حين أعلنت المفكرة القانونية عن تضامنها مع القاضي بلال بدر ازاء الاعتداء المرتكب ضده من قبل عناصر من الجيش على حاجز منطقة المشرفية في 30/9/2013، اختارت أن تفعل ذلك من خلال الإضاءة على عدد من الأحكام الصادرة عنه. وتبعا لذلك، تلقت المفكرة أسئلة مشروعة من أشخاص رغبوا بمعرفة المزيد عن أبعاد هذه القضية والأسباب التي دفعت المفكرة الى تمييزها عن سائر الاعتداءات والتجاوزات التي تحصل هنا وهنالك، والتي لم تلق منها بالضرورة تضامنا مماثلا. وإذ سلم معظم هؤلاء بحصول الاعتداء على بدر وبأهمية محاسبة العناصر المعتدية، فقد تركز التساؤل عما إذا كان ثمة محل لامتياز خاص للقضاة، وعما إذا كانت المفكرة التي طالما انتقد مؤسسوها استخدام مفهوم "الهيبة" وتحديدا مفهوم "هيبة القضاة" بما يفترضه من امتياز، قد عادت ومنحت اعتبارا معينا له. وعدا عن أن المفكرة تقيّم عاليا أي تفاعل فكري مع متابعيها، فإنها ترى من خلال عرض الأبعاد الاجتماعية فائقة الأهمية لهذه القضية مناسبة جد هامة لبلورة خلفياتها الفكرية في هذا المجال.
 
البعد الأول: الاعتداء مؤشر إضافي خطير على استباحة القضاة
بمعزل عن الظروف أو الدوافع الحقيقية للاعتداء المرتكب من عناصر الحاجز، فانه ولد لدى القضاة، وخصوصا الشباب منهم، شعورا باستباحة أشخاصهم وصلت الى حد التعرض الجسدي، فصفة القاضي لم تعد توليهم أي حماية، طالما أن الاعتداء حصل رغم ابراز بدر بطاقته المثبتة لصفته. وما زاد هذا الشعور حدة هو حصول هذا الاعتداء تبعا لتراكمات تعكس ازدراء متزايدا لشخص القاضي ووظيفته: فالقاضي الشاب الذي دخل الى العدلية تحت شعار "الاستقلالية"، كان يكتشف يوما بعد يوم أن التدخل في عمله ترغيبا وترهيبا واستعطافا (وكلها تشكل جرائم حسب قانون العقوبات) ليس أمرا معزولا انما يكاد يكون جزءا من عمله اليومي ومن المشهد العام السائد، يمارسه كل صاحب نفوذ ومنهم كبار الضباط، مع ما يستتبع ذلك من آثار سلبية على شعوره بالاستقلالية أو بالسيادة على محكمته وتاليا على ممارسة وظيفته بما فيها من محاسبة وانصاف بشكل مناسب. وهكذا، وفيما كان وزير العدل يطلق عجلة تقييم القضاة في سياق سياسة هجومية لمحاسبة القضاة من دون إيلاء أي اعتبار لضمانات الاستقلالية وما تفرضه من محاذير أو للحد من التدخلات في أعمالهم[1]، كان مجلس القضاء الأعلى يصدر التعميم تلو الآخر لإملاء ارادته على القضاء، وفي مقدمها التعميم الكارثي الصادر في 21/3/2013 والآيل الى منع القضاة من ابداء آرائهم في أي شأن عام، سواء حصل ذلك في نقاشات عامة أم خاصة. وفي هذا الصدد، ما يزال القضاة العاملون في محاكم الشمال يتذكرون اعتداء لا يقل خطورة حصل في 2012 في طرابلس، حيث تدخل ضابط كبير في الأمن العام في عمل أحد القضاة آمرا إياه بإخلاء سبيل شخص مقرب منه، وهو أمر استتبع أيضا تشكيا من القاضي المذكور وسط تخاذل عدد من كبار القضاة الميالين دوما الى اغلاق ملفات مماثلة، بحجة أنه ليس من شأنها أن تجلب الا الأذى على القضاء.  
