فيما أن إشكالات السكن والإسكان دائمة التردّد في الخطاب العام اللبنانيّ منذ فترة الاستقلال على الأقل، فإنها ازدادت حضورا في السنوات الأخيرة بفعل ثلاثة عوامل: دخول مئات آلاف اللاجئين السوريين إلى لبنان ابتداءً من 2011، تحرير الإيجارات القديمة في 2014، وأخيراً فرملة القروض السكنية المدعومة لاعتبارات تتصل بالأزمة المالية وحماية النقد الوطنيّ. وكان لا بدّ في ظلّ اجتماع هذه العوامل من رصد أوضاع السكن في لبنان وشروطه والعمل على تفكيك التوجّهات الرسمية في هذا الخصوص وفهمها وتقييمها.

لا ندّعي أننا نجحنا في هذا العدد في الإحاطة بمختلف جوانب ملفّ السكن، حيث تبقى مهمة كهذه بالغة الصعوبة وتتطلب حكماً توفر موارد واختصاصات تتجاوز ما أمكننا حشده. بيد أننا جهدنا في هذا العدد في فتح بعض النوافذ، بعضها من الماضي وأكثرها من الحاضر، في مسعى لإدراك خصائص السياسات الرسمية في لبنان، في حال وجودها. وهي سياسات ستكون موضع استكشاف وتحليل في العديد من أعمالنا المستقبلية في مجالات وقطاعات عدة والتي نكتفي هنا بالتمهيد لها.

وفيما تُظهر النوافذ المفتوحة أنماطا وتوجهات ثابتة لدى مؤسسات الدولة نستشفّ منها حقيقة سياستها في مسألة السكن، فقد أمكننا من خلال التدقيق فيها أن نستخرج 7 ميزات لهذه السياسة، هي الآتية:

 

1- أنها سياسة فئوية وتمييزية (غير عامّة)، بمعنى أن آليّاتها ومواردها الأساسية غالبا ما تستهدف فئات من المواطنين من دون سواهم أو على الأقل أكثر من هؤلاء. وهذا ما يتأتى بشكل خاص عن تركز السياسات الرسمية في العقود الثلاثة الأخيرة حول القروض السكنية لتملّك مساكن، وهي سياسات يستفيد منها عموما متوسّطو الأوضاع المالية الذين بإمكانهم تسديد دفعة أولى من ثمنها وضمان أقساط مرتفعة نسبيا بالنسبة إلى الأجور.

بالمقابل، تكاد المعالجات الأخرى لإشكالات السكن والتي تعني الفئات الأكثر احتياجا لدعم الدولة، تضمحلّ، بخاصة بعد تخلّي الدولة عن أيّ دور لها في بناء مساكن شعبية أو تشجيع التأجير أو مراقبة وضبط عقود الإيجار. وعليه، بدا في الكثير من الأحيان أنّ الحلّ الوحيد المتاح للفئات من ذوي الدخل المتدني يتمثل في اللجوء إلى البناء العشوائي في الأملاك العامة أو المشاعات أو حتى في الملك الخاص، وهو حلّ لا يتحقق على أرض الواقع باحتلال هذه المساحات من دون توفر دعم (غطاء) من القوى النافذة في المناطق المعنية. وعليه، وعدا عن أن هذا البناء قلّما يوفر لهذه الفئات شروط السكن اللائق، فإن الاستفادة منه غالبا ما يتم من خلال الخضوع لنظام الحماية أي مقايضة الاستفادة من حق غير مشروع (البناء العشوائي) بالولاء السياسي لإحدى القوى النافذة. هنا، غالباً ما تلعب السلطات الرسمية دور الوسيط، أو المحايد.

