قلما نتحدث عن استقلالية القضاء. وحين نتحدث، فإن ذلك يتم عادة كردة فعل على إجراء قضائي في إطار قضية معينة.  فكأننا نتبيّن فجأة أن بإمكان بعض القضاة أن يخيّبوا الانتظارات المشروعة للمواطنين، أن بإمكانهم أن يفسروا القوانين أو حتى الوقائع على نحو يجافي المنطق السليم، أن بإمكانهم أن يقيسوا الأمور بميزانين مختلفين: ميزان للضعفاء حيث يكفي أدنى دليل لملاحقتهم وأحيانا إ لدانتهم، وميزان للأقوياء حيث تصبح الأدلة مهما قويت، غير حاسمة، وبكلمة أخرى، أن بإمكانهم أن لا يكونوا مستقلين أو محايدين كما يفترض بهم

أن يكونوا. وحين نقول أن بإمكانهم، فذلك يعني بعض القضاة وليس كلهم طبعا.  وغالبا ما يتم التعبير عن ردة الفعل هذه بكثير من الاستهجان، استهجان

سرعان ما يتلاشى أمام تدفق الأحداث والقضايا. ما نصفه هنا ليس متخيلا ولا استثنائيا، بل هو ينطبق على قضايا كثيرة ومتكررة. والمشترك بين هذه المواقف المستهجنة، أنها تقتصر على التشكي من واقع مخالف لما يفترض به أن يكون )استقلال القضاء(، من دون أن يتبعها أيّ جهد لفهم الأسباب التي أفقدت القضاء اللبناني الكثير من ثقة الناس فيه، أو أكثر تحديدا أي جهد لتحويل القضايا الخاصة التي ترهق أشخاصا أو فئات معينة إلى قضية عامة أكبر، قضية استقلال القضاء.

 

من هنا، هذا الكتاب الذي تقدّمه "المفكرة القانونية" ليس عاديّا. فهو ليس ردّة فعل على حدث معيّن ولا هو مرتبط بظرف معين، بل هو يضمّ خلاصات مراقبتها وأبحاثها على مدى سنوات في مجال التنظيم القضائي، والتي سبق نشرها في 18 ورقة بحثية منفصلة. وهدفها من ذلك تحقيق أهداف عدة، هي الآتية:

 

الأول، سدّ فراغ في المجال المعرفي حول القضاء. فبخلاف الأمر حول أنظمة الانتخابات النيابية حيث بوسع القارئ الاطلاع على مراجع عديدة، تبقى الكتابات حول تنظيم القضاء )وهو سلطة دستورية( شحيحة وفي حال وجودها مجتزأة. والفائدة المباشرة لهذا العمل هو تمكين أيّ مهتم بالشأن القضائي من التعرف عن كثب على تفاصيل البيئة المهنية التي يعيش فيها القضاة في لبنان، وما يتعرّضون له من ضغوط وتصورات، والأهم على أبعادها وتأثيراتها على المنظومة الحقوقية والقضائية برمتها.

فما هي المؤسسات الناظمة للقضاء، وما مدى استقلاليتها؟ كيف تكتسب صفة القاضي؟ كيف يتوزع القضاة جندريا وطائفيا؟ كيف يتم إعمال مبدأ المناصفة داخل القضاء؟ وما هو معنى اعتماده في هذا المجال ومؤداه؟ ما هي أشكال التمييز بين القضاة؟ كيف تجري المناقلات القضائية للقضاة؟ ما هي السلوكيات التي يتعين على القاضي وفق شرعة الأخلاقيات اللبنانية التقيد بها، وما سرّ تمايزها عن الشرعة الدولية في مجال الحريات؟ ما هي ضمانات الاستقلالية أو وسائل الحماية التي يمكن للقاضي اللجوء إليها في حال تعرضه لضغط أو تدخّل؟ ما هي الطرق المعتمدة لمحاسبة قاضٍ أو تقييم عمله؟ هذه هي نماذج عن بعض الأسئلة التي نطرحها ضمن فصول هذا الكتاب. وقد سعينا من خلالها إلى إعادة النظر بعدد من المفاهيم والسياسات التي غالبا ما يتم إبرازها كمسلّمات رغم المخاطر الناتجة عنها وفي الوقت نفسه إلى استعادة عدد من التجارب كالتحركات القضائية، والتي غالبا ما يتمّ طمسها في الخطاب الإصلاحي القضائي، وكأنّما يراد محوها من ذاكرة ما حصل، تمهيدا لمحوها من المخيلة كأمر يحتمل حصوله.

