"..أنا أتعاطف معهم ..أنا على أساس المسؤولية المعنوية وبصفتي كنت وزيرا للداخلية أعتذر منهم..". كان هذا ما قاله عبد الله القلال الذي يُنسب له الانتهاك لعائلة الضحية كمال المطماطي الذين كانوا حاضرين معه بذات قاعة المحكمة التي تنظر في قضيتهم.

أنكر القلال كل علم له بوقائع التعذيب والموت تحت التعذيب وإخفاء الجثة التي ينسب له الضلوع فيها والتي جدّت وقائعها بداية تسعينات القرن الماضي حين كان وزيرا للداخلية. وتمسّك بما سبق وصرّح به أمام قاضي التحقيق العدلي بالمحكمة الابتدائية بقابس الذي استنطقه في الموضوع من كونه كان بتاريخ الوقائع في مهمة رسمية خارج البلاد ومن كونه وبعد عودته لمباشرة مهامه لم يتم إعلامه بأي شكل كان بما جرى لكمال أو غيره. اللافت أنه رغم تكرار إنكاره أي دور مباشر في الأحداث على هذا الوجه، عمد القلال لأول مرة إلى تقديم اعتذار علني برره بمسؤوليته السياسية. فكان ذاك الاعتذار أهم حدث عرفته مجريات محاكمة وجد فيها أهل الضحية أنفسهم في حضور قلة من المحامين وناشطي المجتمع المدني.

ثمّنت حركة النهضة والتي كان "المطماطي" يعدّ من كوادرها في بيان صدر عنها بتاريخ 11-06-2019 "حضور وزير الداخلية الأسبق الجلسة والتعبير عن تعاطفه مع مأساة عائلة الضحية الشهيد وتقديم اعتذاره إليها بوصفه وزيرا للداخلية آنذاك لما يتحمّله من مسؤولية أخلاقية وأدبية آنذاك". ويوحي هذا التفاعل السريع من النهضة مع الاعتذار على توظيف ممكن له من قيادتها  في مسار طرح مبادرتها التي ينتظر إعلانها قريبا والمتعلقة بالمصالحة الشاملة خصوصا أنه ورد في بيانها أنها "تقدر أن كشف الحقيقة واعتذار من تحمّلوا المسؤوليات السياسية والأمنية في الفترات الحالكة من تاريخ تونس يحقق أحد أهم مقاصد العدالة الانتقالية وهي المصالحة الوطنية"[1].

ولفهم أهمية الاعتذار في هذا التوقيت، يجدر التذكير بثلاثة معطيات أساسية:

الأول، أن قضية كمال المطماطي تكتسي أهمية خاصة في مسار المحاسبة القضائية الخاص بالعدالة الانتقالية لعدة اعتبارات تتمثل أساسا في كونها أول قضية تعهدت بها هيئة الحقيقة الدوائر المتخصصة وفي كونها قضية اختفاء قسري لم تنجح أبحاث هيئة الحقيقة في كشف ملابساتها وظلت كل محاولات البحث عن جواب فيما تعلق بمكان دفن الجثة دون جواب.

الثاني، أنه في منتصف سنة 2013 وخلال محاكمات القضية المصطلح على تسميتها بقضية براكة الساحل أمام المحكمة العسكرية، التفت القيادي الأمني البارز في نظام بن علي محمد علي القنزوعي والذي كان يمثل والقلال كمتهمين إلى الضحايا الحاضرين في الجلسة، ليقر بالذنب ويطلب منهم الصفح ويعترف بخطأ الدولة في حقهم. لقي الاعتذار ذاك صدى إيجابيا لدى الضحايا الذين عدوه حدثا هاما ولكن هذا لم يكن موقف الطبقة السياسية الصاعدة حينها، كما لم يكن مرحبا به من القلال الذي رفض أن ينخرط فيه.

الثالث، أنه في نهاية سنة 2016، عقد زعيم حركة النهضة راشد الغنوشي اجتماعا مع القلال وعدد من سامي سياسي النظام السابق عن الثورة، خصص كما ذكر في حينها للتباحث حول "الوضع السياسي العام في ظل الحاجة الماسة لتدعيم المصالحة بين التونسيين وطي صفحة الأحقاد"[2]. سبق ذاك الاجتماع بيوم واحد تاريخ انعقاد أول جلسات الاستماع العلنية لضحايا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي عقدتها هيئة الحقيقة والكرامة. فكان ذاك اللقاء الأول من نوعه في بعده الرمزي بمثابة الإعلان الرسمي عن إطلاق  البحث عن مسار بديل للعدالة الانتقالية وهو المسار الذي توضحت اليوم ملامحه في سياق ما يصطلح على تسميته بمشروع المصالحة الشاملة.

ورد اعتذار القلال بعد سنتين من بدء مسار صناعة المسار البديل وبعد سنة كاملة من بدء محاكمات الدوائر المتخصصة بنظر قضايا العدالة الانتقالية وقبل يومين فقط من موعد اللقاء الذي سيجمع مفوضة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان ميشال باشليه بأعضاء المجلس الأعلى للقضاء وقضاة الدوائر المتخصصة بنظر قضايا العدالة الانتقالية والذي سيخصص للسؤال عن مسار المحاسبة القضائية والمشاكل التي يعترضها. ويوحي هذا التوقيت أن هذا الاعتذار تم اختيار توقيته ومكانه ليكون رسالة جواب حول عرض المصالحة الشاملة.

 

انطلاقا من ذلك، يبدو اعتذار القلال بمثابة اعتذار مدروس وبمثابة مخرج من أزمة محاكمات العدالة الانتقالية، والتي يتم تأخيرها كلها على ما يظهر لما بعد موعد الانتخابات التشريعية والرئاسية، على أمل إصلاح اجرائي يرتق عيوب النص التشريعي أو قرار سياسي يغير قواعد التعاطي مع الماضي.

 

 

 

 


[1]   ورد في البيان الذي صدر بالموقع الرسمي للحركة وذيل بإمضاء الناطق الرسمي باسمها "عماد الخميري": تم النظر مجددا في قضية الضحية الشهيد كمال المطماطي التي تنظر فيها إحدى الدوائر المتخصصة في العدالة الانتقالية، وقد تم خلال الجلسة الاستماع الى وزير الداخلية الأسبق،السيد عبد الله القلال، الذي نسب إليه الانتهاك في هذه القضية ويهم حركة النهضة التعبير عن:  1-  تضامنها التام مع عائلة الضحية الشهيد كمال المطماطي في محنتها والوقوف إلى جانبها في سعيها المشروع لمعرفة ملابسات جريمة القتل ومعرفة مكان إخفاء جثة الشهيد وتحمل الدولة لمخلفات هذه الجريمة البشعة. 2-  تثمن حضور وزير الداخلية الأسبق الجلسة والتعبير عن تعاطفه مع مأساة عائلة الضحية الشهيد كمال المطماطي وتقديم اعتذاره إليها بوصفه وزيرا للداخلية آنذاك لما يتحمّله من مسؤولية أخلاقية وأدبية آنذاك . 3-  تقدر أن كشف الحقيقة واعتذار من تحملوا المسؤوليات السياسية والأمنية في الفترات الحالكة من تاريخ تونس يحقق أحد أهم مقاصد العدالة الانتقالية وهي المصالحة الوطنية."

[2] قد يسرع التقارب بين النهضة والدساترة: خفايا لقاء راشد الغنوشي بعبد الله القلال، صحيفة الشروق التونسية، 18-11-2016.