سهام بن سدرين صحفية وناشطة في مجال حقوق الإنسان وسياسية تونسية. انتخبها المجلس الوطني التأسيسي لتكون عضواً في هيئة الحقيقة والكرامة، ثم اختارها أعضاء الهيئة رئيسة لها بتاريخ 17-06-2014. وبعد انتهاء ولاية الهيئة، شغلت بن سدرين منصب مصفية لأعمالها طوال الأشهر الخمسة الأولى من سنة 2019.

طوال فترة عملها داخل الهيئة، كانت بن سدرين إحدى أكثر الشخصيات الخلافية. فقد وجد فيها جانب أول من المتابعين القائدة الصلبة لمسار العدالة الانتقالية التي صمدت بفعل إصرارها وصلابتها وجرأتها في وجه كل الذين ناوؤوا هذا المسار. بالمقابل، رأى جانب آخر منهم أنها شكلت بفعل شخصيتها المتشنجة سببا من أسباب أزمة مسار العدالة الانتقالية بحيث طبعت هذا المسار بنزاعات شخصية على نحو بدد أثقله بأعباء كثيرة وأفقده الكثير من الموارد والفرص.

وتؤكد المواقف المتناقضة هذه أن بن سدرين كانت طيلة فترة قيادتها لمسار العدالة الانتقالية شخصية مركزية طبعت المسيرة بجانب من شخصيتها. وعليه، كان لا بدّ للمفكرة القانونية من إجراء حوار معمق ومطوّل معها للحديث عن قانون عدد 53 المتعلق بالعدالة الانتقالية وسماع رأيها حول العديد من الإشكاليات التي أثارها عمل الهيئة ومخرجاتها. وقد جرى الحوار المنشور هنا بتاريخ 21 ماي أي قبل أيام من إنهاء الهيئة تصفية أعمالها الحاصل في آخر ماي (المحرر).

 

المفكرة القانونية: بعد سنوات من العمل، كيف تقيمون تصور العدالة الانتقالية من قبل المشرع التونسي، سواء من ناحية تحديد الفترة الزمنية المعنية بتلك العدالة الزمنية أو من ناحية الانتهاكات المشمولة فيها أو من ناحية مخرجاتها؟

سهام بن سدرين: وجهت العديد من الانتقادات لقانون عدد 53 الخاص بالعدالة الانتقالية من قبل أطراف محلية ودولية . خلال فترة وضع القانون، كنت من بين الذين عارضوا فكرة شمل القانون لفترة حكم الرئيس الحبيب بورقيبة ضمن عمل الهيئة. اعتقدت حينها أن ذلك سيصعّب العمل بشكل كبير ولن يحقق أثرا يستحق بذل ذاك الجهد. ولكن اليوم، بعد خمس سنوات من العمل في هذا المجال، بإمكاني القول أنّ التنصيص على كلّ تلك الحقبة كان يستند إلى رأي وجيه. كما أنّ تعدّد الانتهاكات جعل من العودة لتلك الفترة أمرا ضروريا.