 

الثاني، تحسيس الرأي العام حول مخاطر الممارسات المعتمدة في مجال التنظيم القضائي وتاليا حول أهمية الانخراط في عملية الدفاع عن استقلال القضاء وبشكل أعم إصلاحه.  فعدا عن أن من شأن تطور المبادرات المجتمعية في هذا المجال أن يضع حدا للتطبيع مع ممارسات التدخل في القضاء وأن يجعلها أكثر كلفة للسلطة المعنية أو للمتدخّل، فإن من شأنها بحدّ ذاتها أن تخفّف من عزلة القاضي وأن تعزز تاليا قدرته على الصمود في وجه هذه الممارسات. وتأمل "المفكرة" أن يجد تحذيرها صدًى أكبر لدى الفئات التي يُنتظر منها بفعل وظائفها دورٌ خاصّ في مجال القضاء. وفي مقدمة هذه الفئات، المحامون الذين يفقدون امكانية ممارسة مهنتهم وفق أصولها في حال غياب استقلال القضاء وحياديته وكفاءته. فأين تحركات المحامين الفردية والجماعية للمطالبة بإصلاح القضاء؟ ومن هذه الفئات أيضا، المنظمات الحقوقية التي تختبر يوما بعد يوم محدودية الحق في حال غياب ضمانات تفعيله. ومنها أيضا الجامعيون، الذين يؤخذ عليهم غالبا انقطاعهم عن قضايا المجتمع، فيما هم الأقدر على تطوير أبحاث علمية حول المعايير الدولية بشأن استقلال القضاء وضمانات المحاكمة العادلة.  ولا ننسى الإعلاميين والأحزاب السياسية، وبخاصة المعارضة، والذين يبقى لهم دور كبير في فضح ممارسات التدخل في القضاء وفي تعزيز النقاش العام حول إصلاحه.

 

الثالث، أنه يعرض الاشكاليات الأساسية لتنظيم القضاء العدلي، وعلى نحو يؤمل منه أن يعزّز الزخم النيابي بشأن اقتراح القانون حول استقلال القضاء وشفافيته والذي كانت "المفكرة " وضعته وتبنّاه نواب مستقلون ومن كتل سياسية مختلفة. وتأمل "المفكرة "أن يلقى هذا الاقتراح إهتمام شرائح واسعة من الرأي العام، فيغنونه بتقييم نوعي ويضفون عليه من خلال مناقشته أو ربما تأييده المشروعية اللازمة لجعله أولوية على جدول أعمال المشرّع. وإذ نقول ذلك، فنحن لا نتوهّم إطلاقا حجم الصعوبات والعوائق التي قد تعترض أي مشروع

إصلاحي للقضاء، ولكن نعي في الوقت نفسه أنه آن أن تبدأ هذه المعركة.  آن أن نقارب استقلال القضاء كأولوية اجتماعية.

 

بقي أن نشير إلى أن مساعي "المفكرة " للحصول على معلومات من مجلس القضاء الأعلى )وأحيانا من وزارة العدل( باءت للأسف في معظم الحالات إلى الفشل بخلاف ما نصت عليه أحكام قانون حق الوصول إلى المعلومات. وعدا عن أن هذا الأمر أدّى إلى تكبيد باحثيها جهودا مضاعفة لبناء قاعدة معلوماتها، وخاصة بما يتصل بمواصفات القضاة، فإنه قد يزيد من هامش الخطأ في هذا الشأن. ومع حفظ حقوق "المفكرة " لأي جهة، نكتفي هنا بتحميل المرجعين المذكورين المسؤولية كاملة عن الأخطاء التي نكون قد ارتكبناها من جراء مخالفتهما للقانون، في هذا الكتاب.