في 24-06-2019، ألقت قوات الشرطة والأمن الوطني القبض على بعض النشطاء السياسيين مثل البرلماني السابق وعضو حزب مصر الديمقراطي زياد العليمي، الصحفي وعضو التيار الشعبي هشام مؤنس، الصحفي وعضو حركة الاشتراكيين الثوريين والناشط بالحقوق النقابية هشام فؤاد، وصاحب الأعمال والاقتصادي عمر الشنيطي، هذا بالإضافة إلى أسامة عبد العال مدير مكتب عضو مجلس النواب الحالي أحمد طنطاوي المعروف برفضه للتعديلات الدستورية الأخيرة، وأيضًا مصطفى عبد المعز أحد الشركاء في مجموعة شركات المعز القابضة والتي تم التحفظ على أموالها  بقرار من لجنة حصر أموال الأخوان العام الماضي. واتضح بعد القبض عليهم، أن بعض المعتقلين كانوا ينوون تشكيل تحالف سياسي لخوض الانتخابات البرلمانية القادمة، تحت مسمى "تحالف الأمل". وتضم القضية بعض الأشخاص خارج البلاد مثل أيمن نور. وتعددت الاتهامات واختلفت من شخص لآخر ولكنها تمحورت حول "الانضمام إلى جماعة إرهابية أو تمويل جماعة إرهابية، أو مساعدة جماعة إرهابية على تحقيق أهدافه أو نشر أخبار كاذبة".

وفي 02-07-2019، قرر النائب العام التحفظ على أموال المقبوض عليهم[1]، وتم الطعن على هذا القرار أمام جنايات جنوب القاهرة التي نظرت الطعن يوم 04-07-2019. وبعد تعذر إحضار المتهمين، طالب المحامون تأجيل الجلسة لحضور المتهمين أو تمكينهم من تحرير توكيلات للمحامين وإطلاع الدفاع على مذكرة النيابة العامة المرفقة بأمر المنع من التصرف في الأموال. وقد استجابت المحكمة لتؤجل الجلسة حتى يوم 01-08-2019، على أن يستمر العمل بأمر المنع من التصرف لحين النظر فيه[2].

وتعكس حملة الاعتقالات هذه استمرار حالة القمع السياسي ضد أحزاب المعارضة والحركات المدنية التي تحاول الانخراط في العمل السياسي بطرق سلمية، وتدلل على هدف النظام الحالي في القضاء على كافة محاولات الاندماج في العملية السياسية وذلك تحت ذريعة "محاربة الإرهاب".

 

انتهاك مستمر لقانون الإجراءات الجنائية

تمثل إجراءات القبض على المتهمين وتلفيق التُهم لهم قبل البدء في التحقيق بمعرفة الجهات المختصة إحدى أهم السياسات المستخدمة حاليًا من السلطة التنفيذية في التعامل مع القضايا السياسية والمعتقلين السياسيين. فقد تمّ القبض على المعتقلين في ساعات متأخرة من الليل، سواء بمداهمة المنازل بمصاحبة قوات من أفراد الأمن الملثمين وتكسير محتوياتها أو عن الطريق التتبع والخطف من أحد الشوارع والاصطحاب إلى أماكن غير معلومة دون إظهار إذن من النيابة العامة. والجدير بالذكر أن قانون مكافحة الإرهاب رقم 94 لسنة 2015 يعطي لمأموري الضبط القضائي (وهنا ضباط الشرطة أو أفراد الأمن الوطني) القبض على من يشك في ارتكابهم جريمة من جرائم الإرهاب والتحفظ عليهم لمدة أربع وعشرين ساعة، وذلك دون إذن من النيابة العامة[3]. وعلى الفور، أصدرت وزارة الداخلية بيانًا رسميًا، قبل البدء في التحقيقات، بأن جهاز الأمن الوطني قد تمكن من إجهاض مخطط إرهابي أعدته القيادات الهاربة من جماعة الاخوان المسلمين يستهدف مؤسسات الدولة بالتنسيق مع القوى السياسية المدنية تحت مُسمى "خطة الأمل" والتي تقوم على توحيد صفوفها وتوفير الدعم المالي من خلال أرباح بعض الكيانات الاقتصادية التي تديرها قيادات الجماعة والعناصر الإثارية لاستهداف وإسقاط مؤسسات الدولة. واستكمل البيان أن قطاع الأمن الوطني كشف أبعاد المخطط الذي يتركز على إنشاء مسارات للتدفق المالي القادم من الخارج بطرق غير شرعية لتمويل الحركات المناهضة بالبلاد للقيام بأعمال عنف وشغب ضد مؤسسات عن طريق تكثيف الدعوات الإعلامية التحريضية خاصة من العناصر الإثارية عبر وسائل التواصل الاجتماعي والقنوات الفضائية التي تبث من الخارج.