فقد نص القانون عدد 53 أنّه من ضمن مهام الهيئة تهيئة الشروط اللازمة لتحقيق المصالحة الشاملة وتفكيك منظومة الاستبداد والفساد. وهنا تكمن أهمية الرجوع للفترة البورقيبية في عملنا. تلك الفترة تجيبنا على سؤال متى انطلق الاستبداد – والجواب عن هذا السؤال هو بمثابة الخيط الأول الذي يوصلنا لمعرفة سياقات الاستبداد المتعددة والتي استمرت ما بعد بورقيبة. فخلال عملنا، خصوصا العمل المتعلق بدراسة ملفات الانتهاكات التي قدمها التونسيون للهيئة، وجدنا أن زين العابدين بن علي ورث منظومة الاستبداد البورقيبية. كما وجدنا أن بورقيبة لم يوجد هذه المنظومة بنفسه بل ورثها هو أيضا عن المستعمر. دعني هنا أشرح الفوارق بين العهود الثلاثة بخصوص آليات الاستبداد التي يمكن اختصارها في الجهاز الأمني والجيش والقضاء. فيما يخص الأمن، ورثت تونس وزارة الداخلية عن المستعمر الفرنسي. وحتى سنة 1958، أي بعد الاستقلال بسنتين، ظل أمنيون فرنسيون يتولون عمليّات الاستنطاق والإشراف على أجهزة وزارة الداخلية. بالنسبة للجيش، تشكل الجيش التونسي من رحم الجيش الفرنسي. فالعناصر التي أنيطت بها مهمّة قيادة الجيش الوطني التونسي كانت من فيالق فرنسية وجّهت أسلحتها سابقا ضد المواطنين التونسيين. أما بالنسبة للقضاء، فنجد الخلل في مقارنة اتفاقيات الاستقلال الداخلي لسنة 1955 وهي مذّكرة تحتوي أكثر من 200 صفحة مُصادق عليها من قبل البرلمان الفرنسي والباي التونسي وبروتوكول سنة 1956 الذي أعلن بموجبه الاستقلال التام لتونس وهو عبارة عن صفحة واحدة غير مُصادق عليها رسميا. ينص بروتوكول 56 أن تطبيق اتفاقيات 55 تبقى سارية المفعول ما لم تلغَ بموجب اتفاقيات أخرى. الأمر الذي يعني أن أغلب ما ورد في اتفاقيات 1955 مازال ساري المفعول إلى اليوم، إلاّ تلك التي تم تعديلها في السنوات اللاحقة. كل ذلك مكَن المستعمر الفرنسي من المحافظة على امتيازاته ومصالحه. الاتفاقية الوحيدة التي تم تعديلها فورا بعد الاستقلال هي اتفاقية القضاء. ففي سنة 1957، تمّ وضع اتفاقية جديدة للقضاء. تم بموجب الاتفاقية الجديدة إلغاء كل من القضاء الشرعي، القضاء الخاص باليهود والقضاء الخاص بالفرنسيين ليتنزل ضمن قضاء واحد مستقل. وهذا كان من أكبر إنجازات دولة الاستقلال. حيث بدأ بناء دولة تونس الحديثة من خلال سلطة قضائية مستقلة. ولكن مع مرور الوقت لم يجد بورقيبة أريحية في كون القضاء مستقلّا عن سلطته. لذلك أوجد أربعة أنواع من القضاء الموازي: المحكمة الشعبية، المحكمة العليا، القضاء العسكري وقضاء أمن الدولة.

أمّا بن علي، فلم يلجأ إلى القضاء الموازي، بل حاول الهيمنة على مفاصل السلطة القضائية من خلال السيطرة على بعض القضاة وربط عملهم بالسلطة السياسية. استطاعت الهيئة الوصول إلى أوراق رسمية توثق كل ذلك بعدما تمكنا من الولوج إلى الأرشيف بعد صراعات طويلة مع بعض الإدارات العامة. هذا بالنسبة إلى أهمية الرجوع إلى فترة الخمسينيات في عمل الهيئة، أما بالنسبة لأنواع الانتهاكات والفساد المالي، فلذلك أيضا أهمية كبرى سأشرحها لاحقا. في الواقع، من خلال عملنا كهيئة توصلنا إلى حقيقة في غاية من الأهمية وهي الارتباط الوثيق بين انتهاكات حقوق الإنسان والفساد المالي. سأعطي أمثلة على ذلك مرسوم المصادرة الذي تمّ إصداره سنة 1958 والقاضي بمصادرة أموال وممتلكات الباي بعد تنحيته في نفس السنة، تم استغلاله لاحقا من قبل أطراف رسميّة عديدة من بينهم زوجة الحبيب بورقيبة. فسنة 1969، تم استخدام هذا المرسوم للاستيلاء على أرض يملكها شقيق منصف باي، وهو من أحد أهم وأبرز بايات تونس، في منطقة سيدي بوسعيد لصالح السيدة وسيلة زوجة بورقيبة.

هذا المثال وهنالك غيره يدّل على أن سياسة تغيير صبغة الأراضي كانت أول أشكال الفساد المالي. كما أن سياسة الخوصصة (الخصخصة) استعملت كثيرا للاستيلاء على أموال عمومية لفائدة الأشخاص. ناهيك عن الصفقات العمومية التى كان يستفيد من أموالها أشخاص مقربين من الطبقة الحاكمة. فمؤسسة الطيران التونسي العمومية كان على رأسها ابن عم وسيلة بورقيبة، الذي تبين أنه من المتورطين بقضايا فساد في الصفقات العمومية التي عقدت لصالح تلك المؤسسة. من خلال هذه الأمثلة وغيرها، استنتجنا نحن كهيئة أن عددا كبيرا من انتهاكات حقوق الإنسان كان دافعها الأساسي الفساد المالي.إسكات الناس خوفا من اعتراضاتهم على الفساد المالي، كان سببا في تعرضهم للانتهاكات.

