ورد في تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة في الجزء المتعلق بالحق في الأمان مجموعة من الحقوق التي سمتها اللجنة المذكورة "حقوقا قضائية" كمبدأ قرينة البراءة ومبدأ شرعية الجرائم والعقوبات، وهي مبادئ، على أهميتها، لا تثير جدلا أو اختلافا وتلعب دورا هاما في ضمان حقوق المشتبه به أو المظنون فيه أو المتهم في مواجهة مختلف السلطات المتداخلة عند التتبع أو التحقيق أو المحاكمة، لذلك سيقع التطرق لضمانات هذه المبادئ الواردة في التقرير المذكور. 

ويتضح جليا من خلال مراجعة محتوى التقرير أن ضمانات مبدأي قرينة البراءة وشرعية الجرائم والعقوبات قد ورد بعضها مباشرا صريحا في باب الحق في الأمان فيما ورد بعضها الآخر بطريقة غير مباشرة في غيره من أجزاء التقرير.

 

حماية قرينة البراءة

بغرض حماية قرينة البراءة، اقترحت اللجنة إلغاء القسم الخامس من الباب الأول من الجزء الثاني من المجلة الجزائية وتعويضه بالعنوان التالي "في الاعتداء على شرف الإنسان وعرضه وهتك قرينة البراءة". كما اقترحت وضع عقوبة جزائية لكل من يهتك قرينة البراءة بادعاء إدانة شخص أو تقديمه أو إظهاره أو معاملته كمدان عن فعل لم تثبت إدانته من أجله. ويضاعف العقاب مع الإذن بنشر نص الحكم إذا وقعت الجريمة بإحدى وسائل النشر. كما اقترحت اللجنة إضافة فصل جديد للمرسوم المتعلق بحريمة الصحافة والطباعة والنشر وهو الفصل 60 مكرر يعاقب بمقتضاه من يتولى نشر صورة لمشتبه به أو متهم معروف أو ممكن التعرف عليه وهو مغلول أو بحالة احتفاظ أو إيقاف تحفظي.

تتماشى الأحكام المقترحة مع أحدث المعايير المعتمدة، خاصة أنه من المتفق عليه مثلا أن احترام تلك القرينة يستوجب أن يكون التّحقيق سرّيّا[1]، حفاظا على سمعة الأشخاص المعنيين به. فما دام الشّخص متّهما فإنّه لا يمكن أن يشهّر به و كأنّه قد ثبت ارتكابه للجريمة. وما يزيد الأمر خطورة أن الصّحافة تعامل من أقرّ بجرم وكأنه مدان لا محالة، فتندّد بالفعل الإجرامي المرتكب، بالرغم من كون الاعتراف لا يزول به مفعول قرينة البراءة. فمن الممكن أن يكون الاعتراف حصل تحت الضعط أو أن يتمتّع  المتهم بسبب إباحة أو بإحدى صور انعدام المسؤولية الجزائية، كالجنون.

لذلك فإنّه، وحفاظا على سريّة التّحقيق وعلى قرينة البراءة، يجب على النّيابة العموميّة أن لا تنشر أخبارا وأن لا تعطي رأيا يتعلّق بجريمة لوسائل الإعلام يمكن أن يستنتج منه تحميل المتّهم للمسؤوليّة عنها.

وهو ما أكّدته اللجنة الأوربيّة لحماية حقوق الإنسان[2]. كما أكّدت أنّ هذا الواجب يشمل أعوان الدّولة[3] بما في ذلك وزير الدّاخليّة، الذي لا يجب أن يدلي بتصريح يتعلّق بجريمة في مؤتمر صحفي يعتبر فيه أنّ المشتبه به الموقوف مذنب[4] ما دامت المحكمة لم تصدر حكمها الباتّ. كما أكّدت ذات المحكمة أنّ قرار وقف التّتبّعات لا يجب أن يكون بمثابة إعلان مسؤوليّة مقنّع[5].

