يشهد سوق الإسكان في لبنان أزمة منذ حوالي نصف قرن. وتجهد المزيد من الأسر، سواء كانت لبنانية أو غير لبنانية، للعثور على سكن يلبّي متطلباتها من حيث الميزانية والراحة وحالة الإشغال. ورغم قِدمها، إلاّ أنّ هذه الأزمة تفاقمت في السنوات 25 الأخيرة تحت ضغط ظاهرة تشهدها العديد من المدن حول العالم ألا وهي أمْولة السوق العقاري. يتردد هذا المصطلح أكثر فأكثر في النقاشات الأكاديمية وبين المواطنين، فما الذي يعنيه تحديداً وإلى ما يرمي في الحالة اللبنانية؟ كذلك أي دور للدولة، الذي غالباً ما يوسَم بالضعيف أو الغائب في لبنان، في صعود هذه الظاهرة بقوة؟ وأخيراً، كيف تؤثر أمْولة العقارات على سوق الإسكان لا سيما في بيروت الكبرى؟

 

1- أمْوَلة العقارات: ظاهرة عالمية

من أجل فهم أمْوَلة العقارات يجب فهم تطوّر طرق تمويل القطاع الاقتصادي الشديد الاستهلاك لرأس المال. فمنذ ثمانينيات القرن العشرين، شهدت مصادر التمويل هذه تحوّلاً مع ظهور شكل جديد من الرأسمالية، على الصعيد العالمي، حيث خلق القيمة مرتبط بالأداء في السوق المالي. وهذا التحوّل في الرأسمالية الذي يواكبه نجاح الأيديولوجيا النيوليبرالية، تبلور في زيادة كبيرة في تداول السيولة في الأسواق المالية المحررة والمعولمة. وفي هذا السياق، بدأ مديرو الأصول (من بنوك استثمار وصناديق تقاعد وصناديق أسهم خاصة إلخ..) الاهتمام بالأراضي والعقارات في المدن وكذلك بالسندات أو الأسهم التي تصدرها الحكومات و/أو الشركات، بهدف تعظيم الربحية وخفض الضرائب وتنويع المخاطر.

وبالتالي فإن أمْولة العقارات تشير إلى تحويل الأبنية والشقق والأراضي المخصصة للبناء إلى أصول مالية. وحصل هذا التحوّل بشكل عام عبر: أ) تسجيل الممتلكات ضمن شركة ذات غرض خاص ad hoc يكون رأسمالها مفتوحاً أمام المستثمرين، ب) إنشاء محفظة عقارية من قبل شركات استثمار مدرجة أو غير مدرجة في السوق، ج) استخدام الممتلكات سواء كانت أراضي أو مساكن كأصول مالية "ضمنية" تعتمد عليها المشتقات المالية.

 

في لبنان... سوليدير كنقطة انطلاق

تاريخياً، يعتبر قطاع الأراضي والمساكن في لبنان وجهة مفضّلة للرساميل الخاصة. ومنذ نهاية القرن التاسع عشر، استثمرت الأموال التي ضخّها المغتربون في أوروبا وأميركا وإفريقيا، بكثافة في الاستحواذ على الأراضي أو في تشييد المنازل. وفي العقود اللاحقة للاستقلال، تحوّلت العقارات إلى وسيلة استثمار مفضلة للثروات التي جمعت مع بداية الإنتاج النفطي الضخم في دول الخليج. وبالتالي شهدت بيروت طفرة في البناء من نهاية الستينيات إلى بداية الحرب الأهلية. ولكن قدرة العقارات على جذب الرساميل الخاصة لم تتزعزع خلال الحرب الأهلية وتسارعت مع إعادة الإعمار في التسعينيات.

من عدة نواحٍ، تمثّل سوليدير نقطة انطلاق أمْولة العقارات في لبنان نظراً إلى نموذج الهندسة المالية الذي اختارته الشركة العقارية: رأسمال جُمع في السوق المالية وإجبار أصحاب الأراضي على التخلّي عنها لقاء حصولهم على أسهم. بعبارة أخرى، تعتبر إعادة إعمار المدينة منتجاً مالياً يهدف إلى جذب المستثمرين الدوليين أكثر منها مشروعاً حضرياً يستهدف إعادة إحياء قلب العاصمة. ومنذ ذلك الوقت، شهدت العقارات السكنية في بيروت الكبرى عملية أمْولة مضاعفة "من الأعلى" و"من الأسفل".

