يوم 03-07-2019، رشح مجلس القضاء العدلي القاضية رفيعة نوار لشغل خطة الرئيسة الأولى لمحكمة الاستئناف بتونس وهي من الخطط القضائية السامية. ويعدّ هذا الترشيح سابقة هامة في القضاء العدلي التونسي اعتبارا لكونه سيؤول مع إتمام إجراءات التسمية لأن تكون نوار أول قاضية تونسية تشغل إحدى تلك الخطط[1].

قبل هذا بأيام قليلة وتحديدا مساء يوم 24-06-2019 وعلى مستوى القضاء العدلي، أُعلن عن نجاح 245 مترشحا في مناظرة انتداب ملحقين قضائيين لدى المعهد الأعلى للقضاء[2] دورة 2018. وكان من أهم ما كشفت عنه نتيجة هذه المناظرة باعتبار التصنيف الجندري للناجحين النسبة الهامة للناجحات من جنس الإناث والتي بلغت 77,14%، وهي نسبة تقارب ضعف النسبة العامة لخريجات المعهد الأعلى للقضاء من تاريخ تأسيسه من الإناث والتي تبلغ 36،8%. يُذكر أن هذه الطفرة النوعية في التحاق النساء بالقضاء تتناغم مع التوزيع الجنسي لخريجي الجامعات التونسية، حيث تشكّل الإناث ما نسبته 60% من الخرّيجين وهذا لا يفقدها أهميتها باعتبارها مؤشرا على تحول هامّ يعرفه القضاء العدلي التونسي منذ بداية سنة 2011 أي منذ الثورة التونسية عنوانه القضاء يتأنث.

 

التناصف في القضاء واقع منظور

خلال السنة القضائية 2010-2011، كان العدد الإجمالي للقضاة العدليين 1875 قاضيا منهم 607 قاضية، أي أن نسبة القاضيات كانت في حدود 32،4%. عرف عدد القضاة بعد ذلك تطورا بفعل سياسة الانتداب المكثفة التي انتهجتها الحكومات المتعاقبة بعد الثورة[3] ورافق تلك الانتدابات تطوّر هامّ لعدد القاضيات الذي بلغ بنهاية السنة القضائية الجارية أي (2018-2019) 1066 قاضية أي ما نسبته 45.6% من عموم القضاة البالغ عددهم 2337.

وإذا احتسبنا عدد الملحقين القضائيين من الفوج 29 الذين ستصدر أوامر تعيينهم بمناسبة الحركة القضائية الصيفية[4] ومن صرح بنجاحهم في المناظرة، ينتظر أن يقارب عدد القاضيات بحلول السنة القضائية 2021-2022[5] 1300 قاضية من عدد جملي من القضاة سيكون في حدود 2655 قاضيا[6]. وعليه، وفي حال استمرت نسب النساء الناجحات في مناظرات انتداب قضاة ملحقين على حالها، نتوقع أن نصل إلى غلبة تاء التأنيث على مجتمع القضاة في سبتمبر 2022، هذه الغلبة التي لا يجب أن تحجب ما تعاني منه القاضيات اليوم ورغم المكتسبات التي تحققت من ميز على مستوى الحق في تقلد المسؤوليات القضائية خصوصا منها السامية.

 

التناصف على مستوى المسؤوليات القضائية: جهود إضافية يجب أن تبذل.

ترأس القاضية مليكة المزاري المجلس الأعلى للقضاء العدلي، فيما يوثّق تاريخ الهياكل القضائية التونسية حضورا كثيفا للمرأة القاضية في نشاطاتها. وتدفع هذه الصورة للظنّ بأن مجتمع القضاة الذي سيكون أول سلطة تكرس التناصف في وسطها فضاء يكرس المساواة الكاملة بين القضاة بصرف النظر عن جنسهم. ولكن النظر في توزيع المسؤوليات القضائية باعتماد معيار الجنس يكشف عن كون المرأة القاضية تعاني غبنا نسبيا على مستوى حقها في تقلد المسؤوليات القضائية.

يبلغ عدد قاضيات الرتبة الأولى[7] 629 قاضية أي ما نسبته 60,7% من عموم القضاة المنتمين لتلك الرتبة. وقد أسندت ل 193 منهن خطة وظيفية بما تكون معه نسبة شغل القاضيات للخطط الوظيفية الخاصة بهذه الرتبة في حدود 48,4% من جملة الخطط أي بما يقل عن نسبة  تمثيلهن.

ويبلغ عدد القاضيات بالرتبة الثانية 184 قاضية أي أنهن يشكلن 40,3% من قضاة الرتبة الثانية 109 منهن مسندة لهن خطة وظيفية بما يعني أن القاضيات شغلن فقط 36,6% من القضاة أصحاب الخطط الوظيفية في رتبتهن.

يبلغ عدد قاضيات الرتبة الثالثة 253 قاضية ويمثلن 30% من عموم قضاة ذات الرتبة في حين أن 94 منهن فقط يباشرن خططا وظيفية بما يمثل 23,5% من عموم الخطط الوظيفية المسندة.

ويلاحظ أنه في سنة 2010 كانت القاضيات يشغلن 22% فقط من الخطط القضائية وهي نسبة تطورت خلال سنة 2019إلى حدود 36,1% من نسبة شغل الخطط، من دون أن تصل إلى نسبة تمثيلية القاضيات الفعلية.