ومن البديهي إذا في ظل ظروف كهذه، أن يولد الاعتداء الجسدي على بدر تصورا عاما لدى القضاة بتجريدهم من أي حماية، وحتى من حقهم الأكثر بداهة الذي هو حقهم بالحماية الجسدية، وذلك في توجه معاكس تماما لما يجري في دول عربية عدة حيث يتبارى واضعو الدساتير على تعزيز ضمانات استقلالية القضاة. ومن هذه الزاوية، ومع التسليم بأن الاعتداء بالضرب والاهانة والاحتجاز غير المبرر من قبل عسكري ضد أي مواطن أيا تكن وظيفته هو اعتداء خطير، فقد اكتسى الاعتداء في هذه القضية خطورة مضاعفة.
وللتحرر من هذه الأبعاد الاجتماعية المحرجة، تبارى مجلس القضاء الأعلى وقيادة الجيش على تصوير الحادث على أنه حادث فردي لا يتصل بأداء الوظيفة القضائية. وهذا ما نقرأه في بيان مجلس القضاء الأعلى حيث جاء أن المؤسسة العسكرية لا تنتهج المس بالقضاء بل على العكس تحترمه، وهذا أيضا ما نقرأه في بيان الجيش الذي أكد على احترام القضاء مع الدعوة الى تجنب التضخيم (المقصود تحويلها الى قضية عامة). وهذه القراءة تصطدم بالواقع بأمرين اثنين:
-       الأول، أنها تتجاهل تماما التصورات التي ولدها الاعتداء خصوصا لدى القضاة، وهي تصورات تبقى قوية مهما تكن ظروف الحادث أو الدوافع الحقيقية له. فإما يترك القاضي المعتدى عليه وحيدا وسط تشكيك بتفاصيل الاعتداء وتمييع للمحاسبة، فيقوى شعور القضاة باستباحتهم، واما تكون مناسبة لمعالجة قضائية واجتماعية تنتهي بتعزيز ضمانات استقلالية القضاء مما يفرض التعامل معها على أنها مشكلة عامة، فنكون اذ ذاك أمام تصحيح لمسار الأمور.
-       الثاني، أنه من غير الملائم في ظل هشاشة استقلالية القضاء، أقله لصعوبات عملانية، تمييز الاعتداء الحاصل ضد قاض بمناسبة وظيفته القضائية عن الاعتداء الحاصل ضده مع العلم المسبق بصفته. فإذا سلمنا جدلا أن هذا الاعتداء حصل بمعزل عن أي قضية قضائية (وليس لدينا أي معطى للتشكيك أصلا بذلك)، فما الذي يضمن غدا في حال التغاضي عنه أو استصغاره، ألا يحصل اعتداء مدبر وبسابق تصور وتصميم ترهيبا لقاض بشأن حكم سيصدره أو انتقاما منه لحكم أصدره، من دون أن يكون من الممكن اثبات أي رابط بين هذا وذاك؟
وبالطبع، الدعوة الى التشدد في قضايا اعتداء مماثلة لا تعني الوقوع في محظور "هيبة القضاء" أي في المفهوم الذي يفترض تحصين القضاة ازاء أي تعرض أو انتقاد وان كان محقا أو منحهم أي امتياز من أي نوع كان. فبقدر ما يكون التأثير سلبيا على الوظيفة القضائية في حال استباحة القاضي، كذلك يكون في حال تقديسه وتنزيهه عن أي انتقاد، ولا سيما في الحالات التي يثبت فيها خروج القاضي كليا عن الوظيفة القضائية، حيث يصبح انتقاده شرطا لصون هذه الوظيفة وإعادة الاعتبار اليها.