 

هل هناك تضارب بين قرينة البراءة وغيره من الحقوق والحريّات؟

بالرّغم من أهميّة قرينة البراءة، فإنّها قد تتضارب مع حقوق وحريّات أخرى، منها حريّة التعبير والإعلام والحقّ في المعلومة. وهو ما دفع جزءا من الفقه إلى المناداة بضرورة التوفيق بين قرينة البراءة وحريّة الصّحافة، بإيجاد حلول تمكّنهما من التّعايش جنبا إلى جنب دون أن تحدّ إحداهما الأخرى، ممّا يمكن أن يمسّ من موقف المتقاضي[6]. فإذا كان التّناول الإعلامي للقضايا مدمّرا بالنّسبة لشرف المتقاضي وسمعته، فإنّه يمكن أن يكون له تأثير إيجابي في القضايا السّياسيّة والماليّة[7]. إنّ قرينة البراءة هي من الضّمانات التي وضعت لحماية المتّهم كطرف ضعيف، لكن من الممكن السّماح بتجاوزها إذا كان ذلك في صالح المتّهم، و يحقّق له ضمانة أكبر. لكن المشكل أنّ سريّة التّحقيق لا تحمي فقط قرينة البراءة، بل لها أهداف أخرى تتعلّق بالكشف عن الجرائم وبالمحافظة على الأدلّة لذلك فإنّه لا يمكن التّمسّك بكون التّناول الصّحفي يمكن أن يخدم مصلحة المتّهم حتّى نتمكّن من المساس بقاعدة سريّة التّحقيق.   

والملاحظ هنا أن ما ورد بتقرير اللجنة فيما يتعلق بحماية الحياة الخاصة خلال الإجراءات القضائية يتعلق فقط بطور المحاكمة على اعتبار أن الأصل في ذلك الطور هو العلنية، بصريح أحكام الدستور، وأن الاستثناء هو إقرار الجلسات السرية. ولكن غياب الدقة في صياغة التقرير من خلال اعتماد مفاهيم مثل الإجراءات القضائية قد يتسبب في حدوث خلط لدى القارئ، ضرورة أن الإجراءات لدى الطور التحقيقي سرية، بخلاف اجراءات المحاكمة. والواضح أن المقصود مما ورد بتقرير اللجنة هو حماية الحياة الخاصة بإقرار سرية الجلسات خلال طور المحاكمة وليس التحقيق، وأما في خصوص إعلام العموم خلال طور التحقيق فممكن، لكن بشرط احترام قرينة البراءة من خلال عدم التعرض للمظنون فيه في الجريمة وكأنه مجرم ارتكب الفعل وثبتت التهمة عليه ما لم يصدر حكم بات.

ومن الممكن في هذا الصدد اعتماد المعيار الوارد بالفصل 49 من الدستور التونسي والمتمثل في مبدأ التناسب بين الحدود التي يمكن أن تطرأ على المبدأ أو الحق وبين موجباتها، وبشرط عدم المساس بجوهر ذلك الحق وأن لا توضع هذه الضوابط إلا لضرورة تقتضيها دولة مدنية ديمقراطية وبهدف حماية الغير لتحقيق ذلك التوازن.

حماية قرينة البراءة من خلال تنظيم الاحتفاظ والإيقاف

وفي نفس الإطار، عملت اللجنة على حماية قرينة البراءة من خلال تنظيم الاحتفاظ، بتحديد بداية تاريخه وتنظيم حق الطعن في القرار الذي يأذن به، والإيقاف التحفظي والتوصية بإلغاء الإيقاف المشدد[8] الوارد بالنظام الأساسي العام للعسكريين والأنظمة الأساسية الخاصة بأسلاك الشرطة والحرس والحماية المدنية والسجون، والتخلي عن الاعتقال والسجن التأديبي، الواردة بالمجلة التأديبية والجزائية البحرية[9]، وتعويضها بالإيقاف في حالات الضرورة للمحافظة على سلامة السفينة وركابها وإخضاع الإيقاف للرقابة القضائية ومراجعة الإقامة الجبرية وتنظيم حالة الطوارئ لتستجيب لشرط الاختصاص التشريعي ولإحاطة التدابير التي تتخذ بمناسبتها بالضمانات اللازمة، وذلك تماشيا مع أحكام دستور الجمهورية الثانية لسنة 2014.