ومن شأن إعمال نظام الحماية هذا، أن يؤدي إلى تعميق التمييز ضدّ هذه الفئات، ليس فقط لجهة حقها في السكن في مسكن لائق، بل أيضا لجهة مدى حريّتها في ممارسة مواطنتها خصوصاً في أبعادها السياسية فتلجأ إلى انتخابات القوى المهيمنة التي تساهم في استمرار نفس آليات الحكم التي أنتجت هشاشتها الاجتماعية، الاقتصادية والحقوقية.

 

2- أنها سياسة ذات أهداف ملتبسة، أساسها خدمة المصالح الاقتصادية والسياسية للفئات والشرائح المهيمنة، وفق ما تبيّنه دراسة السياسات الإسكانية المعلنة في العقود الأخيرة[1]. وهذا ما يستنتجه عدد من المحلّلين الاقتصاديين من المكوّن الأساسي لتدخّل الدولة في مجال السكن (منح القروض المدعومة)، حيث يرون أن هذا التدخّل يهدف إلى دعم العرض أي تشجيع الاستثمار في بناء المساكن أكثر مما يهدف إلى دعم الطلب أو تحقيق الحق في السكن. وهم يذهبون إلى حدّ القول بأن تأمين المساكن (الحق في السكن) هو أداة لهذه السياسات أكثر مما هو هدف لها أو غاية منها[2]. ويتأكّد هذا الرأي تبعا لإعلان مصرف لبنان في العام الفائت (2018) توقف القروض المدعومة، تحت وطأة الأزمة النقدية. فبدل أن تلجأ الدولة إذ ذاك إلى أقلمة سياستها الإسكانية والعمل على استكشاف وسائل أخرى لحلّ إشكالية السكن المتفاقمة، انكفأت عن أيّ حلّ بديل مكتفية بمنح ما تيسّر من قروض بانتظار عودة الظروف المؤاتية لدعم المزيد منها[3]. هذه الظروف ترتبط حتماً بالسياسات النقدية، ويغيب عنها الحق في السكن. كما يتعزز هذا الرأي في آليات تنفيذ هذه السياسة، حيث تمكّن أشخاص شديدو الثراء من الحصول على بعض من هذه القروض "السكنية"، بفعل سوء الرقابة على شروط منحها. وبالتالي، تساهم السياسات الرسمية بشكل مباشر في تراكم الثروات لفئات محددة.

 

3- أنها سياسة لا تجد حرجا في مخالفة القانون وتهميشه. وهذا ما نتبيّنه بوضوح من التعاميم الصادرة تباعا عن وزراء الداخلية بمنح السلطات المحلية (البلديات) خارج المدن، إمكانية الترخيص بالبناء من دون التقيد بأحكام قانون البناء. كما نتبيّنه من خلال التماهي مع البناء العشوائي. وفيما سعت قوانين تسوية مخالفات البناء المتلاحقة، والتي بدورها تبدو أنها جزء من هذه السياسات الرسمية، إلى تقليص حجم الأبنية المخالفة من خلال تغيير وصفها، فإن الجزء الأكبر منها يبقى غير قابل للتسوية، على خلفية إنشائها على أراضٍ عامة مملوكة من الدولة أو خاصة مملوكة من الغير.

 

4- أنها سياسة براغماتية في عمقها، تبقى مجرّدة عن أي مرجعية قيمية. ويتأتى هذا الأمر عن معطيين أساسيين:

