاعدة نحو القيادات في الفصائل، تبرز اختلافات وتباين في وجهات النظر بين بعض الناشطين حول أمور تفرضها التفاصيل الميدانية اليومية. خلافات سواء صغرت أو كبرت تقول أن حراكا بهذا الحجم يحتّم إدارة متوائمة ومنظّمة قادرة على التنسيق حول الأمور كافة، ومن صغيرها إلى كبيرها، تجنباً لفرط الحراك الذي سيسر طبعا ليس المسؤولين اللبنانيين على الصعيد الرسمي فقط، وإنما بعض الفصائل التي حاولت وتحاول استعادة شارع، بحجم المخيمات الفلسطينية، لم يلتفت إليها ناسه بعد تسعة أيام من بدء الحراك ولغاية مساء أمس 22 توز 2019.

أما غداً وما قد يأتي به،  فناظره قريب، لكنه، ومهما كان لن يلغي أهمية وضرورة حراك بهذا الحجم والسلمية والأحقية. الأهم أنه يعيد إلى أذهاننا جميعا مسلمة غالبا ما تعمدنا إقصاءها، مفادها أن رفض التوطين للاجئين الفلسطينيين لا يبرر بحال من الأحوال حرمانهم من حقوقهم المدنية. يتبع...