ويمسّ ترك المجال للإيقاف من قرينة البراءة[10] في مفهومها الضيّق، لا بل هو أهمّ أشكال المساس بها، خاصّة وأنّ الإيقاف يؤدّي إلى امتلاء السّجون ومراكز الإيقاف بعدد كبير من الأشخاص يفترض القانون براءتهم. لذلك لا يجب أن يكون الاحتفاظ أو الإيقاف مطيّة للمساس بقرينة البراءة، خاصّة إذا استعملته السّلطات كوسيلة للضّغط على المتّهم لإجباره على الاعتراف بجريمة لم يرتكبها.

 

توصيات اللجنة غير كافية لحماية قرينة البراءة

رغم أهمية التوصيات الواردة بتقرير اللجنة، إلا أنها تبقى غير كافية لحماية قرينة البراءة، خاصة أن التقرير لم يتعرض لبعض الجرائم التي جعل فيها المشرع قرينة إدانة في جانب المتهم الذي يقوم على عاتقه واجب إثبات براءته. من الأمثلة على ذلك، جريمة الفصل 232 ثالثا من المجلة الجزائية حيث يفترض المشرع أنّ أموال المتّهم متأتّية من وساطته في الخناء لمجرّد كونه يعيش مع شخص يتعاطى الخناء ويقوم عليه واجب إثبات أنّ له مداخيل كافية تسمح له بأن ينفق بمفرده على معيشته. وكذلك جريمة الفصل 276 من نفس المجلة الذي يعاقب "الإنسان الّذي كان وقع عقابه سابقا بعقوبة بدنيّة لأجل اعتداء على ملك ووجد عنده نقود أو رقاع ماليّة أو أمتعة و كلّها غير مناسب لحالته ولم يمكنه إثبات موردها الحقيقي. وكذلك جريمة الفصل 101 مكرّر من مجلّة الطّرقات والتي جاء فيها على أنّه الذي يسلط عقوبة على مالك العربة في صورة تجاوز السّرعة القصوى المسموح بها بعشرين كلم في السّاعة أو أكثر والّتي يتمّ إثباتها بواسطة الرادار الآلي من خلال الاكتفاء بتوجيه إعلام بهذه المخالفة عن طريق البريد مضمون الوصول دون التّأكّد من أنّه السّائق الّذي تجاوز السّرعة المحدّدة قانونا وبالتّالي فإنّه يتحمّل في هذا الإطار قرينة إدانة ويقوم عليه واجب إثبات براءته وذلك من خلال ممارسة حقّه في الاعتراض على ذلك القرار في أجل لا يتجاوز عشرين يوما من تاريخ توجيه الإعلام.

ولئن جاء مقترح اللجنة في اتجاه تبني التعريف المعتمد للتعذيب في الصكوك الدولية حاميا لقرينة البراءة بطريقة غير مباشرة من خلال حماية حق المظنون فيه والمتهم في الصمت وعدم إجباره على الشهادة ضد نفسه، فإن خيار اللجنة بالاكتفاء بمنع اللجوء للتحليل الطبي ما لم يكن له تبرير طبي أو موضوع رضا حر ومستنير من قبل الأشخاص الذين يخضعون له والذين هم محل تتبع أمام العدالة يثير بعض النقاش.

ضرورة أنه كان بإمكان اللجنة اللجوء إلى الخيار التشريعي المعتمد في الفصل 3 مكرر من القانون المتعلق بإسناد لقب عائلي للأطفال المهملين أو مجهولي النسب أين اعتبر المشرع أن رفض الخضوع للتحليل الجيني لا يمكن أن يقوم قرينة على قيام علاقة الأبوة وأنه يجب على المحكمة أن تبت بالاعتماد على ما توفر لديها من قرائن متعددة ومتضافرة وقوية ومنضبطة.  وتكمن أهمية الإحالة للحل الوارد في القانون المذكور في أنه يمنع على المحكمة في إطار اجتهادها أن تعتمد رفض خضوع المشتبه به للفحص الشرجي قرينة على ارتكابه لجريمة الفصل 230 من المجلة الجزائية، وفي ذلك حثّ للمشتبه به على رفض الخضوع لذلك النوع من الفحوصات دون خوف من إدانته باعتماد قرينة رفضه الخضوع له.

 

في مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات

في خصوص مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات، اقترحت اللجنة تدقيق بعض النصوص القانونية الجزائية وتوضيح بعض الجرائم المفتوحة، من ذلك جريمة التجاهر عمدا بفحش.

