أمس في 19 تموز 2019، منع البكاء فتاة فلسطينية من متابعة قصيدتها حول حق أهلها وشعبها بالكرامة الإنسانية، ب "أن لا نجوع". وكانت هذه الفتاة تلقي قصيدتها في إحدى مسيرات الاحتجاج ضد التعرض لحق اللاجئين الفلسطينيين بالعمل والذي حصل في معرض حملة وزارة العمل "خطة مكافحة العمالة غير النظامية، حماية لليد العاملة اللبنانية". يذكر أن المقصود باللاجئين الفلسطينيين هم في غالبهم اللاجئون المتحدرون من اللاجئين الذي وفدوا إلى لبنان منذ 1948 واستقروا فيه تبعا للاحتلال الإسرائيلي لمدنهم وقراهم.

في تظاهرة أخرى في إطار تظاهرات جمعة الغضب التي خرجت أمس في كل مخميات لبنان، سبقت الدموع أحد فلسطينيي مخيم الجليل في بعلبك وهو يروي كيف استحصل على تأشيرة سفر لزوجته وأولاده الثلاثة إلى مصر. لم يعلم حين ودعهم في المطار أنها ستكون المرة الأخيرة التي يراهم فيها. سافرت زوجته مع الأولاد، كون مصر تتساهل في تأشيرات السفر للنساء والأطفال وتمنعها على الرجال الفلسطينيين. ومن الإسكندرية، استقلّت العائلة إحدى العبارات المتجهة إلى أوروبا. غرقت العبارة ولم يعثرعلى زوجته وأولاده. "لو كنا منقدر نشتغل ليش بدي إبعت عيلتي ع الموت"، قال للجمع الغاضب من حوله.

هذه الحال عبرت عنها الهاشتاغات-الوسمات التي اعتمدها الناشطون الفلسطينيون في منشوراتهم وكتاباتهم عن الحراكات الإحتجاجية التي قادوها في المخيمات الفلسطينية رفضاً لقرار وزير العمل اللبناني بشملهم في حملة حماية اليد العاملة اللبنانية: "#تجويعي_يخدم_صفقة_القرن"، #ثورة_الكرامة، #يسقط_القرار، و#إغضب_لكرامتك #إغضب_من_أجل_لقمة_عيشك، كلها وسمات ذيلت صفحات المخيمات الفلسطينية على وسائل التواصل الإجتماعي، وعلى رأسها صفحة عاصمة الشتات الخاصة في مخيم عين الحلوة.

ناس المخيمات خرجوا بالآلاف كما لم يخرجوا منذ عشر سنوات، كما يؤكد بديع الهابط (حركة فتح) ل "المفكرة". وكل ذلك لأن قرار وزير العمل كميل أبو سليمان والذيول الناتجة عنه ليست تفصيلاً في مجتمع يعيش أكثر من 66% من أهله تحت خط الفقر، وفق ما يؤكده عضو الإئتلاف الفلسطيني- اللبناني لحملة حق العمل سامر مناع ل "المفكرة".

يتوافق الهابط ومناع على حقيقة هجرة نحو 18 ألف عائلة فلسطينيية (الغالبية من فلسطينيي لبنان وبعضهم من فلسطينيي سوريا) خلال العام الماضي عبر البحر من لبنان. هرب هؤلاء من الأوضاع السيئة التي يرزح تحتها الشعب الفلسطيني نتيجة حرمانه من حقوقه الإنسانية، وعلى رأسها الحق بالعمل. راح ضحية هذا "الهروب" الجماعي نحو أوروبا 15 ضحية فلسطينية غرقوا في البحر في إثر انقلاب العبارات أو المراكب المطاطية التي كانت تقلهم. ليتساءل أهل المخميات، وفق الشعارات التي رفعوها في التظاهرات عما هو أقسى من أن تدفع الظروف بهم إلى رمي عائلاتهم في البحر.

وبرغم تمنيات الرئيس الفلسطيني محمود عباس الذي دعا فلسطينيي لبنان إلى التهدئة، وإيفاده ممثله عزام الأحمد إلى بيروت إضافة إلى السفير الفلسطيني أشرف دبور للتفاوض مع الجهات الرسمية اللبنانية وإيجاد حل، يبدو أن الشارع الفلسطيني يخوض معركة لقمة العيش بمعزل عن الفصائل الفلسطينية الموجودة في المخيمات على الأرض، والتي وجدت نفسها تلحق بالشارع أيضاً في دفاعه عن لقمة العيش. وقد خرج الفلسطينيون بالآلاف في المخيمات رافعين شعارات تؤكد حقهم بالعمل وفق القانون وخصوصيتهم كلاجئين معترف بهم في لبنان منذ 71 عاماً. وشدد المتظاهرون على حراكهم السلمي مؤكدين أنهم تحت سقف القانون، وقاموا بتوزيع الورود على حواجز الجيش اللبناني على مداخل المخميات.