 

جدول بياني يتعلق بنسبة النساء القاضيات المسندة لهن خطط وظيفية حسب الرتبة[8]

2019

2018

2017

2016

2015

2014

2013

2012

2011

السنة

الرتبة

48,4

54

52,1

48,9

41,9

35,9

29,8

29,8

26,2

الأولى

36,6

29,1

25,5

24,2

19,3

18.3

19.1

19,1

24,6

الثانية

23.5

24

22,9

21

20,8

19.1

15,8

15,8

13,5

الثالثة

36,1

33,6

31,9

30.6

27.8

24,9

22,2

22,2

22

الجملة

 

 

ويلحظ أن ضعف حضور القاضيات على مستوى الخطط الوظيفية مقارنة بنسبة حضورهن في القضاء يتعمق فيما يتعلق بالخطط القضائية الأولى على مستوى المحاكم والخطط القضائية السامية أي تلك الخطط التي اعتبرها المشرع التونسي خططا قضائية متميزة يعين من يشغلها بأمر رئاسي بناء على ترشيح حصري من المجلس الأعلى للقضاء.

فعلى مستوى 15 محكمة استئناف، تشغل خمس قاضيات فقط خطة رئيسة أولى وواحدة فقط خطة وكيلة عامة، هي رفيعة نوار بما ينتظر معه بعد صدور أمر تعيينها أن يؤول عدد الرئيسات الأول إلى ستة في وقت ستغيب فيه تمثيلية المرأة في رئاسة الوكالة العامة.

وعلى مستوى 29 محكمة ابتدائية، تشغل 9 قاضيات خطة رئيسة محكمة ولا تشغل أي قاضية خطة وكيل جمهورية. على مستوى محكمة التعقيب، تشغل 14 قاضية خطة رئيسة دائرة تعقيبية من عدد جملي للدوائر يبلغ 36.

ويبدو من أهم التحديات التي يترتب على المجلس الأعلى للقضاء النهوض بها في هذا الإطار تحقيق تطور نوعي لحضور المرأة القاضية في مواقع المسؤولية القضائية طلبا لتحقيق قيمة التناصف التي أوجب الفصل 46 من الدستور التونسي على الدولة ان تسعى لتحقيقها وكان هذا المجلس أولى ساحات تكريسها على مستوى تركيبته. إذ يذكر أن القانون الأساسي للمجلس الأعلى للقضاء أوجب بحكم الفصل 26 منه على الناخبين إعتماد قاعدة المناصفة بين الجنسين في الإنتخابات، ورتب  جزاء الإلغاء على كل ورقة انتخابية لا تحترم هذا المبدأ بما كان من أثره أن كان أول تشريع يكرس فعليا التناصف على مستوى نتائج الانتخابات.

 

مقالات ذات صلة:

النساء في القضاء اللبناني

القضاة نساء في غالبيتهم قبل ختام 2019: لكن أي تمييز في توزيع المراكز القضائية؟

تأنيث القضاء: اي مناصب؟ اي وظائف؟ اي مناطق؟ دراسة إحصائية

 


[1]  هي على مستوى القضاء العدلي : الرئيس الأول لمحكمة التعقيب – وكيل الدولة العام لدى محكمة التعقيب – الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف بتونس العاصمة – المتفقد العام لوزارة العدل – الرئيس الأول للمحكمة العقارية .

[2]   انتداب خاص بالقضاء العدلي

[3]الغاية من تلك الانتدابات  تحسين ظروف عمل القضاء والاستجابة لحاجيات المحاكم من القضاة خصوصا منها المحاكم التي أحدثت خلال ذات المدة وهي 7 محاكم استئنافية  - باعتبار محكمة استئناف سليانة التي ستركز بداية من السنة القضائية  019-2020 ومحكمة ابتدائية (بداية من السنة القضائية 2019-2020) ومحكمتي ناحية (بئر علي بن خليفة - غمراسن).

[4]أتم الملحقون القضائيون من الفوج 29 تكوينهم الأساسي بنهاية السنة القضائية 2018-2019 وينتظر أن تشملهم الحركة القضائية المقبلة ويبلغ عددهم 73 ملحقا من بينهم 41 ملحقة قضائية و32 ملحق قضائي.

[5]أي سنة تخرج الفوج 30 من الملحقين القضائيين من المعهد الأعلى للقضاء – المصرح بنجاحهم في آخر مناظرة -

[6]لم يتم  في احتساب العدد اعتبار  ما قد يطرأ من عوارض تتمثل في استقالات ومغادرة اختيارية للقضاء أو مؤاخذات تأديبية قد تنتهي بالعزل أو الإعفاء أو حالات وفاة.وتمّ الاستناد لما أدى له تنقيح قانون التقاعد من تعطيل مؤقت لتقاعد القضاة خلال السنتين القادمتين بفعل ما تم من تمديد في مدة العمل القانوني.

[7]يصنف القاضي بمجرد مباشرته للقضاء بالرتبة الأولى ويشترط لترقيته للرتبة الثانية قضاء عشر سنوات بالرتبة الأولى فيما يشترط لارتقائه للرتبة الثالثة ست سنوات من العمل الفعلي كقاض من الرتبة الثانية.

[8]السنة القضائية تنقسم عادة إلى سنتين بحيث تبدأ في شهر 15 سبتمبر من سنة معينة وتنتهي في 15 جوليه من السنة التالية. نضع في الجدول أدناه في خانة السنة التي تنتهي فيها السنة القضائية. بمعنى أن 2011 تعني 2010-2011، و2019 تعني 2018-2019.