 

أمْولة "من الأعلى": تخطيط حضري على شكل أبراج

جاء الشكل الأول للأمولة "من الأعلى" على هيئة انتشار الأبراج الفخمة في العديد من أحياء بيروت حتى خارج سوليدير. وحتى لو أن تباطؤ السوق العقاري في السنوات الأخيرة خفف من هذا الاندفاع، إلاّ أن تمويل تشييد المباني تماماً كشراء الشقق، تحوّل إلى حلول توظيف واستثمار يبحث عنها اللبنانيون الأثرياء المقيمون منهم أو المغتبرون، والمستثمرون الأجانب الذين يرغبون في تنويع أصولهم المالية وتعظيمها. ومن الأمثلة التي توضح بشكل ممتاز هذا المنطق، مشاريع عقارية مثل "سما بيروت" أو "بلاس باستور"  Place Pasteurأو عبد الوهاب أو "سكاي غيت" SkyGate أو "لا سيتاديل" La Citadelle.

 

الأشرفية: مشهد أمْولة العقارات "من الأعلى" (المصدر: مارو، 2015)

 

إذاً من المثير للإهتمام فهم العوامل التي تقف وراء جذب المشاريع الفخمة في بيروت المستثمرين، وهي كثيرة. إلا أنه من الضروري الإشارة إلى دور مؤتمر باريس 2 الذي انعقد عام 2002. فحينها، وتحت مظلّة جهات راعية عدّة، قررت وزارة المالية ومصرف لبنان والمصارف اللبنانية، التي تعتبر الأطراف الدائنة الرئيسية للدولة، تخفيض كلفة خدمة الدين العام وذلك من أجل ضمان استقرار النظام المالي اللبناني. وكردة فعل على خفض الفائدة على سندات الخزينة، عزز عدد من الجهات الفاعلة المالية وعلى رأسهم المصارف الخاصة والمصارف الاستثمارية، وجودها في السوق العقاري عبر شركات فرعية ذات غرض خاص بناءً على فكرة بسيطة ألا وهي توفير أدوات استثمار بديلة لعملائها الأثرياء. يضاف إلى ذلك أن التدفق الهائل للسيولة إلى النظام المالي اللبناني نتيجة ارتفاع أسعار النفط ومن ثم الأزمة المالية في العام 2008، سرّع وصول الموارد واللاعبين الماليين إلى القطاع العقاري.

 

أمْولة "من الأسفل": توسيع قنوات الوصول إلى الملكية المدعومة

برز شكل ثانٍ من الأمولة العقارية "من الأسفل" مع تطوير نظام الرهون للقروض السكنية. ففي السنوات العشرين الأخيرة، منحت المصارف اللبنانية ما مجموعه 130 ألف قرض سكني بقيمة إجمالية بلغت 13 مليار دولار.

يعتمد هذا اللجوء المتزايد إلى التمويل المصرفي لملكية المساكن على شكل من الشراكة بين القطاعين العام والخاص مدعومة إلى حد كبير من مصرف لبنان. ومنذ نهاية التسعينيات، منح هذا النظام المؤسسة العامة للإسكان دور الوسيط الرئيسي بين الأسر المقترضة التي تستفيد من معدلات فائدة مدعومة ومن مدد أطول للقروض (30 عاماً)، وبين المصارف التي يمكنها تطوير نشاطها للائتمان الخاص بمخاطر محدودة. وبعد عقد من الزمن، وفي أوج الطفرة العقارية في بداية الألفية الثانية، امتدت الفوائد الممنوحة للبنوك عن قروضها التي ترعاها المؤسسة العامة للإسكان لتشمل مجموعة من برامجها لقروض الإسكان. وتعزز هذا الدعم اعتباراً من العام 2013 في سياق التباطؤ الاقتصادي وتباطؤ السوق العقاري: فخطط الانتعاش الاقتصادي التي وضعها مصرف لبنان تتركز على دعم الطلب العقاري. وبعد أشهر من عدم اليقين إثر تجميد الدعم عام 2018، صادق المصرف المركزي في كانون الثاني 2019 على مبدأ مواصلة دعم القروض السكنية بمبلغ 525 مليون دولار.

واليوم، تستفيد أكثر من 100 ألف أسرة لبنانية من شروط مؤاتية للحصول على ملكية عقارية. وبالتالي، خلال فترة عشرين عاماً، أصبحت القروض السكنية أدوات استثمار مفضلة لدى المصارف التجارية التي رأت فيها وسيلة أساسية لتنمية نشاطها وتنويعه.

 

 

2- الدولة اللبنانية: مهندس رئيسي لعملية الأمْولة

خلافاً للخطابات المتكررة عن ضعف الدولة اللبنانية، لا سيما في سياق القضايا الحضرية، يُظهر تحليل دقيق لأمولة القطاع العقاري أن السياسات الحكومية قامت بدور رئيسي في هذا السياق وذلك عبر ثلاثة إجراءت سهّلت وشجّعت تحويل الممتلكات العقارية إلى أصول مالية.