  1. خلوّ سياسات الدولة من أيّ تعريف واضح للحقّ في السكن (شروط السكن اللائق، الأشخاص المستفيدون منه...) وتاليا لالتزامات الدولة وخططها لضمان تحقيقه. وقد بدا هذا الأمر واضحا من خلال أشكال تدخّل الدولة، والتي تكاد تخلو من أي ربط باحتياجات المواطنين ومجمل المقيمين في لبنان. ففيما يحتّم هذا الحقّ تدخّل الدولة لضمان الحق في السكن اللائق للفئات من ذوي الدخل المتدني بالدرجة الأولى، فإن سياسة دعم القروض السكنية تذهب على العكس من ذلك في اتّجاه دعم المواطنين من ذوي الدخل المتوسط وأحياناً المرتفع. التساؤل نفسه نطرحه في شأن الاتجاه الذي ذهب إليه قانون تحرير الإيجارات القديمة، حين أنشأ صندوقا لمساعدة المستأجرين القدامى من ذوي الدخل المحدود، من دون تبرير تمييز هؤلاء عن سائر المواطنين ممن قد يكونون أكثر احتياجا للمساعدة (مثال: سكان العشوائيات).
  2.  أما المعطى الثاني فيتمثل في عدم تحديد المسؤولية الاجتماعية المتصلة بملكية المساكن. وقد بدا المشرع وكأنه يميز في هذا الإطار بين فئتين من المالكين: مالكي الشقق المؤجرة قبل 1992 الذين تمّ (ويتمّ) تحميلهم أعباء ضخمة في ضمان سكن المستأجرين ببدلات زهيدة طوال عقود وتاليا أعباء تتجاوز ما تبرره مسؤولياتهم الاجتماعية، وسائر المالكين (وفي مقدمتهم المالكين حديثي العهد) الذين تتعامل الدولة مع حقوقهم على أنها مقدسة، على نحو يُعفيهم من تحمّل أيّ مسؤولية اجتماعية في هذا المجال. وإثباتا لذلك، يبقى التشريع اللبناني خالياً من أي تدابير مقيدة أو موجِّهة لحقوق هؤلاء، كأن يضع حدّاً أقصى للبدلات في مناطق الاكتظاظ السكاني أو يعتمد مؤشرا لزيادة البدلات أو يستحدث ضريبة على الشقق الشاغرة حثّا لتأجيرها... إلخ. وبالتالي، يصبح السكن من هذا المنطلق عرضة لمبدأ العرض والطلب، مع ما قد يتيحه ذلك من تعسف وطمع.

 

5- أنها سياسة مجتزأة. فالسياسات المتخذة في مجال السكن تبقى مفصولة عن أي تصوّر أو سياسة لتنظيم المدينة والعلاقة بين سكانها من مختلف الفئات والطوائف والطبقات والأهم علاقة هؤلاء مع مدينتهم والبيئة المحيطة بجميع عناصرها. كما تبقى هذه السياسات مفصولة عن أي تصوّر لتنظيم التواصل بين مختلف المدن والقرى، وتاليا عن خطط النقل العام، أو استخدام أو ترتيب الأراضي.

 

6- أنها سياسة انطوائية غير دامجة. ويتجلى ذلك على مستويات عدة: فمن جهة أولى، لم يُولِ المشرّع أيّ انتباه لأهمية التخالط الطائفي أو الطبقي عند إقراره قوانين تحرير الإيجارات القديمة، والتي قد تؤدي إلى دفع المستأجرين القدامى إلى الانتقال من المناطق التي يقطنون فيها إلى مناطق أكثر انسجاما مع انتماءاتهم الطبقية والطائفية. كما يذهب من جهة ثانية تمدّد العشوائيات مع ما يستتبعه من فرز طبقي في الاتجاه نفسه إلى تعميق الفرز الاجتماعي، بين مساكن لائقة وقانونية تقطنها الطبقات الميسورة والمتوسطة، ومساكن غير لائقة وغير قانونية تقطنها وتتوجه إليها الطبقات من ذوي المداخيل المتدنية. الانطواء نفسه نجده على صعيد المساكن، والذي يتمثل في التوجه إلى إغلاق الشرفات عن الخارج، فكأنما المساكن تدير ظهرها للمدينة وللحياة العامة[4].