أنهي إجابتي على هذا السؤال بحديثي عن أهمية تضمين قضية تزوير الانتخابات ضمن أعمال الهيئة. بالرغم من أن أيا من هيئات الحقيقة المنشأة في العالم لم يشتغل في تزوير الانتخابات، إلا أن تجربتنا بينت أهمية عمل هيئتنا على هذه القضية بحيث أصبح اليوم لدينا دليل مادي على التزوير الانتخابات في العهود السابقة وليس فقط شائعة أو خطاب سياسي أو تكهنات. الأمر الذي يضمن عدم تكرارها في المستقبل. فعندما نقول إن آلية من آليات الاستبداد هي افتكاك سيادة الشعب للحصول على الشرعية من خلال تزوير الانتخابات فهي حقيقة ولدى الهيئة اليوم وثائق وأدلة مادية على ذلك.

 

المفكرة: ولكن ماذا بشأن اللجوء إلى آليات القانون الجزائي الكلاسيكية، وبخاصة أن بإمكان الدوائر المتخصصة أن تقرر عقوبات جزائية يصل بعضها إلى الإعدام على خلفية جرائم ارتكبت منذ عشرات السنين؟ وألا تخشون أن يقضي اللجوء إلى هذه الآليات أي رغبة لدى المتهمين بالبوح بالحقيقة أو الاعتذار، على نحو قد يعيق وظائف العدالة الانتقالية الأخرى وبخاصة وظيفة المصالحة؟

بن سدرين: في تونس لدينا دوائر متخصصة في الشأن العقاري، المدنيّ، والتجاريّ. دوائرنا متخصصة بالعدالة الانتقالية. لذلك فالعدالة الانتقالية في تونس ليست استثنائية بل متخصصة. ما قامت العدالة الانتقالية ضده هو التطبيع مع الجريمة. لذلك، أرى أن دور الدوائر المتخصصة هي الفاصل بين ما هو ممنوع وما هو مسموح في القانون التونسي. وبالرغم من إمكانية وصول حكم القضاة في هذه الدوائر إلى الإعدام، إلا أنه خلال دورات تكوين القضاة المتخصصين بالعدالة الانتقالية، والتي شاركت فيها كل من وزارة العدل والمجلس الأعلى للقضاء وهيئة الحقيقة والكرامة، طُرحت مسألة الإدانة بشكل كبير وكان هناك حرص على توصيل روحية وفلسفة العدالة الانتقالية التي تحمل الكثير من المرونة التي يمكنها أن تصل بأولئك القضاة للإدانة دون عقاب.

كما عملنا نحن كهيئة على تسهيل المهمة على القضاة من خلال التنصيص على إمكانية اللجوء ليس فقط للقانون التونسي بل أيضا للقانون الدولي في ملف الإحالة المتعلق بكل قضية انتهاك جسيم تمتإحالتها من قبل الهيئة.

كما أن بعض الجرائم التي تمت إحالتها للدوائر القضائية المتخصصة كالاختفاء القسري وتزوير الانتخابات غير مجرّمة في القانون التونسي. هذه المسألة كانت أساسية لتثبيت مبدأ المرونة في الاجتهاد في الحكم.

أما بخصوص تحفيز الجلاد على الاعتراف، فإن الهيئة تبنت سياسة الاعتراف من قبل الجلاد مقابل عدم الإحالة. فقد نصّ الفصل 40 من قانون 53 على أنه يجب "اتخاد كافة التدابير المناسبة لحماية الشهود والضحايا والخبراء وكل الذين تتولى سماعهم مهما كان مركزهم بخصوص الانتهاكات المشمولة بأحكام هذا القانون". كان هناك العديد من أعوان وزارة الداخلية الذين وافقوا على هذه السياسة وكانوا على استعداد تام للاعتراف. لكن النقابات الأمنية كانت لهم بالمرصاد وتم تهديد الكثير ما جعل عدد المعترفين قليلا جدا. في المقابل، أذكر تعاون الديوانية، خصوصا عقيد الأبحاث الديوانية، في التحقيق في الانتهاكات من خلال اعترافات هذه الإدارة العامة والوثائق التي قدمت من قبلها. الأمر الذي حال دون إحالة ملفاتهم للدوائر المتخصصة.