ويبدو أن لا حل قريب يحمل الهدوء إلى المخميات الفلسطينية نظراً للصعوبات التي تواجه انعقاد جلسة لمجلس الوزراء سيتم خلالها بحث الموضوع وفق ما أعلن رئيس الحكومة سعد الحريري خلال جلسة مجلس النواب في 18/7/2019 الخاصة بمناقشة الموازنة. وكان وزير العمل كميل ابو سليمان قد أكد : "أن القرار لا يستهدف الفلسطينيين بل هناك تطبيق لخطة وزارة العمل لمكافحة اليد العاملة غير الشرعية التي لم تذكرهم تحديداً بل تطلب من العمال غير اللبنانيين الحصول على إجازات عمل وفق ما ينص عليه القانون اللبناني". وأضاف خلال تصريح من ساحة النجمة: "نحن نتفهم معاناة الأخوة الفلسطينيين والقانون اللبناني يعطيهم تسهيلات منها إعفاءهم من رسوم إجازات العمل، وعدم حاجتهم لموافقة مبدئية. وقد أعطيت تعليماتي لتسهيل إعطاء اجازات العمل للفلسطينيين بأسرع وقت وتبسيط المعاملات وهذا أصبح معمولا به". وبعد معلومات سرت عن إمكانية إلغاء عقد العمل كشرط للحصول على إجازة عمل للفلسطيني، عاد أبو سليمان وأكد في مقابلته مع الزميل مرسيل غانم على قناة MTV عدم إلغاء عقد العمل.

ويرى عضو إئتلاف حملة حق العمل سامر مناع أن موظفين وعمالاً فلسطينيين كثراً تضرروا من الحملة ولم يقتصر الحال على إقفال مصلحتين لفلسطينيين فقط، بل عمد أصحاب عمل كثر إلى إستباق الحملة بطرد العديد من الفلسطينيين خوفا من تغريمهم "وذلك وفق الإتصالات التي وردت إلى أعضاء الإئتلاف". من بين هؤلاء مدير أحد المطاعم اللبنانية منذ ثلاث سنوات، وهو شاب فلسطيني مجاز بإدارة الأعمال، ويتقاضى شهريا 800$ فقط، وهو أقل بكثير من راتب أجير لبناني في مركز مماثل. ومع ذلك قام صاحب المطعم بطرده من دون منحه أي تعويض أو حقوق كونه يوظفه بطريقة غير نظامية.

وعمّت الإضرابات والتظاهرات المخيمات الفلسطينية كافة، ولوحظ التزام كبير سواء بالإقفال أو بالخروج في المسيرات، حيث نُشرت صور على وسائل التواصل اإجتماعي تبين طرقات مخيم البص في صور فارغة فيما أقفلت كل محلاته. وازدحمت شوارع مخيم عين الحلوة بآلاف المتظاهرين، مثلها مثل شوارع مخيمات الجنوب وبيروت والشمال.

ونشرت صفحة عاصمة الشتات على فايس بوك صورا لمسعفين من فرق الإسعاف التابعة لجمعيات إغاثية تقوم بإسعاف عشرات الحالات بين اختناق وتضميد حروق وتوزيع 5 آلاف كمامة واقية من الدخان كما عمل عناصرها على تنظيف مخلفات الإطارات المحترقة في الطرقات.

