تداول الإعلام التونسي نهاية الشهر الخامس من سنة 2019 خبر افتتاح كبير أحبار تونس لمدرسة تعليم ديني بجزيرة جربة ستؤمها الفتيات اليهوديات دون سواهن. وأكدت مصادر الخبر أن تلك المدرسة "ستدرس زيادة على التعليم الديني التوراتي العلوم والآداب والفنون"[1] وأن الهدف من بعثها "التصدي للتسرب المدرسي للفتيات اليهوديات والذي يعود بشكل أساسي إلى كون تعاليم دينهن تحرم عليهن مخالطة الذكور متى بلغن من العمر خمسة عشر عاما".[2]

أدانت جمعية النساء الديمقراطيات الخطوة التي اعتبرت أنها "تستهدف الاختلاط في المدارس والفضاء العمومي ككل" والذي "يمثل مكسبا جوهريا للتربية على قيم العيش المشترك واحترام الاختلاف والتسامح في كنف المساواة" ودعت " القوى الحية إلى التصدي للممارسات الانفصالية والتمييزية".[3] ووجدت دعوتها تجاوبا هاما: فقد توالت المواقف الرافضة للمدرسة الدينية الجديدة. وتبدو هذه المواقف في انسجام تام مع قيم العملية التربوية وتصورات دولة المواطنة ولكنها في المقابل وبالنظر لاكتفائها بطلب غلق المدرسة، أغفلت السؤال عن علة الانعزال الذي أدانته.

 

الفصل بين الجنسين وعدم الالتزام بالمناهج التربوية يمس مبادئ الدستور ويخرق القانون:

تمس خصوصيات المدرسة اليهودية للبنات بقيم الدولة التونسية على مستويين أولهما يتعلق بما تؤدي له من تمييز بين الجنسين وثانيهما بما يفرضه برنامجه من خروج عن مناهج التعليم الرسمي.

 

الفصل بين الجنسين فعل محظور

حجر الدستور التونسي في الفصل 21 منه كل الممارسات التمييزية على أساس الجنس وفرض على الدولة ضمان حقوق جميع المواطنين ومن تلك الحقوق حق التعليم الذي عدّه حقا أساسيا. وكان هنا القانون عدد 80 لسنة 2002 الذي يتعلق بالتربية والتعليم المدرسي[4] في تناغم تام مع  الدستور. فهو نص في الفصل الأول منه على أن "التعليم حق أساسي مضمون لا تمييز فيه على أساس الجنس أو الأصل الاجتماعي أو اللون أو الدين". كما حدد الفصل الثامن منه كدور وظيفي للمؤسسة التربوية "تنشئة التلميذ على احترام القيم الجماعية وقواعد العيش معا". وسبق في ذات السياق لوزير التربية والتعليم التونسي أن أصدر بتاريخ 23-08-2018 المنشور عدد 8-1-2018 والذي أكد فيه أنه "يمنع منعا باتا تخصيص أقسام أو فضاءات للإناث وأخرى للذكور أو تعمد الفصل بين المتعلمات والمتعلمين بأي وجه كان في الفصول أو في قاعات المراجعة أو في الساحات أو في الملاعب الرياضية أو في المركبات الثقافية".

ويتبين من كل ما سلف أن تخصيص مؤسسة تربوية ولو كانت خاصة لتدريس البنات بدعوى أن دينهن يفرض عليهن عدم الاختلاط يخرق الدستور ويتعارض مع قوانين الدولة النافذة وقيم تعليمها الوطني[5] بما يكون معه من الواجب إدانته.

 

عدم الالتزام بالمناهج الرسمية التعليمية:

أجاز القانون المتعلق بالتربية والتعليم في الفصل 28 بعث مؤسسات تربوية وخاصة لكنه فرض في الفصل 40 منه على هذه المؤسسات أن تلتزم "بتطبيق البرامج الرسمية الجاري بها العمل في المؤسسات التربوية العمومية،" ولم يستثنِ من هذا الالتزام المؤسسات التي تتحصّل على ترخيص من وزارة التربوية يجيزها اعتماد "برامج وتنظيمات خصوصية أو تعدّ لاجتياز امتحانات أجنبية".