 

المفكرة: يعاب أيضا على تصور العدالة الانتقالية أن أحكام الدوائر المتخصصة للعدالة الانتقالية لا تقبل أي مراجعة، الأمر الذي يتعارض مع مبادئ المحاكمة العادلة المكرسة دستوريا؟ ألا تخشون أن تتأثر حظوظ نجاح العدالة الانتقالية بعدم التزام آلياتها بمبادئ المحاكمة العادلة؟ ألا تخشون أن يؤدي ذلك إلى تحويل المتهمين إلى ضحايا؟

بن سديرين: في هذا الخصوص، يهمني أن أوضح أنه كان لنا كهيئة جلسات عديدة مع وزارة العدل طالبناها خلالها وخلال العديد من الكتابات والمراسلات في السنوات اللاحقة بإحداث دوائر متخصصة في العدالة الانتقالية في محاكم الاستئناف إلى جانب الدوائر المتخصصة التي تم إحداثها في المحاكم الابتدائية. فنحن نعتبر أن من أساسيات العدالة الانتقالية تطبيق أساسيات المحاكمة العادلة لضمان عدم التكرار. وأنا أقول إن عدم إحداث دوائر قضائية متخصصة في محاكم الاستئناف هو قرار سياسي ومرتبط بشكل كبير بالإرادة السياسية للطبقة الحاكمة التي تريد نسف مسار العدالة الانتقالية.

بعد استكمال دوري كرئيسة لهيئة الحقيقة والكرامة، سأعود لصفوف المجتمع المدني وسيكون طلب التقاضي على درجتين على رأس أولوياتي لأنني لا أريد للمُدانين بتهم في قضايا انتهاكات لحقوق الإنسان أن يتحولوا إلى ضحايا بسبب حكم الدوائر المتخصصة الذي لا يستوفي أساسيات المحاكمة العادلة.

 

المفكرة: من المسائل التي انتقدتها "المفكرة" إحالة العديد من الملفات دون تقصّ وبحث. ألا يخشى أن يُحال أشخاص من دون أدلة كافية في ظل وصم المتهمين بالجلادين؟ ألا تخشين على مصير الضحايا في حال تم رفض قبول الإحالات من قبل الدوائر القضائية لأسباب إجرائية أو لغياب الاثباتات؟

بن سدرين: ما حصل هو أن الهيئة أحالت قضايا الانتهاك للدوائر القضائية المتخصصة إما مع لائحة اتهام أو قرار إحالة. في حال تم استكمال التحقيقات وجمع الأدلة واستكمال حقوق الدفاع، يُصنّف الملف كونه لائحة اتهام. في حال لم يتم ذلك، يُصنّف الملف كونه قرار إحالة يتضمن شهادة الضحية وما تمكنت الهيئة من جمعه كأدلة والتي تعتبرها الهيئة غير كافية.

في دليل إجراءاتها، تنص الهيئة على إعطاء مهلة 15 يوم للمدّعى عليهم لسماع شهادتهم قبل توجيه الاتهام لهم وتحويل ملف القضية للدوائر المتخصصة. العائق الأول أمام الهيئة كان الاستماع لمن وُجّه إليهم الاتهام. فالعديد منهم طلبوا مهلا إضافية بحجج مختلقة. الأمر الذي أوصلنا إلى تاريخ 31 ديسمبر 2018، وهو موعد نهاية أعمال هيئة الحقيقة والكرامة، دون تمكننا من الحصول على شهادة معظم المتهمين. العائق الثاني الذي واجه عمل الهيئة في استكمال شروط لوائح الاتهام هي نقص الأدلة. هناك العديد من قضايا الانتهاكات لدى المحكمة العسكرية أو قطب القضاء المالي أو غيرها من الجهات القضائية التي رفضت إمداد الهيئة بملفات تلك القضايا. وبالتالي لم نتمكن من الوصول لوثائق وإثباتات كافية لاستكمال شروط لوائح الاتهام. بالرغم من أن معظم قضايا الانتهاك تحولت للدوائر المتخصصة كقرارات إحالة إلا أننا أشرنا في نهاية تلك القرارات إلى ضرورة جلب الملفات التي تحتوي على الأدلة والإثباتات من الجهات القضائية المعنية بأمر من الدوائر المتخصصة لاستكمال الملف.

