في الباحة التابعة لمصلحة سكك الحديد والنقل المشترك، وإلى جانب عربات القطار القديمة التابعة لمحطة القطار في مار مخايل – بيروت، أعلن تحالف تراكس TRACS انطلاقته في 20 شباط 2019. وضعت الكراسي لاستقبال الزوار إلى جانب تلك العربات التي حلّت مهترئة وتآكلها الصدى، وتعرضت للسرقة بعدما سُلبت منها الحياة إبان الحرب الأهلية اللبنانية، فاتخذت الجمعيات المتحالفة من المكان رمزية للتأكيد على ضرورة إعادة إحياء سكة الحديد، وتطوير النقل المشترك في لبنان.

يتألف التحالف من جمعيات معنية بالنقل العام والسير والسلامة المرورية، وهي Yasa، Lassa، Train Train، BIKE Lebanon، Bus map me. خلال المؤتمر أعربت الجمعيات أن الهدف من تراكس هو وضع استراتيجية مترابطة وشاملة لقطاع النقل في لبنان، عبر خلق شراكة مع الإدارات المتخصصة في هذا المجال للوصول إلى حلول مستدامة. ويسعى التحالف إلى المساهمة في دعم الإدارة الناظمة لهذا القطاع لأجل تنفيذ خطط السير المتكاملة، بشكل يخفف التأثير السلبي على البيئة والاقتصاد. ولا يخفي التحالف وجود خطط لدى الحكومة لإدارة السير وهي تعود إلى سنوات عدة وآخرها في العام 2016، إلا أنها برأيهم تحتاج للترابط ولتوحيد الرؤية التي تتطرق إلى كافة جوانب عمليات النقل، أي من تكنولوجيا السيارات الحديثة والصديقة للبيئة، والدراجات الهوائية والتي أظهر التحالف اهتماماً كبيراً بها. كما تحتاج هذه الرؤى بحسب رأيهم إلى رفع قدرات المرافئ البحرية وخدمات الترانزيت والسياحة، وتطوير وتوسيع مطار بيروت. ويولي التحالف بشكل خاص اهتماما بالنقل المشترك الداخلي، في طليعتها الباصات العصرية كما القطار السريع لنقل الركاب والبضائع، والذي يربط العاصمة بجنوبها وشمالها. ومن شأن هذه الرؤية المتكاملة أن تساهم في وضع حد لأزمة السير في لبنان والحدّ من الانبعاثات الملوثة جراء تزايد استعمال السيارات الخاصة بسبب عدم وجود نقل مشترك فعال.

عرض التحالف معطيات حول أزمة السير في لبنان وتداعياتها على الاقتصاد والبيئة من خلال فيديو تم عرضه في المؤتمر يُشير إلى "5 ملايين رحلة في بيروت يومياً و400 ألف سيارة تدخل بيروت بمعدل 1.2 راكب في السيارة، خاصة وأن الدولة تمتلك فقط 37 باص في ظل وجود مليوني راكب يتنقلون يومياً. وبسبب تزايد عدد السيارات بشكل جنوني خلال الـ 20 سنة الأخيرة، إذ وصلت إلى مليون ونصف سيارة في العام 2018، ومع توقع زيادة عدد الكميونات في العام 2025، فإن 60% من وقت الرحلة يمضيها السائق في الزحمة وفي وقت الذروة بسبب السير المتوقف أو السرعة البطيئة التي لا تتخطى 30 كلم بالساعة. بالتالي فإن هذا لا ينعكس فقط على الوضع النفسي الذي يترك الأثر السلبي على نفسية المواطن إنما على الاقتصاد، بحيث أن الزحمة تُكلف الدولة اللبنانية ما لا يقل عن 2 مليار دولار أي 4% من الناتج المحلي. وعلى الصعيد البيئي فإن قطاع النقل مسؤول عن 25% من الانبعاثات الملوثة، ما يستدعي السؤال عن سبب تأخر حسم قيمة 20% من الرسوم الجمركية عن السيارات الصديقة للبيئة.  

وأما بالنسبة لموضوع سكك الحديد، يلفت التحالف إلى أن لبنان يملك مساحة 403 كلم مخصصة لسكك الحديد والتي لا يستفيد منها أبداً، مفترضاً إنشاء قطار بين بيروت وطرابلس ليتمكن من نقل 2000 راكب في الساعة، فماذا لو كان لدينا أكثر من قطار؟ ومن شأن القطار أن يخفف عبء دخول وخروج حوالي 3400 شاحنة كل يوم من وإلى مرفأ بيروت. وتلفت معطيات التحالف إلى أنه يوجد دراسات متوفرة لعودة سكك الحديد. وآخر دراسة جرى إعدادها في العام 2016 لخط بيروت طرابلس وبكلفة قدرت أقل بـ 3 مرات من تكلفة أوتوستراد العقيبة.

