ألقيت هذه الكلمة نيابة عن "المفكرة القانونية" في المؤتمر الصحافي المنعقد في مقرها بتاريخ 13 حزيران 2019 تحت عنوان "كيف نوقف التهريج في مظلمة زياد عيتاني؟".
 

قضية زياد عيتاني لم تعد اليوم قضية عادية. فالأخطاء التي ارتكبت فيها منذ بدء الاستقصاء فيها حتى صدور حكم في قضية تلفيق التهمة، برزت بشكل مكبّر بإمكان أي مواطن أن يتبين حجمها وخطورتها جتى ولو كانت معرفته بالقانون ضحلة أو حتى معدومة. وهذا الذي حملنا لاختيار عنوان الكاريكاتور في مقال سابق أو التهريج في هذا المؤتمر لوصف هذه القضية. فما يميزها هو كبر الأخطاء المرتكبة بها وضخامتها، على نحو يجعلها تقفز إلى الأعين. فنتعلم منها أشياء كثيرة عن عمل الأجهزة الأمنية والقضاء، أشياء تنطبق للأسف على قضايا كثيرة وتتسبب بمظالم كثيرة، إنما تبقى هناك غير مرئية أو باهتة فيما هي هنا واضحة وضوح الشمس. من هذه الزاوية، باتت هذه القضية تصلح اليوم كنموذج للتعليم يتعين على معاهد المحاماة أو والقضاء أو الأمن إدخالها ضمن المناهج. وسأكتفي هنا أن أعرض على عجالة سبعة دروس كبيرة.

الدرس الأول، أهمية قرينة البراءة. هذا كان ربما الدرس الأول الذي أمكن جميع اللبنانيين أن يعاينوه بشكل دراماتيكي صادم فور انكشاف براءة عيتاني. فتسريب التحقيقات الحاصلة معه حين كان محتجزا وغير قادر على الدفاع عن نفسه، ونشرها بشكل واسع، أدى إلى تكوين قناعة شعبية عارمة على أنه "عميل". وتذكرنا هذه الصدمة بأهمية منع التسريب في التحقيقات الأولية. وما يزيد من قابلية هذا الأمر للانتقاد هو أن المبرر الوحيد للتسريب هنا حسبما يظهر من تقاطع المعلومات هو نشوء مفهوم الأمن الديماغوجي، أي رغبة الجهاز الأمني بالترويج لذاته ولانجازاته ولو على حساب كرامات الناس. ورغم كبر حجم هذا الخطأ، فإن لا وزارة العدل ولا أيّا من النيابات العامة تحرّك لملاحقة الجهاز الذي ارتضى تسريب تحقيقاته بشكل استعراضي. فبدا التقصير واضحا بينا داخل الجهازين الأمني والقضائي في حماية قرينة البراءة. وقد جاء توق الإعلام إلى نشر المعلومات المثيرة من دون التحري عنها، ليزيد من هذه المخاطر.

الدرس الثاني، أن آليات الوقاية من التعذيب أو مكافحته ما تزال معطلة. ففيما يتضمن قانون أصول المحاكمات الجزائية والقانون الصادر حديثا بشأن جرائم التعذيب (وبخاصة المادة 401 من قانون العقوبات) آليات للوقاية من التعذيب أو مكافحته، فمن البين أنه تم تعطيل مجمل هذه الأحكام في هذه القضية. فعدا عن أن أمن الدولة تنصل من أحكام المادة 47 من قانون أصول المحاكمات المدنية (فلم يمكّن عيتاني من الاتصال بمحام و بأهله أو معاينته من قبل طبيب)، فإن النيابة العامة العسكرية عادت وأودعت عيتاني بعد إحالته إلى المحكمة العسكرية في الانفرادي طوال 20 يوما، مع منع تواصله مع أهله أو محاميه، وذلك بعدما أرجأ قاضي التحقيق جلسة الاستجواب لفترة يصعب فهم طولها. وقد يكون هذا الأمر سمح بمرور وقت كافٍ لإزالة آثار التعذيب الواضحة في حال وجودها. أسوأ من ذلك، أن الشكوى التي قدمها عيتاني في أواخر 2018 ما تزال حتى اليوم تراوح مكانها خلافا للقانون الذي يلزم النيابة العامة حفظها أو إجراء التحقيق اللازم وبنفسها خلال 48 ساعة من تقديم الشكوى.