ووصفت الزميلة هديل الزعبي على صفحتها على الفايس بوك، ما يحدث ب "الحراك الحقيقي"، مشيرة إلى أن السكان يقفلون مداخل المخيمات ويمنعون الخروج أو الدخول إليها، في خطوة لمحاصرة المخيم تأكيدا لقدرتهم على الإستهلاك الذاتي ومن "الموجود". ووصفت الزعبي "مشهد الخيم المنصوبة على مداخل عين الحلوة حيث يوزع الفلسطينيون الأمل والمياه وسط الحضور الدائم للقوى الأمنية والدفاع المدني ليلا نهارا".
وسجلت الزعبي تعرض حراك أهل المخيمات لضغوطات لإفشاله من سياسيين وقياديين فلسطينيين، من دون أن يثنيهم ذلك عن الاستمرار فيه. كما أشارت إلى أن العديد يشاركون عن أسطح منازلهم برش المياه على المتظاهرين لتخفيف الحرارة أو يتثرون عليهم الأرز ويوزعون أمام منازلهم المياه والعصائر.
وسجلت أنه يلاحظ وللمرة الأولى عدم تشدد في فصل النساء عن الرجال في التظاهرات، لأنه ببساطة الشارع ممتلئ بالناس". وأكد الناشط محمود عطايا ل المفكرة سقوط الحواجز بين المربعات الأمنية في عين الحلوة، حيث كانت بعض الأحياء ممنوعة على بعض الشبان قبل حراك العمل على خلفية انتماءاتهم السياسية.

ولم يترك الفلسطينيون وسيلة للتعبير عن رفضهم قرار وزير العمل إلا ولجؤوا إليها. فانتشرت أغنية راب تحمل عنوان "إجازة عمل" بين الفلسطينيين وفي التظاهرات، فيما عمدت مجموعات من الناشطين في لبنان ودول أوروربية عدة إلى طبع كلمة فلسطين على أوراق العملة في إشارة إلى حجم تأثير الفلسطينيين في الإقتصاد اللبناني الذي يشكلون جزءا من بيئته الإجتماعية والإقتصادية ولا يحلون عابرين فيه. ومنعت المصارف اللبنانية التعامل بالعملة اللبنانية المدموغة بالطابع الفلسطيني.

وفيما اقتصرت الإحتجاجات الفلسطينية والتظاهرات على المخميات بشكل رئيسي، باستثناء بعض الشبان الذين خرجوا بداية في تحركات صغيرة عفوية خارجاً، تحولت التظاهرة التي دعا إليها الإئتلاف اللبنانية الفلسطينية لحملة حق العمل والمؤسسات العاملة في الوسط الفلسطيني من تظاهرة تنطلق من الكولا إلى المجلس النيابي في 15/7/2019 إلى وقفة احتجاجية بالكاد استمرت إلى ساعة من الزمن. وألغيت المسيرة بعد تمنيات من الجهات الأمنية والرسمية اللبناينة على المنظمين خوفاً من "طابور خامس"، وفق ما قيل.

وأكدت مديرة جمعية النجدة في لبنان ليلى العلي لمندوبة المفكرة فاطمة بسام أنه وإضافة إلى التخوف من طابور خامس، "تم منع مخيمات الشمال من المشاركة في المسيرة بشكل جماعي، وكذلك مخيمات صور الرشيدية، وبرج البراجنة، فالمغادرة كانت فردية من تلك المخيمات، كما أغلقت بوابة مخيم عين الحلوة من قبل الجيش من أجل منع أهله من المشاركة."

وشدد عضو الإئتلاف سامر مناع خلال الوقفة على ضرورة "إلغاء إجراءات وزير العمل ضد العمال وأرباب العمل الفلسطينيين ووقف أية إجراءات إلى حين إصدار المراسيم التطبيقية لتنظيم عمل الفلسطينيين في كافة المهن، وبما يحفظ خصوصية وضعهم وكرامتهم، إعادة النظر في الإجراءات والقوانين التمييزية ضد اللاجئين الفلسطينيين، ل سيما الحق في العمل من قبل الحكومة والبرلمان اللبناني، وإعادة النظر بالمادة التاسعة من قانون الضمان الإجتماعي وضمان الإستفادة من جميع الخدمات التي يدفع الفلسطيني إشتراكها."

وأكدت العلي أنه "لا تراجع عن مطالبنا"، مستغربة كيف يتم الضرب بعرض الحائط بتعديلات القانون في مجلس النواب والتي منحت الفلسطيني حق العمل وحصوله على إجازة عمل مجانية والإستفادة من تقديمات الضمان الإجتماعي من دون الرجوع إلى الحكومة" معتبرة أن ذلك خرق لكل التعهدات".

كما يلحظ أن الشارع الفلسطيني الشعبي توحّد على خلفية حق العمل بمصالحة بين شباب فتح في حي البركسات و شباب القوى الآسلامية في حي الصفصاف ليل أمس في الشارع، وفق ما أوردته صفحة عاصمة الشتات أمس في 19/6/2019.