 
البعد الثاني: حراك القضاة لمواجهة الاستباحة: التعاضد ضد الهرمية القضائية
أما البعد الثاني، والذي لا يقل أهمية، هو أن شعور القضاة الشباب بالاستباحة سرعان ما أدى الى تعزيز شعور آخر لا يقل قوة ومفاده أن مجلس القضاء الأعلى قاصر الى حد كبير عن الدفاع عن استقلالية القضاء وأنه بأية حال غير مؤهل في ظل تعيين غالبية أعضائه الساحقة من السلطة التنفيذية (8/10) لتمثيلهم، فضلا عما يشكله عليهم من خطر من خلال احتكار النطق باسم جميع القضاة وفق التوجه الذي يريده، ومن دون اشراك القضاة في أي من قراراته.
ومن هنا، نشأت عن هذه القضية ردود أفعال تضامنية لافتة واستثنائية في أوساط القضاة، وخصوصا الشباب منهم، سرعان ما اتخذت طابع مواجهة ليس ازاء المؤسسة العسكرية بل قبل كل شيء إزاء مجلس القضاء الأعلى: فمن جهة أولى، أعلن عدد من القضاة من تلقاء أنفسهم تعليق جلساتهم احتجاجا من دون أي تغطية من مجلس القضاء الأعلى، وذلك للمرة الأولى بتاريخ قصور العدل منذ 1982 في ظل حراك اللجنة القضائية المؤقتة[2][ns1] . ومن جهة ثانية، تداعى هؤلاء الى اجتماعين في 1/10/2013 و 7/10/2013 حضرهما عشرات القضاة وتوافقوا على ضرورة انشاء ناد يتولى الدفاع عن مصالحهم واستقلالهم بشكل مناسب ضمن أقصر المهل. ولا نبالغ إذا قلنا إن هذه القضية قد نجحت في تحريك القضاة أكثر من أي قضية أخرى منذ 1999 حين تم استدعاء القضاة الى خدمة العلم. كما عمد القضاة الى تناقل حادثة الاعتداء كما رواها بدر على وسائل التواصل الاجتماعي (الفيسبوك) على نحو أدى الى استخدام هذه الوسائل للمرة الأولى في تعزيز التواصل والتضامن فيما بين القضاة، كاسرين بذلك تعميم المجلس بالامتناع عن التعبير عن آرائهم على هذه الشبكة. وبما لا يقل أهمية عن ذلك، هو الانقسام الحاصل داخل مجلس القضاء الأعلى نفسه حول كيفية التعامل مع هذه القضية وتحديدا حول صيغة البيان المزمع إصداره. وقد حسم هذا النقاش بالتصويت بعدما فرضت الغالبية تجريده من العبارات التي من شأنها إعطاء الاعتداء أي طابع تصادمي أو طابع عام: وهكذا، تم استبدال عبارة "التنديد بشدة" بعبارة "التحفظ بشدة"، كما شطبت أي إشارة الى وجود مخاوف من "أن تؤدي ممارسات فردية شاذة ومستهجنة وغير مسبوقة إلى استسهال التطاول على القضاة". والى ذلك، جاءت زيارة رئيس مجلس القضاء الأعلى لقيادة الجيش غداة الحادثة لتزيد من استفزاز القضاة الشباب ضد الهرمية، ليس فقط لأنها مخالفة للبروتوكول، ولكن أيضا لأن الاعتداء قد حصل من قبل عناصر عسكرية ضد قاض، وأنه كان يتعين إذا على قائد الجيش أن يزور قصر العدل اثباتا لاحترامه له وليس العكس.
