بعد ثورة 30 يونيه 2013، صدرت قرارات وزارية بمنح الضبطية القضائية لبعض الموظفين بالنسبة للجرائم التى تقع في دوائر اختصاصهم وتكون متعلقة بأعمال وظائفهم. وقد مرت بعض هذه القرارات دون اعتراض يذكر، لكن قرارات أخرى أثارت جدلا واسعا، منها قرار منح الضبطية القضائية لموظفى الأمن بالجامعات المصرية. وقبل المضي في النظر في مخاطر التوسع في منح الضابطة القضائية، يجب بداية إبداء بعض الملاحظات بشأن المقصود بالضبطية القضائية وسلطاتها، لأن بعض من يعارضون منح صفة الضبطية القضائية ينطلقون فى الغالب من سوء فهم لحقيقة الضبطية القضائية أو من المبالغة فى قدر السلطات الممنوحة لمأموري الضبط.  
 
أولا: ماهية الضبطية القضائية:
تمارس الدولة في مواجهة الجرائم مهمتين: الأولى وقائية هدفها منع وقوع الجرائم عن طريق ضبط الأمن والنظام فى المجتمع. ويطلق على هذه المهمة الضبطية الإدارية، ويتولاها رجال الشرطة، ووسائلهم فى ذلك الدوريات الأمنية وحراسة المنشآت والتحقق من شخصية الأفراد...الخ. والثانية تبدأ عندما تقع الجرائم، فعلى الدولة الكشف عن هذه الجرائم ومرتكبيها، وإجراء التحريات وجمع الاستدلالات اللازمة للتحقيق الجنائي الذي يتولاه قاضى التحقيق أو النيابة العامة. ويطلق على هذه المهمة الضبطية القضائية، ويتولاها أشخاص يطلق عليهم "مأمورو الضبط القضائي"، وهم الموظفون المكلفون قانونا بإجراءات التحري عن الجرائم ومرتكبيها وجمع الاستدلالات، ويتمتع هؤلاء في ممارستهم لمهمتهم هذه بصفة "الضبطية القضائية". وقد نصت على مهمة هؤلاء الموظفين المادة 21 من قانون الإجراءات الجنائية المصرى بقولها "يقوم مأمورو الضبط القضائى بالبحث عن الجرائم ومرتكبيها وجمع الاستدلالات التي تلزم للتحقيق في الدعوى". وهي تشمل تلقى البلاغات والشكاوى التي ترد إليهم بشأن الجرائم ومرتكبيها وجمع الاستدلالات التي تلزم للتحقيق في الدعوى الجنائية، ولهم في سبيل ذلك دخول المحال العامة في أحوال معينة لكشف الجرائم، وايقاف السيارات العامة وسيارات الاجرة وتفتيشها، واجراء التحريات وجمع الايضاحات اللازمة لتسهيل تحقيق الوقائع التي تبلغ إليهم     أو التى يعلمون بها بأي كيفية.
ولغاية تمكينها من القيام بعملها، منح قانون الاجراءات الجنائية رجال الضبطية القضائية سلطات عدة، تشمل سماع أقوال من يكون لديه معلومات عن الوقائع الجنائية ومرتكبيها، سواء كان هو المتهم أو الشهود. ولهم كذلك ندب الخبراء إذا احتاج الأمر الى رأى فني في ظروف الحادث. ولمأمور الضبط القضائي في أحوال التلبس بالجنايات والجنح التي يعاقب عليها بالحبس لمدة تزيد على ثلاثة أشهر أن يأمر بالقبض على المتهم الحاضر الذي توجد دلائل كافية على اتهامه. ولمأمور الضبط دخول الاماكن الخاصة في أحوال محددة (م.45إ.ج). ويجب على مأمور الضبط القضائي أن يثبت الإجراءات التي قام بها في محضر موقع عليه منه ومن الشهود والخبراء الذين سمعوا.

وقد حددت المادة 23 من قانون الإجراءات الجنائية، أن مأموري الضبط القضائي ينقسمون إلى طائفتين: الاولى هي طائفة مأموري الضبط القضائي ذوي الاختصاص النوعي العام، أي الذي يشمل كافة الجرائم، والثانية هي طائفة مأموري الضبط القضائي ذوي الاختصاص النوعي الخاص، أي المحدد بجرائم معينة وردت في القانون على سبيل الحصر.

والتوسع الحاصل حاليا في منح الضبطية القضائية إنما يتصل بمأموري الضبط القضائي ذوي الاختصاص النوعي الخاص، حيث نصت المادة 23 فقرة ثالثة من قانون الإجراءات الجنائية على أنه "يجوز بقرار من وزير العدل بالاتفاق مع الوزير المختص تخويل بعض الموظفين صفة مأموري الضبط القضائي بالنسبة إلى الجرائم التي تقع في دوائر اختصاصهم وتكون متعلقة بأعمال وظائفهم".