الدرس الثالث، هو بروز وجه آخر من أوجه التطييف لأجهزة الدولة تمهيدا لاستتباعها وفق قاعدة لكل زعيم جهازه الأمني وقضاته، مع ما يستتبع ذلك من انعكاسات خطيرة على القضايا الحقوقية. وهكذا نكتشف مثلا أن مرجعية هذا الجهاز هي هذه الزعامة التي تشعر أن أي انتقاص من أداء هذا الجهاز انتقاص لها. والأمر لا يقتصر على هذا الأمر إنما يتّسع ليشمل للأسف النيابات العامة: وقد تجلّى ذلك من خلال الأداء المتفاوت لممثلي النيابة العامة. وقد جاء هذا التطور بمثابة استكمال للتشكيلات القضائية 2017 التي عمدت كل قوة سياسية وازنة من خلالها إلى تعيين قضاة مقربين منها في النيابة العامة العسكرية، على نحو جعل هذه النيابة العامة خاضعة لمرجعيات عدة، بما يناقض مبدأ وحدتها وينسف تماما استقلاليتها.

الدرس الرابع، من كان يتوهم أن بإمكان المحكمة العسكرية أن تضمن محاكمة عادلة، اكتشف بشكل واضح استحالة ذلك. فمن كان يبحث عن تعليل لحكمها في هذه القضية لم يجد أمامه إلا إجابات من نوع نعم ولا من دون أي تعليل. هذا فضلا عن أن المواطن شهد محكمة ترافع فيها نائب عام ومحامو دفاع ذهبوا أحيانا في الاتجاه نفسه، من دون أن يكون للضحية أن تدلي بدلوها أو أن تبرز أدلتها. هذا فضلا عن أن تكوين هذه المحكمة من قضاة عسكريين، يعينون بقرار من وزير الدفاع، ويبقون تابعين مباشرة له شكل العامل الحاسم لانهيار هذه الاستقلالية.

الدرس الخامس: انتشار ثقافة التدخل في القضاء. وقد تجلت في محلات عدة، أبرزها تصريح وزير الدفاع الياس بو صعب الذي بدا وكأنه يفاخر وفق أحد تصريحاته بعد يومين من صدور الحكم بدوره في الوصول إلى هذه النتيجة، وقد زعم أنه ضغط على المحكمة لمنع تأثرها بضغط فرع المعلومات عليها. في دولة ديمقراطية أخرى، تصريح كهذا يؤدي حكما إلى إقالة الوزير فورا، وحدها ثقافة التدخل حصنت الوزير المذكور وجعلت عمله كما عمل الكثيرين سواه بمثابة الأمر الطبيعيّ.

الدرس السادس: غياب المحاسبة بغياب استقلالية القضاء. رغم كل المخالفات التي شهدناها وما استتبعها من مظلمة (حبس ثلاثة أشهر)، فإن هذه القضية انتهت بإدانات وأحكام مخففة بحق المدعى عليهما في جريمة تلفيق تهمة العمالة أو التفرج عليها، أحكام أقل قسوة مما عانى منه عيتاني بنتيجة التهمة الملفقة. ولكن، بقيت أعمال التسريب والتعذيب المدعى به والإهمال من قبل النيابة العامة العسكرية وغيرها من الأجهزة القضائية والتدخل في القضاء كلها خارج إطار المحاسبة. والدرس الأساسي هنا هو أن المحاسبة تبقى مستحيلة بغياب استقلالية القضاء وتحرره التام من التبعية. وهذا الأمر ينطبق ليس فقط على محاسبة الأجهزة الأمنية إنما أيضا على محاسبة القضاة من قبل هيئة التفتيش القضائي. وخير دليل على ذلك هو رفض مفوض الحكومة العسكري المثول أمام هيئة التفتيش القضائي من دون أن تعمد هذه الأخيرة لاتخاذ الاجراء المناسب بفعل النقص في اسقلاليتها.

الدرس السابع، تغييب الضحية والتنكر لمعاناتها مع ما يستتبع ذلك من تهميش للحقوق الأساسية. وهذا الأمر حصل ليس فقط بفعل قانون المحكمة العسكرية، الذي منع مثول الضحية كمدعي في المحكمة، إنما أيضا بفعل تقاعس الهيئات القضائية عن التحقيق في شكوى عيتاني رغم انقضاء ستة أشهر على تقديمها. وليس الأمر بأفضل لدى سائر إدارات الدولة التي لم تعِ حتى اليوم حجم الضرر الذي تكبده المواطن عيتاني من جراء انهيار الأداء المهني لدى العديد من مؤسساتها.

هذه هي الدروس التي نستشفها من مظلمة "عيتاني" والتي آن للدولة اللبنانية بمختلف مؤسساتها العدلية والأمنية التوقف عندها.