 

المفكرة: ما هي الحصيلة النهائية للضحايا الذين استفادوا من قرارات جبر الضرر الفردي؟ يُعاب على الهيئة أنها لم تتِح للضحايا مهلة كافية لتقديم الاعتراضات وأنها لم تنظر في هذه الاعتراضات.

بن سدرين:نحن كهيئة بذلنا كل ما في وسعنا لمساعدة الضحايا. وبالرغم من أن آجال الطعن في المقررات الفردية انتهت في 25 ديسمبر 2018، إلا أن مجلس الهيئة قرر استثنائيا توكيلي باستكمال استقبال اعتراضات الضحايا إلى اليوم. ولكن هناك العديد من الضحايا الذين لا يملكون الأدلة الكافية لإثبات كونهم ضحايا. فالهيئة ترفض أي شهادة من قبل الأحزاب لإثبات صفة الضحية. كما أنها ترفض قبول قرارات العفو العام كدليل على صفة الضحية. من المستندات التي نقبلها عادة بطاقة الخروج من السجن أو حكم بالمراقبة الإدارية. أما بالنسبة لحالات التعذيب التي يصعب إثباتها، فاعتمدنا في الهيئة على ما يسمى بالانتهاكات المتلازمة، حيث كان التعذيب يمارس في فترات من تاريخ تونس بشكل ممنهج. فإذا حُكم على الشخص في تلك الفترات التي رصدناها بسنة سجن تبعتها مراقبة إدارية فمن البديهي أن هذا الشخص تعرض للتعذيب. أشير هنا أنه تم قبول غالبية الاعتراضات.

 

المفكرة: ماذا بشأن صندوق الكرامة؟ ألا تشعرون أن من شأن نقص التمويلات أن يهدد حقوق الضحايا؟ ثم، لفتنا مؤخرا مطالبتكم المجتمع الدولي المساهمة في الصندوق فيما يفترض أن تتحمل الدولة التونسية مسؤولية تعويض الضحايا اعترافا منها بالانتهاكات؟

بن سدرين: بعد الاستقلال، تسببت فرنسا بمقتل حوالي سبعة آلاف تونسي، من بينهم خمسة آلاف خلال معركة بنزرت، (منطقة في شمال تونس). هذا من دون إحصاء عدد الجرحى. نحن كهيئة سنطالب الدولة الفرنسية بتقديم اعتذار للشعب التونسي ودفع تعويض مادي للأضرار التي تسببت بها.

أما بالنسبة للبنك الدولي، فإملاءاته في سنة 1978، تاريخ أحداث ما يُعرف بالخميس الأسود، وفي سنة 1984، سنة اندلاع أحداث الخبز، تسببت باحتجاجات واسعة راح ضحيتها عدد كبير من الضحايا. لذلك سنطالبه بالتعويض أيضا. سيكون أساس هذا الطلب قرار الأمم المتحدة الصادر عن إحدى الجلسات العامة والذي ينص على تحميل البنك الدولي مسؤولية الأحداث التي وقعت في بعض الدولة الناشئة، خاصة في أفريقيا وآسيا، والتي كان سببها إملاءاته المجحفة وبالتالي تطالبه بالمساهمة في تنمية تلك البلدان من خلال هبات. وهنا يجب أن يلعب المجتمع المدني التونسي والدولي دوره في الضغط على المجتمع الدولي باتجاه قبول مطلبنا. 

 

المفكرة: ما هي الذاكرة الجماعية التي عملتم أو أملتم بحفظها/ إبرازها لدى التونسيين؟ وما هي الوسائل التي سخرتموها لهذه الغاية؟

بن سدرين: اختيار قضايا الانتهاكات للجلسات العلنية كان وفق شروط معينة قادرة على تحويل تلك القضايا لنواة تبني ذاكرة جماعية لتونس. فكانت كل قضية من القضايا نموذجا يرمز لانتهاك معين في فترة تاريخية معينة وفي جهة معينة على نحو يعكس التعددية في النوع الاجتماعي للضحية والتعددية في الانتهاكات التي مارستها المنظومة القديمة.