لكن ورغم أهمية ذلك التدقيق، إلا أن تقرير اللجنة بقي منقوصا، خاصة أن الجرائم التي توصف بأنها مفتوحة لا تقتصر على جرائم الاعتداء على الأخلاق الحميدة وإنما تشمل جرائم أخرى في القانون التونسي.

وقد اعتبرت الأستاذة سكينة بوراوي أنّ الاعتداءات على أمن الدّولة تمثّل المجال المفضّل للجرائم ذات الصّياغة المفتوحة، الّتي يغيب فيها الوضوح والدقّة.[11] وبالفعل فمجرّد دراسة هذه النّصوص يبرز بوضوح إغراق الكثير من العبارات الواردة بها في الغموض والضّبابيّة الّتي يمكن أن تؤدّي إلى تجريم أفعال غير متناهية، من ذلك مثلا الجرائم الواردة بالفصل 60 مكرّر ثالثا، في خصوص مفهوم العمل الذي يرمي إلى "تحطيم معنويات الجيش أو الأمة" والفصل 61 مكرّر أوّلا، في خصوص "كل تونسي أو أجنبي يحاول بأيّ طريقة كانت المسّ من سلامة التّراب التّونسي..."  والفصل 67 من المجلة الجزائية، في خصوص  مفهوم "الأمر الموحش ضد رئيس الجمهورية"... وهو أمر غير محمود سيؤدّي حتما إلى إفراغ مبدأ الشّرعيّة من محتواه وأهميته. فصياغة نصوص غامضة يمكن أن يؤدّي إلى إطلاق يد القاضي لزجر بعض الأفعال الّتي هي في الأساس غير مجرّمة بنص واضح.

 

 

  • نشر هذا المقال في العدد | 12 | أغسطس 2018، من مجلة المفكرة القانونية | تونس |. لقراءة العدد انقر/ي على الرابط ادناه:

العدالة المشوّشة بصراع الإيديولوجيات: ذاكرة فئوية لغد فئوي؟

 


[1]Boulon (F), La conformité de la procédure pénale Française avec la convention européenne des droits de l’homme ; in Mélanges en l’honneur du professeur Larguier. Presse Universitaires de Grenoble, 1993, p. 38.

Voir aussi : Allix (D), La preuve en matière pénale à l’épreuve du procès pénal équitable ; justice n° 10, Avril/Juin 1998. P 43. 

[2]Décision de la com. EDH. Bricmont c. Belgique, 15/07/1986, D.R., 48, p. 106. Cité par Quilleré-Majzoub (F), La défense du droit à un procès équitable, Op. cit. p. 97.

[3]Décision de la com. EDH. RF et SF c Autriche, 7/10/ 1985, D.R. , 44, p. 238.  Cité par Quilleré-Majzoub (F), La défense du droit à un procès équitable, Op. cit. p. 97.

[4]CEDH, 19 févr. 1995, Allenet de ribement, Justices 1996, n°3, p. 24, obs. Cohen-Jonathan et Flauss

[5]CEDH, 25 mars 1983, Minelli c/ Suisse; 26 mars 1982, Adolf c/ Autriche. Cité par Allix (D), Le droit à un procès pénal  équitable : De l’accusation en matière pénale à l’égalité des armes ; Justices n°10, Avril/Juin 1998, p. 26.

[6]Marsaud (A), Légiférer pour concilier la présomption d’innocence et liberté de presse, Op. cit. p. 124.

[7]IBID, 124 et 125.

[8]  خلافا للإيقاف المخفف أين يتم الاكتفاء بالحد من حرية تنقل العسكري أو الأمني أو عون الحماية المدنية أو عون السجون داخل الثكنة دون سلب حريته فإن الإيقاف المشدد هو عقاب تأديبي سالب للحرية لذلك أوصت اللجنة بإلغائها.

[9] راجع الفصول 6 و7 و8 من المجلة التأديبية والجزائية البحرية لتمييز المفاهيم وتحديد طبيعتها.

محمّد اللّجمي، احترام الذّات البشريّة في التّشريع الجزائي التّونسي، م ق ت، أكتوبر 1989، ص 40. [10]

[11]Bouraoui (S), L’infraction politique et les principes classiques du droit penal (Régime juridique), RTD, 1982, p. 477.