على بُعد نحو السنة من انعقاد مؤتمر سيدر وفي ضوء التمويل الذي حصل عليه لبنان لأجل مشاريع تنموية في البنى التحتية، فإن مبادرة تراكس للحوار حول وضع استراتيجية شاملة لقطاع النقل في لبنان، تأتي تحسباً ألا يتم هدر تلك الأموال على توسيع الأوتوسترادات وبناء الجسور. وبمعنى آخر، يشرح رئيس جمعية تران تران كارلوس نفاع لل "المفكرة" أن "الدولة اعتمدت تنفيذ الإصلاحات بالمفرق في السابق، لكنها لم تعالج أزمة السير بسبب عدم انبثاق الحلول من رؤية واضحة وشاملة". وهو يضيف: "تراكس هي مظلة تجمع الجمعيات المتخصصة بقطاع النقل، تجتمع على طاولة مستديرة لمقاربة موضوع النقل العام من كافة الجوانب، كذا ووضع استراتيجية شاملة وعصرية".

من جهته، يقول رئيس مجلس إدارة سكك الحديد والنقل المشترك زياد نصر أن "المصلحة بالتعاون مع وزارة النقل والأشغال العامة وضعت جملة من المشاريع الطموحة التي تهدف إلى إيجاد الحلول المناسبة لواقع النقل في لبنان، لا سيما مشروع النقل المشترك لبيروت وضواحيها الذي بدأ منذ أكثر من عشر سنوات لكنه تأخر بسبب عدم تأمين التمويل المناسب له". يضيف نصر، "أمّا الآن بعدما أصبح هناك إمكانية لتأمين التمويل من خلال البنك الدولي، فعسى أن يسلك المسار نحو تنفيذه". ولفت إلى وجود تمويل من الاتحاد الأوروبي لأجل تنفيذ مشروع نقل (باصات) في طرابلس وضواحيها، وسيتم إطلاقه من مكتب وزير الأشغال العامة والنقل قريباً". لكن نصر في الوقت نفسه يكشف عن هواجسه جراء تنفيذ خطط السير في لبنان، وذلك إن حصلت "دون تفعيل وتعزيز إمكانيات المؤسسات المعنية بهذا المرفق الحيوي". ويُضيف إلى ذلك، "ضرورة تأمين منظومة نقل متكاملة فالنقل ليس فقط طرقا وجسورا وأرصفة، على أهميتها، إنما دون تنظيم نقل متكامل تبقى هذه الحلول قاصرة". ويعتبر نصر أنه "لا يجوز مقاربة أي حل للنقل وحصره فقط بالربح المباشر من جيوب اللبنانيين، بل يتعين علينا أن نحيطه بالانعكاسات الإيجابية على كافة المستويات التي يحققها النقل العام، إن كانت اقتصادية أو سياحية وبيئية". وأخيراً، يلفت نصر إلى أهمية عدم تجزئة الملف ضمن الأطر القائمة على مستوى البلديات، بل منظومة متكاملة تسعى لتأمين الربط بين مختلف القرى والبلدات الذي يتجاوز الصلاحيات الإدارية المناطة بالبلديات".

 

الأشخاص المعوقون: لا تنسونا في خططكم

بعد الانتهاء من التصريحات، فُتح المجال أمام الحاضرين للنقاش، فتطرق عضو الاتحاد اللبناني للأشخاص المعوقين حركياً فادي الصايغ إلى مسألة عدم التفات الدولة بتأمين وسائل نقل تلحظ الأشخاص المعوقين. وطالب الصايغ الجمعيات والمسؤولين بأن ينظروا إلى الأشخاص المعوقين في أية خطة يعزمون على وضعها. وجاء في كلامه، "نحن دائماً مهمشون في أي تخطيط، ولنا الحق في التنقل والحقيقة أنه لا يوجد أي باص مجهز. وعدتنا الوزارة منذ 10 سنوات بتأمين 250 باص مجهز ولكنهم لم يصلوا بعد" بحسب تعبير الصايغ. وأضاف، "نريد أن تلتفتوا لحقوقنا عندما تفكرون بالمترو أو بالباص". من جهته، رد نصر على كلام الصايغ لافتاً إلى أنه "لم يتم تأمين الأموال اللازمة لشراء الباصات التي تكلمت عنها". وأكد أن “كافة المشاريع التي وضعتها المصلحة تلحظ الأشخاص المعوقين، وتتطرق إلى الحلول المناسبة ليتمكن أي أحد أن يستخدمها". وأشار إلى أنه "صحيح أن وسائل النقل الموجودة حالياً لا تراعي الأشخاص المعوقين، لكن المصلحة كانت مخيرة بين أمرين: إمّا أن توقف خدماتها نهائياً أو أن تستمر كحد أدنى بالإمكانيات التي حددت لها". ولفت إلى أنه "يجب أن نسعى جاهدين لأجل تصويب الإدارة لمكان تقصيرها من باب الموضوعية، ومن ناحية أخرى معرفة قدرات الإدارة على مستوى الإمكانيات البشرية والمدنية".