وكان قانون الاجراءات الجنائية عند صدوره سنة 1950 قد أناط بالمشرع وحده صلاحية منح صفة الضبطية القضائية بقانون يصدره لهذا الغرض. لكن نص المادة 23 المذكور أعلاه عدل بالقانون رقم 37 لسنة 1957 ليجعل منح الضبطية القضائية الخاصة بقرار من وزير العدل بالاتفاق مع الوزير المختص. كما نصت الفقرة الأخيرة من المادة 23 على اعتبار النصوص الواردة في القوانين والمراسيم والقرارات الاخرى بشأن تخويل بعض الموظفين اختصاص مأموري الضبط القضائي بمثابة قرارات صادرة من وزير العدل بالاتفاق مع الوزير المختص، فيجوز له تعديلها بقرار إداري على الرغم من ورودها في قوانين. وقد انتقد بعض الفقه هذا التعديل للمادة 23 الذي سلب اختصاص البرلمان لصالح وزير العدل ممثل السلطة التنفيذية في مسألة تتعلق بحريات المواطنين. ورأى البعض الآخر أن التعديل أريد منه تبسيط إجراءات منح صفة الضبطية القضائية بقرار من وزير العدل على أساس أن ذلك من قبيل التفويض التشريعي.
 
التوسع في منح صفة الضبطية القضائية:
قد يكون منح الضبطية القضائية لبعض الموظفين أمرا لازما لتمكينهم من حسن أداء الواجبات المفروضة عليهم، وهذا أمر لا مأخذ عليه. لكن التوسع فى منح صفة الضبطية القضائية دونما ضرورة واضحة هو الذي يثير القلق لدى المواطنين ورجال القانون والحقوقيين. وبعد ثورة 25 يناير، حدث توسع فى منح صفة الضبطية القضائية، وفى الأيام القليلة الماضية منح وزير العدل صفة الضبطية القضائية للعاملين بجهاز حماية المستهلك وبعض قيادات وزارة البترول وموظفي الأمن المدني بالجامعات. كما تقدمت جهات أخرى بطلبات للحصول على صفة الضبطية القضائية ، مثل العاملون فى دار الكتب والوثائق القومية، وهو ما يؤدى إلى انتشار عدوى المطالبة بالحصول على حق الضبطية القضائية من موظفين فى قطاعات مختلفة من الدولة، بعضها ليس بحاجة إلى الحصول على هذه الصفة سوى لضرورات الوجاهة الاجتماعية، وقد ينتج عن المبالغة فى منح صفة الضبطية
القضائية الانحراف بها عن الغاية المستهدفة من تقرير القانون لها.   

وتتعاظم  مخاطر الاسراف فى منح الضبطية القضائية فى ظل السلطات التى تخولها هذه الصفة لمن يتمتع بها، فله سلطة القبض فى أحوال معينة، وتحرير محاضر رسمية تكون حجة في إثبات ما ورد بها، وله سماع أقوال المتهم والشهود. وقد يقول قائل إن مأمورى الضبط القضائى يخضعون للرقابة والمساءلة، فهم يتبعون النائب العام ويخضعون لإشرافه فيما يتعلق بأعمال وظائفهم. وللنائب العام أن يطلب إلى الجهة المختصة النظر فى أمر كل من تقع منه مخالفات لواجباته الوظيفية أو تقصير فى عمله، وله أن يطلب رفع الدعوى التأديبية عليه، دون إخلال برفع الدعوى الجنائية (م.22إ.ج). كما يشير البعض إلى أن وزارة العدل لا تمنح الضبطية القضائية بشكل عشوائي، لكنها تمنحها لمن يستحقها من أجهزة الدولة لإنجاز العمل بشكل جيد، وأن الظروف التى تمر بها البلاد تجعل من الضرورى الحصول على الضبطية القضائية للحد من الفوضى والانفلات في قطاعات مختلفة، يعمل فيها البعض على تعويق أجهزة الدولة عن أداء وظائفها والوفاء بحاجات الناس وتحقيق مصالحهم.
 
الضبطية القضائية في الجامعات:
أكثر القرارات التى أثارت جدلا واسعا على مستوى الجمهورية القرار الخاص بمنح الضبطية القضائية لموظفى الأمن فى الجامعات. ولم يقتصر رفض هذا القرار على طلاب الجامعات وحدهم، وهم لم ينتظموا فى الدراسة حتى تاريخه، بل شمل الرفض والاستنكار قيادات جامعية عليا من رؤساء جامعات، بعد أن صاروا منتخبين، ورفضه  حتى وزير التعليم العالي ذاته.