عملي في الهيئة على مدار السنوات الخمس الماضية كشف لي أنه ليس هناك ذاكرة جماعية واحدة، بل هناك ذاكرات جماعية. باعتقادي، يجب العمل على آن يكون لكل منطقة ذاكرة خاصة بها. علينا ألا ننسى أن للعدالة الانتقالية في تونس خاصية مهمة في هذا الخصوص. فالضحية وفقا لقانون عدد 53 ليس فقط الفرد بل قد تكون مجموعات أومناطق. أذكر مثلا منطقة الحامة في قابس جنوب تونس. قدمت هذه المنطقة ملفا لهيئة الحقيقة والكرامة كمنطقة ضحية. خلال التحقيق، وجدنا أن هذه المنطقة، التي تزخر بالموارد المنجمية والإمكانيات السياحية، مهمشة لأسباب سياسية بحتة. حيث كان سكانها من الأطياف السياسية المعارضة للسلطة المركزية خلال حكم بورقيبة وبن علي كافة: يوسفيين، ويساريين و نقابيين وإسلاميين، إلخ. أما عن المجموعات الضحية، فقدمت الأقلية اليهودية ملفا للهيئة. وجدنا أن الانتهاكات التي استهدفت اليهود أغلبها استحواذ على الأراضي الخاصة بهم. ومرده هو أن أغلب اليهود التونسيين يحملون جنسيات أجنبية إلى جانب التونسية، بحيث تمنعهم قوانين تونس من أن يرثوا أراضي أجدادهم. باعتقادي، يجب على كل منطقة وكل مجموعة أن تشكل ذاكرتها الجماعية الخاصة، التي تضاف أخيرا للذاكرة الوطنية الشاملة لكل التونسيين.

 

المفكرة: كشف التقرير الصادر عن دائرة المحاسبات والمتعلق بعملية رقابة على هيئتكم أن لجنة التحكيم والمصالحة لم تنجح إلا في دراسة 12% من جملة ما تعهدت به من ملفات وأنها من بين تلك الملفات التي درست لم تتوصل إلا لإبرام 9 اتفاقيات أولية للتحكيم والمصالحة لتصدر في النهاية ثمانية قرارات تحكيمية فقط. هل هذا تم بقرار من الهيئة أو نقص في أداء الهيئة؟ على أساس أي معايير تم إعطاء الأولوية في ملفات المصالحة؟

بن سدرين:هذا غير صحيح. التحكيم والمصالحة يقتضيان أن يكون الطرفان قابلين للمصالحة وآليات التحكيم. ونحن وجهنا للدولة اقتراحات تحكيم في حالات عدة، كانت فيها ضحية أو متهمة.

في انتهاكات حقوق الإنسان كانت الدولة في مجمل الحالات متهمة. أعلمنا المكلف العام بنزاعات الدولة بصريح العبارة في مراسلة تم نشرها أن كل ما يتعلق بنزاعات تحكيمية تتعلق بحقوق الإنسان مرفوضة. وعليه، كانت النسبة في هذا الخصوص صفر بالمائة بسبب الرفض القاطع من الدولة.

أمّا على مستوى التحكيم والمصالحة في قضايا الفساد المالي، قدّم المكلف العام بنزاعات الدولة 685 شكوى تتعلّق بملفات فساد مالي كانت الدولة فيها هي الضحية. القائمون بالانتهاكات قبلوا بالتحكيم. عدنا للمكلّف العام نعلمه أنّ العديد من المتّهمين قبلوا التحكيم، إلا أنه تم رفض الاتفاقية المبدئية التي هي أساس التفاوض والتي الحد الأدنى من المبلغ الذي سننطلق منه. ناهيك عن تأجيل الجلسات. المكلف العام قبل بإمضاء 7 اتفاقيات فقط من أصل 685. السبع اتفاقيات تلك استطاعت أن تضخ في خزينة الدولة 745 مليون دينار. ملفات بلحسن الطرابلسي وصخر الماطري الذي رفض المكلف العام الموافقة عليها، كانت ستمكّن الدولة من ألف وخمسمائة مليون دينار على الأقلّ. كل ذلك موثق. السؤال الذي يطرح نفسه الآن: لماذا بعدما قدمت الدولة 685، لم تعالج لاحقا سوى 7 ملفات؟ تزامنت تلك المرحلة مع طرح قانون المصالحة الإدارية والاقتصادية الذي يفقد لجنة التحكيم والمصالحة كل صلاحياتها. التأجيل في بت الملفات كان أساس تمرير القانون.