ونذكر هنا أن المندوب الجهوي للتربية والتعليم بمدنين منجي منصر نفى كل "صلة للمدرسة بوزارة التربية وهياكلها"[6]. ويرجّح هذا  التصريح الصادر عن جهة رسمية أن يكون كبير أحبار تونس قد استند للفصل 16 من القانون رقم 78 لسنة 1958 المتعلق بتنظيم الشعائر الموسوية[7] الذي يمنحه صلاحية الإشراف على مؤسسات التعليم الديني لطائفته ليفتتح المدرسة الخاصة باليهوديات دون أن يستشعر أي حاجة لتحصيل ترخيص إداري. فكان أن انتهى الرئيس الروحي[8] ليهود تونس لفرض أن يكون التعليم الديني الخاص بطائفته معوضا عن التعليم الرسمي المدني وبديلا عنه فيما كان من قبل مجرد تعليم متخصص مكمّل للتعليم المدني.

أدى بالتالي التوسع في تحديد مفهوم التعليم الديني لخرق فاضح للقانون التونسي الذي يعد التعليم حقا ويتمسك بكون ما يقصد بالتعليم ليس تعليما دينيا يبرر الميز الجنسي ويكرسه وإنما عملية تربوية تؤديها المدرسة بهدف "تنمية الحس المدني لدى الناشئة وتربيتهم على قيم المواطنة وترسيخ الإدراك لديهم بالتلازم بين الحرية والمسؤولية وإعدادهم للإسهام في دعم أسس مجتمع متضامن يقوم على العدل والإنصاف والمساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات".[9] 

 

التعليم الرسمي وحقوق الأقلية اليهودية: السؤال الغائب

يستدعي تصور الدولة الراعية للدين الكافلة لحرية المعتقد الذي تبناه الدستور التونسي في الفصل السادس منه أن تضطلع مؤسسات الدولة بحماية حق الأفراد في دينهم. ويندرج ضمن نطاق تلك الحماية حماية  حقهم في تعلم دينهم أولا وفي تنفيذ شعائره ثانيا. يتبين من نظر النصوص القانونية المنضمة للعملية التربوية بتونس أنه خلافا لما هو واجب فقد أغفلت الدولة حق الأقليات الدينية بها في التعليم الديني، ذاك الحق الذي وفرته لمواطنيها من الأغلبية  المسلمة.

لم تعتمد المؤسسات التربوية في المناهج الرسمية برنامجا لتعليم مادة الدين بالنسبة للتلاميذ اليهود ولم تعترف بحقهم في تلقي تربية دينية بالمؤسسة التعليمية وفرضت عليهم عوض ذلك وفي إطار المنهاج الرسمي تلقي دروسا في التربية الدينية الإسلامية والفكر الإسلامي. ويؤدي هذا المس بالحق في الدين إلى أن تلتجئ الأسر اليهودية لتعليم أبنائها دينهم في المؤسسات التربوية الدينية الراجعة بالنظر للجمعيات اليهودية.

نوضح هنا أنه كان يجب على الدولة التونسية أن تتنبه لحقوق الأقلية اليهودية التي ما زالت هامة نسبيا بجزيرة جربة[10] فتحرص على أن تضمن لأبنائها الحق في تعلم دينهم بمؤسسات التعليم الرسمية وتكرس حقهم في العطل الدينية بما يساوي بينهم وغيرهم من زملائهم المنحدرين من أسر مسلمة. وكان من أثر تقصيرها تعويل تلك الأقلية على مواردها لتوفير تعليم لأبنائها يلائم معتقدهم ويغالي في البحث عن تلك الملاءمة وإن أدت إلى المس بحقوق أساسية أقرتها الدولة التونسية لجميع مواطنيها.

