استقلالية النيابة العمومية عن سلطة وزير العدل: من مطلب حقوقي الى شرط لاستعادة الثقة في القضاء


2013-09-23    |   

استقلالية النيابة العمومية عن سلطة وزير العدل: من مطلب حقوقي الى شرط لاستعادة الثقة في القضاء

أدى اغتيال عضو المجلس التأسيسي الفقيد محمد البراهمي يوم 25 جويلية 2013 الى دخول تونس في أزمة سياسية حادة فشلت الطبقة السياسية في احتوائها. وكان عنوانها الأبرز البحث في حقيقة فشل مؤسسات الدولة التي انبثقت عن انتخابات 23 اكتوبر 2011 في تأمين سلامة الانتقال الديموقراطي من عدمها. ورغم أن الصراع السياسي انتهى الى عملية تقييم شملت كل مؤسسات الحكم بداية من المجلس التأسيسي ومرورا بدواليب الادارة وانتهاء بالحكومة ورئاسة الجمهورية الا انه كان لافتا أن حديث اصلاح القضاء كان غائبا عن مجال نظر السياسيين سواء كانوا من المدافعين عن المؤسسات القائمة او من المطالبين بالتصريح بفشلها ويسعون للبحث عن بدائل لها. وبدا جليا ان السياسيين اتفقوا في خضم خلافهم على الالتفات عن ملف القضاء الذي اعتبر سؤالا ثانويا يمكن ارجاء خلافاتهم بشأنه الى مرحلة لاحقة.
ووسط انشغال السياسيين بمشاريع توافقاتهم وتصور الحلول للخروج من الازمة، اتت جلسة استنطاق الصحفي زياد الهاني يوم 13 سبتمبر 2013 بتهمة ثلب وكيل الجمهورية لدى المحكمة الابتدائية بتونس لتحول الانظار مجددا صوب قصر العدالة فتذكر السياسيين بخلافاتهم حول القضاء. اذ تم اعتبار المحاكمة المذكورة وغيرها من المحاكمات التي اثير الجدل حولها سببا لاتهام السلطة الحاكمة بتحريك النيابة العمومية لمباشرة دعاوى جزائية تخدمها في صراعها مع معارضيها. فيما اعتبرت السلطة النقاش حول القضاء سعيا من المعارضة لتسييس القضاء بما يخدم مصالحها في ارباك سلطة دولة القانون.

كان للأزمة الطارئة التي بدت في تفاعلاتها الحينية كأزمة عصفت بمصداقية المؤسسة القضائية دور ايجابي في اعادة الروح الى ملف اصلاح القضاء. فقد انتهى الحديث حول القضاء بمناسبتها الى تحويل المطالبة بضرورة انهاء تبعية النيابة العمومية لوزير العدل من امر موكول لنواب المجلس التأسيسي وخبراء القانون الدستوري الى اشتراط حقوقي لإصلاح القضاء. فقد كشفت ردود الفعل ازاء المحاكمات القضائية الجارية على ان تبعية النيابة العمومية لوزير العدل باتت سببا يعمق ازمة الثقة التي تميز علاقة السلطة بالمعارضة بما يذكي في سياق متصل عدم الثقة في القضاء ويصنع أزمته.

ويقصد بالحديث عن تبعية النيابة العمومية لوزير العدل تحديدا النظام الذي ارساه الفصل 23 من مجلة الاجراءات الجزائية. وتقوم هذه التبعية على ما أسند للوزير من صلاحية ﺃﻥ يأذن ﺍﻟﻭﻜلاء ﺍﻟﻌﺎمين لدى محاكم الاستئناف بصفتهم الرؤساء المباشرين للادعاء العام بمرجع نظر محاكمهم ﺒﺈﺠﺭﺍﺀ ﺍﻟﺘﺘﺒﻌﺎﺕ ﺴﻭﺍﺀ ﺒﻨﻔﺴﻪ ﺃﻭ ﺒﻭﺍﺴﻁﺔ ﻤﻥ ﻴﻜﻠﻔﻪ ﺃﻭ ﺒﺄﻥ ﻴﻘﺩﻡ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻤﺤﻜﻤﺔ ﺍﻟﻤﺨﺘﺼﺔ ﺍﻟﻤﻠﺤﻭﻅﺎﺕ ﺍﻟﻜﺘﺎﺒﻴﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﻴﺭﻯ الوزير ﻤﻥ ﺍﻟﻤﻨﺎﺴﺏ ﺘﻘﺩﻴﻤﻬﺎ. وأدى جريان العمل القضائي الى تعميق التبعية بحكم غياب الشفافية في علاقة الادعاء العام بسلطات الوزير بعد ان ارست الممارسة القضائية تقاليد تحجب تعليمات الوزير التي يقدمها الادعاء اعتبارا لمبدأ وحدة النيابة العمومية.