ومهما تكن النتيجة التي سيسفر عنها هذا الحراك القضائي، فانه قد ترك دون ريب أثرا عميقا على وعي القضاة إزاء أهمية وجود تجمع قضائي يمثلهم ويدافع عن مصالحهم وعن استقلال القضاء ويكون ضابطا لعمل مجلس القضاء الأعلى. وهو وعي لا بد أن ينتج ثماره قريبا في اتجاه إعادة تحديد العلاقة بين القاضي ومجلس القضاء الأعلى الذي غالبا ما انقلب على وظيفته في ضمان استقلالية القضاة للتحول الى ذراع للسلطة السياسية غالبا ما تستخدم لتدجين القضاة والتدخل في أعمالهم.
 
البعد الثالث: انعكاسات الحادثة على طبيعة العلاقة بين المؤسسات الأمنية والقضاء
أما البعد الثالث للقضية، فهو يتصل بطبيعة العلاقة بين القضاء والمؤسسات الأمنية. وهو يتأتى عن موقف قيادة الجيش والذي كان غير مرض. فبدل أن تبادر هذه القيادة الى خطوات من شأنها التأكيد بوضوح على مكانة القضاء وأولويته، اكتفت بإصدار بيان جد ملتبس نستشف منه مواقف ثلاثة: 
-الأول، وصف الاعتداء بالإشكال وما تداوله الاعلام على أنه معلومات منافية للحقيقة ومضخمة حول ظروفه، خصوصا تعرض القاضي للإساءة من قبل العسكريين؛ وقد بدت قيادة الجيش من خلال ذلك وكأنها تشكك بالخبر بعبارات عامة من دون أن تعطي أي رواية خاصة للوقائع؛
-الثاني، السعي الى حصر المسألة في إطار خاص وشخصي، من دون أن تتحمل قيادة الجيش ولو مسؤولية معنوية من جراء عمل عناصرها. ومن هذه الزاوية، خلا التوضيح عن أي اعتذار أو حتى عن اعتراف بخطأ المؤسسة. لا بل أن التوضيح تعمد عدم ذكر اسم القاضي مكتفيا بالإشارة الى أحد القضاة وكأنما القاضي يبقى نكرة بعرف هذه القيادة،  
-الثالث، التبرؤ من أي مسؤولية بحجة ان القضية سلكت طريقها الى القضاء الذي هو بالحقيقة "القضاء العسكري" بما يعتريه من عيوب. وبذلك، امتنعت قيادة الجيش عن الإعلان عن مباشرة أي ملاحقة مسلكية للعناصر المذكورة، وكأنما ما فعلوه لا يستوجب أي ملاحقة من هذا النوع.
وقد بدا وكأنما الهدف الأوحد لهذا البيان هو الحفاظ على سمعة الجيش من دون إيلاء أي اعتبار لتأثيرات الاعتداء الحاصل على استقلالية القضاء ومشاعر القضاة الشباب ازاءه. وبالطبع، ما سهل عمل قيادة الجيش في هذا المجال هو موقف رئيس مجلس القضاء الأعلى الذي اختار أن يرد على الاعتداء بزيارة قائد الجيش كما أشرنا اليه أعلاه الى جانب التعبير عن "شديد التحفظ". ومن اللافت أنه لم يعقب الزيارة المذكورة أي موقف تقدير للقضاء، بل مجرد اعلان بأن الرجلين تباحثا بشؤون قضائية كما ورد في الوكالة الوطنية. فللجيش والأمن المقام الأول في هذه الظروف، أما العدالة فهي تبقى من الكماليات.
وفيما اختلفت الأشياء فيما بعد الى حد ما مع تنامي اعتراضات القضاة وبدء تحول القضية الى قضية رأي عام، فان أقصى ما وصلت اليه قيادة الجيش هو ابداء شديد حرصها على اغلاق الملف بالمصالحة وباعتذار العسكريين للقاضي بعيدا عن أي اعلان أو اعلام. فاسترضاء القاضي المعتدى عليه لا يجب أن تتم على حساب سمعة الجيش.

 [ns1]Hyperlink
على الدراسة التي نشرناها الأسبوع الماضي عن:
حين تجمع القضاة