 

7- أنها سيّاسة تقوم على تجنّب المسؤولية والتهرّب منها ولو بأساليب احتيالية. ونستشفّ هذا الوجه أولا من التعتيم على العشوائيات وحجمها وأعداد الساكنين فيها، وصولاً إلى عدم تسميتها بالعشوائيات في الخطاب العام، خلافاً لمدن عربية أخرى (دمشق، الدار البيضاء...). فكأنما المراجع الرسمية المعنية تعتبر أنّ العشوائيات لا تشكّل أيّ مشكلة بالنسبة لسكانها أو محيطها، أو أنها ستزول يوما ما من تلقاء ذاتها، أو إنها "وصمة عار" على القطاع العقاري المزدهر في لبنان، يجدر نفي وجودها. التهرب من المسؤولية نفسه نشهده في مواقف السلطة الحاكمة من تطبيق قانون تحرير الإيجارات القديمة. فبعد عقود من تحميل المالكين القدامى مسؤولية تأمين مساكن عشرات آلاف العائلات، أعلنت الدولة رغبتها في تحمل مسؤوليتها في هذا العبء، وذلك من خلال تسديد جزء من زيادة بدلات الإيجار للمستأجرين من ذوي المداخيل المحدودة، لفترة معينة (تصل في بعض الحالات إلى 12 سنة وهي المدة التي تتحرر من بعدها جميع الإيجارات القديمة من دون استثناء). إلا أنه بعد 5 سنوات من صدور القانون، واستمرار الدولة في تقاعسها عن الإيفاء بالتزاماتها في هذا المضمار من خلال تعطيل آليات تطبيق القانون (عدم تمويل الصندوق، التأخر 5 سنوات في إنشاء اللجان المختصة في تحديد المستفيدين من الصندوق...)، جاز افتراض أن هذه الالتزامات كانت مجرد خدعة لتبليع المالكين والمستأجرين القدامى القانون الجديد، من دون أن يكون هنالك أي إرادة حقيقية لدى الدولة في وضعها موضع التنفيذ. فكأنما هذه الأخيرة أملت أن تؤدي مدة ال 12 سنة إلى تذويب مشكلة الإيجارات القديمة أو تقليص حجمها على نحو يسهل عليها معالجتها. وقد بدا التهرب من المسؤولية جليا في ظلّ تقاعس السلطة التشريعية طوال سنوات عن اتخاذ القرارات المناسبة، رغم البلبلة القضائية في تطبيق القانون بفعل تقاعس السلطة التنفيذية عن تنفيذ الواجبات المتأتية عنه[5].

 

هذا ما أمكننا قوله بشأن ميزات السياسة الإسكانية في لبنان. بقي أن نأمل أن يسهم هذا العدد في تعزيز الوعي حول عدم ملاءمة هذه السياسة مع متطلبات المجتمع اللبناني والأهم حول ضرورة جبهها وتصويبها.

كما نأمل أن تتحول هذه النوافذ إلى مجهود بحثي ونقاش عام يبني على ما سبقه من أجل مقاربة الحق في السكن من منظار متعدد الاختصاصات ويؤسس لتقديم مقاربة نقدية لا تستخلص بسهولة القول بغياب السياسات في هذا المجال. فالسياسات الرسمية موجودة (وإن لم تكن عامّة) وهي ما برحت تتيح للفئات الميسورة مراكمة الثروات، في مقابل امتصاص موارد الطبقة الوسطى مع حصر الفقراء في العشوائيات وغيتوات الزبائنية.

 

 

  • نشر هذا المقال في العدد | 60 |  حزيران 2019، من مجلة المفكرة القانونية | لبنان |. لقراءة العدد اضغطوا على الرابط أدناه:

 منحة السكن ومحنته


[1]  ميريم مهنا، أي سياسات إسكانية في لبنان، منشور في هذا العدد.

[2]  مقابلة مع محمد زبيب، منشورة في هذا العدد.

[3]  ميريم مهنا، مذكور أعلاه.

[4] مازن حيدر. على شرفات بيروت. منشور في هذا العدد.

[5]  ميريم مهنا، كيف طبق القضاء قانون الإيجارات التعديلي رقم 2/2017؟ هكذا اختلّ التوازن بين حق الملكية والحق في السكن، منشور في هذا العدد.