 

المفكرة: يؤخذ على هيئتكم أنها لم تبذل جهدا كافيا للربط بين توثيقها للماضي وتدقيقها في أحداثه ونظرتها الى الإصلاحات المستقبلية. وقد بدا هذا الأمر واضحا من خلال ضعف أداء لجنة الفحص الوظيفي. كيف تردون على ذلك؟

بن سدرين: بداية يجب أن أشير إلى أن كل اللجان التي تعمل ضمن نطاق الهيئة هي لجان فنية. هذا يعني أن كل قرارات اللجان يتم درسها ومعالجتها من قبل مجلس الهيئة الذي يصدر القرارات النهائية. صحيح أن لجنة الفحص الوظيفي لم تعمل بالنسق الذي كان مطلوبا منها ولا بالمستوى المأمول. يرجع ذلك إلى الضغط الكبير الذي عاشه مجلس الهيئة في التقصي والتحقيق وسماع الشهود والضحايا. قلة الإمكانيات البشرية والمالية شكلت عامل ضغط.

ولكن بالرغم من ذلك عملنا ما في وسعنا لإنجاز توصيات توازي أهمية هذه اللجنة. عقدت الهيئة اتفاقية مع مؤسسة DCAF السويسرية التي تعنى بدراسة وإصلاح مؤسسات الأمن والعدالة. هذا التعاون مكّننا من القيام بمسح للإصلاحات التي شملت قطاع الأمن والعدالة منذ الثورة حتى سنة 2018. على أساس هذا المسح، قدمنا مقترحات لإصلاحات في هذين القطاعين ضمن التقرير النهائيّ للهيئة. كما اجتمعنا مع مؤسسات رقابية تونسية لنطلع على طريقة عملها وسماع احتياجاتها وتوصياتها لنضمنها في التقرير. أخيرا، عملنا على إصلاح المنظومة الضريبية، التي عادة ما تكون سببا في الضيم الاجتماعي، من خلال دراسة أوضاع شريحة من المواطنين التونسيين. تخلل هذه الدراسة استشارة وطنية استمعنا خلالها إلى مقترحات العاملين في القطاع الضريبي. الماضي كان أساسا في توصياتنا، حيث انطلقنا في كل هذا بعد أن درسنا الشكاوى المقدمة من الضحايا.

أما عن الفحص الوظيفي، فأعترف أن عملنا كان شبه معدوم في هذا المجال.فالإصلاح الوظيفي يتطلب استدعاء العاملين في الإدارات العامة، والقضاء والمحامين، كل في تخصصه والجهة التي يعمل بها وسماعه ليتم فرزهم بعد ذلك. يتطلب هذا العمل وقتا ومجهودا لم تستطع الهيئة توفيره. لذلك ارتأينا نحن في مجلس الهيئة إعطاء الملفات الخاصة بكل قطاع للهيئة الأقدر على التعاطي معه. فمثلا سنسلّم الملفات الخاصة بالقضاء للمجلس الأعلى للقضاة الذي لديه مجلس تأديبي يعنى بالفحص الوظيفي الخاص بالقضاة. هيئة المحامين ستتسلم أيضا الملفات الخاص بالمحامين. أما الإدارات العامة فستسلّم ملفاتها لرئاسة الحكومة.

 

المفكرة: كيف ستحفظ أعمال الهيئة، علما أنكم كنتم اعترضتم على تحويل الأرشيف للأرشيف الوطني من دون أن تقترحوا بديلا للحفظ؟

بن سدرين: في الحقيقة، خوفي الأساسي نابع من كون الأرشيف الوطني لا يملك الآليات ولا الوسائل ولا الخبرات اللازمة لحفظ أرشيف الهيئة الرقمي تحديدا. ولكن قانونيّا ليس لدي خيار سوى أن أسلم الأرشيف للأرشيف الوطني في ظل غياب أي مؤسسة أخرى قادرة على حفظه كما يجب. نحن كهيئة قدمنا ما في وسعنا وقمنا قبل سنتين بندوة حول حفظ الذاكرة ما بعد الهيئة. استضفنا خلالها رئيس الأرشيف الوطني والعديد من المؤسسات والمعنيين بالأمر. شددنا حينها على ضرورة تشكيل معهد للذاكرة. ولكن طلبنا لم يؤخذ بعين الاعتبار. كما حاولنا لاحقا الضغط لإضافة فصل في القانون المنظم لهيئة حقوق الإنسان كونها هيئة مستقلة يمكنها أن ترث أرشيفنا الرقمي ولكن فشلنا في ذلك أيضا.