فقد استنكرت قيادات طلابية هذا القرار، معتبرة إياه بداية لفرض إرادة الدولة ورأيها على الطلاب، وتحجيم الانشطة الطلابية داخل الجامعات، وأن طلاب الجامعات لن يقبلوا التفريط فى مساحة الحرية التى حصلوا عليها ولن يتنازلوا عن استمرار الانشطة الطلابية.
كما رفضت قيادات جامعية قرار منح الضبطية القضائية، وأعلن رؤساء جامعات القاهرة وبنها وحلوان وسوهاج والزقازيق وقناة السويس رفضهم تطبيق قرار الضبطية القضائية في جامعاتهم. ورفض أعضاء نقابة هيئة التدريس بجامعة عين شمس منح الضبطية القضائية لأفراد الأمن الإداري، معتبرين أن الهدف الحقيقي من القرار هو الضغط على النشطاء داخل الحرم الجامعي ، لاسيما المعارضين منهم .

وبالمقابل رحبت قيادات جامعية بقرار منح الضبطية لموظفي الأمن بالجامعات، معتبرة أن القرار لا علاقة له بالنشاط الطلابي وحرية التعبير عن الرأي، وأن المقصود منه مواجهة حالات ارتكاب جرائم جنائية داخل الحرم الجامعي، مثل حالات العنف والمخدرات وقضايا الآداب والتحرش الجنسى وحمل والسلاح، وهي أمور زادت بعد رحيل الحرس الجامعي بحكم قضائى. كما أن المباني الجامعية بها آلات ومعدات تحتاج إلى حماية، ولا توجد سلطات كافية لرجال الأمن الإداري لضمان هذه الحماية.

وأعلن حسام عيسى وزير التعليم العالي أنه لم يصدر قراراً بشأن الضبطية القضائية، ولم يطلب من وزير العدل تقريرها، ولكن الطلب صدر من وزير التعليم العالي السابق إلى وزير العدل السابق. ودعا وزير التعليم العالي المجلس الأعلى للجامعات إلى رفض قرار الضبطية القضائية.
وأخيراً أعلن الأمين العام للمجلس الأعلى للجامعات أن العام الدراسي الجديد سوف يبدأ دون تطبيق الضبطية القضائية، وذلك لعدم صدور قرار من وزير العدل بتطبيقها بالجامعات. وقرر أن المجلس الأعلى للجامعات سوف يطالب رؤساء الجامعات بعرض الضبطية القضائية على مجالس الجامعات لمناقشتها وإتخاذ قرار بشأن تنفيذها من عدمه. وصرح مصدر قضائي بوزارة العدل بعدم صدور قرار الضبطية القضائية من وزير العدل بخصوص الجامعات، وقد يؤدي هذا التصريح إلى إمتصاص غضب الطلاب وبعض القيادات الجامعية قبيل بدء العام الدراسي الجديد. لكن مناخ عدم الثقة السائد فى المجتمع المصرى بين الطلاب المنتمين للتيارات الاسلامية والسلطة الحاكمة قد لايساعد على التهدئة المطلوبة.
والحق أنه جرت المبالغة في موضوع منح الضبطية لموظفي الأمن بالجامعات، وقد غاب عن المعارضين أن الجامعات قطاع من المجتمع يحتاج إلى ضبط الأمن فيه في مواجهة أعمال العنف والبلطجة والتخريب التي تفاقمت بعد ثورة 25 يناير 2011، وتشير بعض الدلائل إلى أن الجامعات قد تشهد المزيد منها بعد ثورة 30 يونية 2013، سعياً لتعطيل الدراسة. ولا يجوز أن يكون الخوف من إساءة استعمال الضبطية القضائية مبرراً لمنعها مطلقاً، وإلا فكيف يتم حفظ الأمن وحماية حياة الطلاب وأعضاء هيئة التدريس وسلامتهم بواسطة موظفي أمن لا يملكون حتى مجرد تحرير محاضر رسمية تكون لها الحجية في إثبات ما ورد فيها من وقائع، ويمكن أن تستند إليها السلطات القضائية في الإثبات؟ أما الخشية من أن تكون الضبطية القضائية وسيلة للحد من حرية التعبير عن الرأي للطلاب أو الأساتذة، فقد كانت حجة يمكن قبولها قبل ثورة 25 يناير، ولا بد من قياسها اليوم بالحاجة الماسة لتأمين المنشآت الجامعية والأشخاص الذين يوجدون في داخلها. لكن آفة المجتمع المصري أن القرارات تهبط من علٍ على المعنيين بها كالصاعقة من دون حوار مجتمعي، جاد يوضح الجوانب المختلفة لهذه القرارات وأهميتها، فيكون وقع المفاجأة هو أحيانا سبب الرفض والمعارضة ولو لم تكن هناك أسباب موضوعية لذلك. من أجل ذلك قد يكون من الملائم إجراء استفتاء بين طلاب وأساتذة الجامعات والعاملين بها على موضوع الضبطية القضائية بعد فترة من الحوار الجامعي الجاد الذي لا يستثنى أحدا، كما قد يكون من الأكثر ملاءمة التفكير في منح حق الضبطية القضائية لأعضاء هيئة التدريس بالجامعات، على أن يكون موظفو الأمن الجامعى من مساعديهم في هذه المهمة.