يتبين مما سلف أن التعاطي مع ظاهرة مدرسة البنات اليهوديات بجربة يجب أن ينتهي بفتح ورش إصلاح للتعليم الديني بتونس. ويتعين أن يكون هدفه حماية حقوق الأقلية في المساواة مع الأغلبية في التعليم. وبما ينتهي بمعالجة ما بات يعانيه أطفال اليهود التونسيون من مظاهر تسرب دراسي كما يتصدى لما يتهددهم بفعل قيادات الطائفة من توجه للانعزال عن المجتمع ومن مخاطر التحول لمجموعة دينية منغلقة على نفسها غريبة عن محيطها.

 

مقالات ذات صلة:

الأقليات الدينية بتونس والحق في المواطنة الفعلية: التونسيون اليهود نموذجا

بلدية سوسة تسمي أنهجا بأسماء شخصيات من يهود المدينة: خطوة تعيد الاعتبار لقيم المواطنة

ملفات الأقليات في مسار العدالة الانتقالية: يوم تحاكم الأقلية الأغلبية

 

 

 

 

 


[1] ورد في بلاغ صدر عن وزارة السياحة التونسية بتاريخ 02-06-2019 "هذه المدرسة ليست عموميّة ولا دينيّة مثل ما تمّ تداوله، كما أنّها تدرّس المستوى التحضيري وكل المواد التربويّة على غرار العلوم والرياضيات واللّغات والتاريخ والجغرافيا والتربية البدنية والفنون وغيرها من المواد، بالإضافة إلى ذلك سيضمّ هذا الفضاء الجديد العديد من المدارس الأخرى الخاصّة التي استحال مواصلة  التدريس فيها والموجودة أساسا في الحارة اليهوديّة".

[2]  روني الطرابلسي يكشف حقيقة مدرسة البنات اليهوديات بجربة  - تونيزي تيليغراف -31-05-2019

[3]   بلاغ بتاريخ 01-06-2019

[4]  قانون توجيهي عدد 80 لسنة 2002 مؤرخ في 23 جويلية 2002 يتعلق بالتربية والتعليم المدرسي

[5]   يعد التزام الدولة التونسية   بنبذ التمييز الديني والجنسي في العملية التربوية من  الثوابت اذ نجد  في الفصل الأول  من أول نص قانون يصدر بعد الاستقلال وخصص للتعليم أي القانون عدد 118 المؤرّخ في 4 نوفمبر 1958  ان "  التربية والتعليم يهدفان إلى الأغراض الجوهرية التالية : أولا  تزكية الشخصية وتنمية المواهب  الطبيعية عند جميع الأطفال ذكورا و إناثا   دون تمييز بينهم لاعتبار جنسي أو ديني او اجتماعي  " ونجد ان ذات الالتزام بالمبدأ يتكرر في ثاني أهم برنامج إصلاح تربوي أي القانون عدد 65 لسنة 1991 ،مؤرخ في 29 جويلية 1991 ،بالنظام التربوي  والذي ورد بالفصل الأول منه أن هدف التعليم هو " إعداد الناشئة لحياة لا مجال فيها لأي شكل من أشكال التفرقة والتمييز على أساس الجنس أو الأصل الاجتماعي أو اللون أو الدين "

[6]    المندوب الجهوي للتربية بمدنين يوضّح بخصوص *المدرسة اليهودية للفتيات بجربة - يسرى اللواتي – موقع حقائق أون لاين -31-05-2019

[7]  القانون رقم 78 لسنة 1958 الذي المتعلق  بتنظيم الشعائر الموسوية

[8]   عرف الفصل 16 من القانون السابق كبير الأحبار بكونه الرئيس الروحي للاسرائليين القاطنين بتونس

[9]  الفصل 08 من القانون التوجيهي عدد 80 .

[10] كان عدد المواطنون التونسيون من معتنقي الديانة الموسوية سنة 1921 في حدود  47ألفا و 711 عشر مواطنا بما يمثل نسبة 2,3 % من عموم التونسيين ، سنة 1956 ( أي سنة إعلان الاستقلال ) بلغ عددهم57  الفا ومواطنا 792 بما يمثل نسبة 1,5  %   ويقدر حاليا عدد اليهود التونسيين بألف وخمسمائة مواطن  منهم ألف  يقطنون  جزيرة جربة التي لمعبد الغريبة الكائن بها قدسية خاصة في معتقداتهم .