أولاً، بنية الإطار القانوني والتنظيمي والضريبي تساهم بشكل كبير في صياغة قرارات وممارسات المستثمرين في القطاع الخاص والمؤسسات المالية وغيرهم من مطوري العقارات. يشجع هذا الإطار الشديد التحفيز (مثل النظام المالي، والتنظيمات الخاصة بالتخطيط الحضري، وما إلى ذلك) الاستثمارات في الأراضي والعقارات الفخمة، مع تنظيم آليات تحويل الأراضي والمباني والشقق إلى أصول مالية، لا سيما عبر نظام الشركات اللبنانية ذات المسؤولية المحدودة (ش.م.ل).

ومن ثم، تأتي إعادة تنظيم مؤسسات الدولة التي تنشط في تمويل العقارات السكنية كعملية ضرورية لمرافقة الأمولة "من الأسفل". وثمة مثالين مهمّين على ذلك هما الخصخصة وزيادة رأسمال مصرف الإسكان عام 1994 وإلغاء وزارة الإسكان في العام 2000. ولكن المبادرة الأهم هي إنشاء المؤسسة العامة للإسكان التي لها دور أساسي في النمو السريع لمَحَافظ القروض العقارية للمصارف والذي شرحناه سابقاً.

وأخيراً، من المرجّح أن مصرف لبنان كان الأداة السياسية الأكثر تأثيراً. فقد واكب المصرف المركزي الأمولة من خلال إطلاق سلسلة من القواعد التنظيمية والمعايير التي تنظّم تمويل القطاع العقاري (مثال على ذلك: تقييد الائتمان، وتوحيد حلول الهندسة المالية) وتزويد المصارف بموارد منخفضة التكلفة لتمويل القروض السكنية. وبالتالي، أثرت سياسة مصرف لبنان بشكل كبير على صورة وممارسات الممولين والمقاولين العقاريين والمشترين مع السعي في الوقت نفسه إلى التأثير على مسار أسعار الأراضي والعقارات السكنية.    

 

 

استقرار الرأسمالية اللبنانية على المدى القصير كهدف رئيسي للسلطات الحكومية

تسعى الدولة من خلال تسهيل عملية الأمولة، إلى دعم النشاط العقاري وعمليات البناء وإلى زيادة أسعار الأراضي والعقارات بالتوازي مع تفادي حصول إفراط في نشاط السوق وانهياره. وحافظت الدولة على هذا الهدف عاماً بعد عام على الرغم من انكماش النشاط والأسعار في السنوات الأخيرة.

من الواضح أن المصالح الفردية للنخبة السياسية والاقتصادية الممسكة زمام السلطة، والحاضرة بشدة في القطاعين العقاري والمالي، تؤثر كثيراً في قرارات الحكومة ومجلس النواب والبنك المركزي الداعمة للنمو. ويجب أيضاً قراءة هذه القرارات في سياق التنظيم الضروري للرأسمالية الريعية اللبنانية والتي تعتمد بشكل كبير على استئثار القطاع المصرفي بالموارد المالية الخارجية وإعادة تدويره لها. وفي هذا الصدد، تعتبر الأصول والاستثمارات في العقارات والبناء إضافة إلى ارتفاع أسعار العقارات والأراضي ضرورية للنمو الاقتصادي واستقرار النظام النقدي والمالي بناء على آليات لا إمكانية لشرحها هنا. ومن خلال جذب موارد جديدة إلى السوق العقاري، غذّت الأمولة بشكل متكرر طفرات في العقارات والبناء منذ نهاية الحرب، وبخاصة في بيروت. وفي الوقت نفسه، ساهم ذلك في إعادة إنتاج نظام اقتصادي ونقدي ومالي ضعيف الاستدامة. ومع ذلك، فإن هذا التشابك المتزايد بين القطاعين العقاري والمالي يمكن أن يقوم بدور معاكس: أي انهيار في سوق العقارات من المحتمل أن يؤدي إلى أزمة مالية.

 

3- ما تداعيات كل ذلك على الحصول على سكن؟

تعتبر أمولة العقارات التي ترعاها الدولة مصدر الكثير من المشاكل الحالية في سوق السكن. نذكر من هذه المشاكل ثلاثاً: انفجار الأسعار ومحدودية ملكية المساكن عن طريق المصارف والحالة المقلقة لسوق الإيجارات.