وقد استند منتقدو اداء القضاء التونسي الى شبهة تدخل وزير العدل في تحديد مواقف النيابة العمومية من القضايا ليصرحوا باستمرار التوظيف السياسي للقضاء في القضايا التي تثير الجدل بحكم تعلقها بالحريات العامة او لكون من شملتهم من الناشطين في الساحة العامة.
ويتضح من الرجوع لأعمال المجلس الوطني التأسيسي التي تعلقت بالنيابة العمومية صلب مشروع دستور الجمهورية الثانية ان عودة الحديث عن استقلالية النيابة العمومية ليست في واقعها الا استعادة لنقاشات سابقة كشفت عن عمق الخلاف السياسي في الموضوع. فقد تمسك الشق الممثل للأغلبية النيابية الحاكمة اثناء الاعمال التحضيرية لصياغة احكام الدستور بضرورة الابقاء على تبعية النيابة العمومية لوزير العدل بحجة ان "وزير العدل يرسم السياسة العامة ولتنفيذها لا بد له من آليات ومن بين هذه الآليات أن يشرف وزير العدل على النيابة العمومية". وكان لافتا ان عميد المحامين السابق الاستاذ شوقي الطبيب وعند سماعه من قبل لجنة القضاء العدلي والاداري والدستوري بالمجلس الوطني التأسيسي ساند ذات الموقف بعد ان اعتبر ان ضمانات استقلال القضاء لم تتحقق بشكل يسمح بالاستقلالية.. فيما تمسك جزء من الشق المقابل والذي تشكل اساسا من نواب الكتلة الديموقراطية المعارضة ومن شخصيات حقوقية برفض المقاربة المذكورة على اعتبار ان تحكم وزير العدل الذي يمثل السلطة التنفيذية في النيابة العمومية التي لها سلطة تقدير التتبع الجزائي من عدمه يؤدي لاستمرار تدخل السلطة التنفيذية في القضاء وطالب انصاره بضمان الاستقلالية التامة لجهاز النيابة العمومية كشرط للارتقاء بمعايير المحاكمة العادلة.

وقد يبدو الاختلاف في ظاهره نتيجة لتصورات نظرية تتعلق بفهم مستلزمات العمل القضائي غير ان تتبع تصريحات الاطراف السياسية الممثلة بالمجلس التأسيسي يبين ان الخلاف كان في بعده المركزي بين تصورين الاول تبنته الاغلبية النيابية ويرى ان القضاء التونسي لم يتم اصلاحه وبالتالي يجب ان يتم منحه استقلالية تدريجية لضمان عدم تغوله والشق الثاني الذي  يرى ان توفير شروط الاستقلالية مرحلة اساسية من مراحل اصلاح القضاء ويرفض فكرة الاستقلالية قطرة قطرة  لتعارضها مع تعهدات المجلس التأسيسي ببناء سلطة قضائية تتوفر على الشروط الموضوعية لاستقلال القضاء طبق المعايير الدولية.

ويبدو من الاطلاع على الحركة القضائية لسنة 2013-2014 التي صدرت بذات يوم استنطاق الصحفي زياد الهاني ان الهيئة المؤقتة للإشراف على القضاء العدلي حاولت كسب معركة الثقة في الادعاء العام من خلال انتقائها لاحد اعضائها المنتخبين ليتولى منصب وكيل الجمهورية لدى المحكمة الابتدائية بتونس على امل ان يكون في الاعتبار الشخصي لوكيل الجمهورية الجديد رسالة للرأي العام تعيد الثقة العامة لمؤسسة الادعاء العام وترفع الاعتراضات السابقة والتي ركزت على اشخاص القضاة الذين يشغلون مناصب مفصلية في الادعاء العام للتدليل على ولائهم للسلطة القائمة واثبات تدخلها في عملهم القضائي.

ورغم أن حديث الاشخاص شكل أحد اهم اسباب استمرار عدم الثقة في استقلالية الادعاء العام، فان التغيير الحاصل يبدو غير كاف للتصريح بنهاية ازمة النيابة العمومية على اعتبار ان المعركة حول استقلالية النيابة العمومية باتت في واقع الامر عنوانا لصراع تصورات حول اصلاح القضاء مؤسساتيا.
 
وقد يكون في تصريح الوزير المكلف بالملف السياسي لدى الوزير الأول، وزير العدل السابق نور الدين البحيري لإحدى الاذاعات الخاصة التونسية يوم 16 سبتمبر 2013 والذي تضمن انه يساند المطالبة باستقلالية النيابة العمومية عن وزير العدل مؤشرا على تطور في التصورات داخل الاغلبية الحاكمة على خلفية الازمة الحاصلة بما يبشر بتطور موقفها من الموضوع مستقبلا في نطاق مشروع النص الدستوري و يجعل من المتوقع تحقيق الاستقلالية المنشودة لتكون النافذة الحقيقية نحو خروج القضاء من ازمة الثقة التي فتكت به يكون منطلقها النيابة العمومية بعد ان كانت ذات النيابة عقدة الاصلاح طوال الفترة السابقة.

انشر المقال

متوفر من خلال:

استقلال القضاء ، مقالات ، تونس



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية
زوروا موقع المرصد البرلماني