وبناءً على ذلك بدأت وسائل الإعلام والصحف الرسمية تداول معلومات بشأن المخطط الإرهابي الذي يستهدف أمن البلاد بالتزامن مع ذكرى ثورة 30 يونية وذلك دون التيقن من صحة هذه المعلومات أو انتظار ما تسفر عنه التحقيقات مع المقبوض عليهم. فقد نشرت جريدة الأهالي مقطع فيديو يتضمن صوراً لمبالغ مالية غير معروف مصدرها وأجهزة إلكترونية حاسوبية داخل مقرات بعض الشركات التي يفترض أنها تقوم بتمويل المخطط[4]. هذا بالإضافة إلى كاريكاتير اليوم السابع الذي جسد "تحالف الأمل" بالعشق الحرام بين الإخوان وقوى اليسار مقابل القليل من الدولارات لهدم مؤسسات الدولة.[5] ويستخدم النظام الحالي تلك الاستراتيجية لتشكيل وتحريك الرأي العام ضد قوى المعارضة ووصمهم بأنهم متعاونون مع جماعة الإخوان أو يهدفون لهدم مؤسسات الدولة وذلك لمنع أي تعاطف معهم ولمنع أي تجاوب مع آرائهم من الشعب. 

 

استمرار تجريم العمل العام

أثار خبر القبض على بعض رموز القوى المدنية مخاوف منظمات المجتمع المدني المحلية والدولية تجاه استمرار السياسات التعسفية والقمعية التي تستخدمها السلطة في مصر تجاه تيارات المعارضة منذُ ستّ سنوات تحت ستار محاربة الإرهاب. فقد أصدرت بعض منظمات المجتمع المدني بيانات تدين هذه الحملة. على سبيل المثال، أصدرت منظمة العفو الدولية بيانًا اعتبرت فيه أن هذه الحملة "جزء من اضطهاد السلطات المصرية الممنهج والقمع الوحشي لأي شخص يجرؤ على انتقادها"؛ كما اعتبرت أن مصر أصبحت سجنا كبيرا لا يسمح فيه بأي صوت معارض ولا صحافة مستقلة.[6]

كما أصدر حزب الدستور بيانًا على صفحته الرسمية على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك" يؤكد على أن المعتقلين كانوا يأملون الانخراط في العملية السياسية بطريقة ديمقراطية سلمية كما نص الدستور[7]. إلا أن السلطة قامت بحملة شرسة للتشهير والتشويه وإلصاق التُهم الباطلة والعارية تمامًا من الحقيقة بالمقبوض عليهم. حيث أكد البيان الصادر بأن المجموعة المقبوض عليها لا علاقة لهم من قريب أو بعيد بجماعة الإخوان المسلمين حيث أن كل ما يتم الترويج له في هذا السياق مجافٍ للحقيقة ومحاولة للربط بين نقيضين بشكل تعسفي لتحقيق أغراض لا يعلم الحزب طبيعتها أو الهدف من ورائها.

والجدير بالذكر أنه في شهر يونية تم القبض على الباحث في المفوضية المصرية للحقوق والحريات إبراهيم عز الدين، والمحامي عمرو نوهان[8]. كما تم القبض في شهر مايو 2019 على المحامي العمالي هيثم محمدين، والناشط السياسي مصطفى ماهر[9]. وهو الأمر الذي يدلل بشكل واضح على استهداف النشطاء السياسيين أو الحقوقيين؛ لتصبح ممارسة العمل السياسي في مصر بأي صورة من الصور جريمة يُلفق لصاحبها جرائم إرهاب تزج به في السجن سنوات طويلة.

 

 


[2] راجع "تأجيل التحفظ على على أموال خلية الأمل ومنعهم من السفر ل1 أغسطس للاطلاع"، اليوم السابع، 04-07-2019.

[3] راجع المادة 40 من قانون مكافحة الإرهاب رقم 94 لسنة 2015 "لمأمور الضبط القضائي، لدى قيام خطر من أخطار جريمة الإرهاب ولضرورة تقتضيها مواجهة هذا الخطر، الحق في جمع الاستدلالات عنها والبحث عن مرتكبيها والتحفظ عليهم لمدة لا تجاوز أربع وعشرين ساعة."

[5] جريدة اليوم السابع، "بعد سقوط تنظيم أمل.. العشق الحرام بين اليسار والإخوان المسلمين" كاريكاتير 25-06-2019.

[7] راجع المواد 5 و74  من الدستور المصري.

[8] بيان منظمة العفو الدولية المذكور سابقا.