 

أسعار العقارات والأراضي ترتفع على نحو لا يمكن تحمّله

من النتائج المتوقعة لتدفق السيولة على القطاع العقاري وقطاع البناء: انفجار أسعار العقارات والأراضي لا سيما في بيروت الكبرى. فقيمة الأراضي والعقارات المرصودة في السوق والتي تضخّمت طويلاً نتيجة طلب المستثمرين الخارجيين، تنفصل عن متوسط دخل الأُسَر. وبين عامي 2003 و2013، ارتفع متوسط دخل الفرد بنسبة 85% في حين ارتفعت أسعار العقارات بنسبة 200% في العاصمة. وبالتالي تراجعت القدرة الشرائية العقارية لسكان بيروت بشكل حاد خلال عقد من الزمن. وفي الوقت نفسه، ارتفعت أسعار الأراضي بنسبة 600% ما عقّد إمكانية بناء مساكن معقولة الأسعار.

 

ملكية المساكن لا تشمل الجميع

خلال فترة الارتفاع الحاد في أسعار العقارات، ساهم التوسّع السريع للقروض المدعومة في ظهور طبقة متوسطة من مالكي المنازل لا سيما في بيروت الكبرى. فبالنسبة للعديد من المسؤولين السياسيين وفي القطاع المصرفي، فإن الوسائل المصرفية للحصول على الملكية تشكّل ردّاً فعالاً على أزمة السكن. ولكن ثمة حقيقة تقوّض هذا التحليل: في العام 2017، كان 55.2% من السكان المقيمين (15 عاماً وما فوق) لا يملكون حساباً مصرفياً. وترتفع هذه النسبة إلى 70% في أوساط الأسر الأكثر فقراً. وبالتالي فإن غالبية المقيمين ليس لديهم وصول فعلي إلى الائتمان. وحتى بين أصحاب الحسابات المصرفية، ثمة الكثير ممّن هم غير مؤهلين للحصول على قروض بسبب عدم كفاية مداخيلهم أو عدم انتظامها و/أو بسبب عدم امتلاكهم دفعة أولى من قيمة القرض. باختصار، في لبنان كما في العديد من الدول ذات الدخل المتوسط، فإن الحصول على الملكية من خلال المصرف، الذي يعتبر الوسيلة الرئيسية للأمولة "من الأسفل"، لا يبدو أنه يشكّل حلاً فعالاً لتحسين حصول أكبر عدد ممكن من الناس على سكن.    

 

الوضع المقلق لسوق الإيجارات

وأخيراً تؤثر أمولة العقارات، لجهة الطلب والعرض، على السوق الرسمي للإيجارات. فهذا السوق، الذي تم توحيده رسمياً منذ صدور القانون عام 2014 الذي أنهى الرقابة على الإيجارات، أصبح اليوم بعيداً عن متناول جميع المستأجرين وأقل جاذبية للمستثمرين. 

فالأسعار المرتفعة في سوق الإيجارات في المدن اللبنانية الرئيسية تنفصل أيضاً عن القدرة الشرائية للأسر. فقد ارتفعت الإيجارات بشدّة في غضون السنوات الـ15 الماضية لا سيما في بيروت الكبرى. وبين عامي 2008 و2013، ارتفعت الإيجارات بنسبة 66% في رأس بيروت و38% في عرمون في ضواحي بيروت وذلك وفقاً للتقديرات القليلة المتوفرة. وسبب ذلك بسيط: يستفيد المالك المؤجّر من تجديد عقود الإيجار من أجل مضاعفة مدخوله من الإيجارات التي يجب أن تواكب برأيهم ارتفاع قيمة ممتلكاتهم. وبالنتيجة، تتحوّل الأسر المتواضعة شيئاً فشيئاً نحو السوق غير الرسمية حيث شروط المعيشة صعبة والإيجارات غير آمنة.

يمكن أن يفسّر الوضع المقلق في قطاع الإيجارات أيضاً بانعدام قدرته على جذب المستثمرين الأفراد والمؤسسات. فحين تتم أمولة العقارات، تقيّم ربحية الشقق أو المباني في ضوء أصول مالية أخرى (أسهم وسندات وودائع، إلخ..). ومع عائد سنوي مقدّر ما بين 2% و4%، لا تزال العقارات المستأجرة أقل بكثير من العائد الذي توفره الودائع المصرفية (5.6% للودائع بالدولار و8.9% للودائع بالليرة اللبنانية) أو سندات الخزينة (بين 5.2% و8% حسب مدة الاستحقاق). ولكن الارتفاع المتوقع في أسعار الفائدة قد لا يحسّن الوضع. لذلك فإن هذا النقص في جاذبية عائد الإيجارات يؤثر سلباً على عدد المساكن المتاحة للإيجار في سوق الإسكان.

 

  • نشر هذا المقال في العدد | 60 |  حزيران 2019، من مجلة المفكرة القانونية | لبنان |. لقراءة العدد اضغطوا على الرابط أدناه:

 منحة السكن ومحنته