عاش المغرب قبل سنوات على وقع نقاش غير مسبوق بشأن المساواة في الإرث بين الجنسين. كانت مناسبة هذا النقاش صدور توصية تضمنها تقرير للمجلس الوطني لحقوق الإنسان حول "النهوض بالمساواة والإنصاف بين الجنسين"[1].

قدم التقرير عدداً من التوصيات ركزت على نقاط ضعف ما زالت قائمة، بعضها فيه تمييز واضح ضد النساء، وسلط الضوء على الإشكالات المرتبطة بالفقر والتهميش والهشاشة التي تمس شرائح واسعة من المغاربة وضمنهم النساء.

غالبية التوصيات التي قدمها التقرير لم تثر أي حساسية تذكر، أو بالأحرى لم يتم الانتباه إليها، ما عدا توصية فريدة أثارت جدلا واسعا، وهي تلك المتعلقة بالمساواة في الإرث، حيث جاء في التقرير بأن "المقتضيات القانونية غير المتكافئة المنظِّمة للإرث (تساهم) في الرفع من هشاشة وفقر الفتيات والنساء[2]".

واليوم يعاد طرح نفس الجدل الحقوقي لكن بوتيرة أشمل بعد صدور تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة بتونس[3]، الذي يعتبر "ثورة" غير مسبوقة في المنطقة، بالنظر إلى سياقه ومضامينه وحمولته الفكرية والحقوقية التي ينتظر أن يصل صداها إلى كل بلدان المنطقة بما فيها المغرب.

 

مطلب واحد وثلاثة ردود أفعال حول الدعوة إلى إصلاح نظام الميراث بالمغرب وتونس

سواء في الحالة المغربية عقب صدور توصية المجلس الوطني لحقوق الانسان 2015، أو في الحالة التونسية عقب صدور تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة 2018، فإن الدعوة إلى مراجعة نظام الميراث في البلدين لإقرار مبدأ المساواة بين الجنسين خلفت ردود أفعال متباينة[4]، لا تخرج عن ثلاثة توجهات رئيسية:

1-توجه أول: ينطلق من اعتبارات حقوقية صرفة ومن تقدير إيجابي للسياق العام الحالي الذي يسمح بطرح القضية، من جديد بالنظر إلى السياق الحقوقي الذي تعرفه بلدان المنطقة عقب صدور دساتير ما بعد الحراك العربي بكل ما شملته من حمولة حقوقية وموقف واضح من مبدأ سمو الاتفاقيات الدولية على التشريع الداخلي؛

2-توجه ثان: يرفض رفضا قاطعا إثارة الموضوع، على اعتبار أنه محسوم بنص ديني قطعي الدلالة والورود ولا يحتمل أي تأويل أو اجتهاد، ويعتبر أن أي محاولة لإعادة طرح القضية للنقاش تشكل في حد ذاتها مساسا بالإسلام الذي يعتبر أحد الثوابت.

3-توجه ثالث: غير واضح المعالم يعتبر أن الوقت الحالي ليس مناسبا، لإثارة هذا الموضوع الذي لا يحظى بالراهنية، خاصة وأن النقاش حول نظام الميراث نقاش "نخبة" في مجتمعات تعاني غالبية شعوبها من الفقر، تتكدس فيها الثروة في يد أقلية محدودة.

وإذا كان دعاة التوجهين الأول والثاني يعبرون عن تيارين بارزين يجسدان رأيين يخترقان المجتمعين المغربي والتونسي وغالبية مجتمعات المنطقة، أحدهما يوصف بالتيار الحداثي والآخر التيار الإسلامي، فإن دعاة التوجه الثالث يتكونون من خليط غير متجانس يضم عددا من الإصلاحيين والإسلاميين وحتى بعض الحداثيين، بمن فيهم بعض الأصوات النسائية/ النسوية، ينطلق كلٌ منها من اعتبارات ومبررات تبدو مختلفة بل وحتى متناقضة، ولكنها في نهاية المطاف تلتقي في حصيلة واحدة وهي تجنب الخوض في الموضوع في الوقت الراهن.

 

المبررات المعتمدة لإحياء النقاش حول إصلاح نظام الميراث في المغرب وتونس

هذه المبررات نجدها حاضرة بقوة في تقرير اللجنة وفي تقرير المجلس وفي عدد من مذكرات الحركة الحقوقية النسائية في المغرب وتونس، وهي إن انبنت على منطلقات متباينة، إلا أنها تلتقي في النتيجة:

1- منطلقات سوسيولوجية: تركز على كون نظام المواريث الحالي ما هو إلا انعكاس للتركيبة العصبية للمجتمع الذي ظهر فيه ذلك التنظيم. لذا نجده يعكس التقسيم التقليدي للأدوار بين الرجل والمرأة. لكن تركيبة مجتمعات المنطقة وخاصة بالمغرب وتونس تغيرت بشكل جذري حيث اقتحمت النساء كافة الميادين وارتفعت نسب إعالتهن للأسر. كما ارتفعت تاليا نسب مساهمتهن في النشاط الاقتصادي... وقد ساهم هذا التطور في حلحلة المشهد التقليدي القائم على مبدأ تقسيم جنسي للوظائف والأدوار: فلم يعد الرجل هو المسؤول الوحيد عن تسيير العائلة والمتحكم في مواردها الاقتصادية، وإنما استبدلت سلطته بتقاسم المسؤوليات والقرارات العائلية.

2- منطلقات حقوقية تعتبر أن المغرب وتونس انضمّا إلى عدد من الآليات والاتفاقيات الدولية في مجال حقوق الإنسان، ومن ضمنها "اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة"، وأنهما تعهدا بتفعيلها عبر إجراءات وتدابير بهدف ملاءمة القوانين الوطنية معها، خصوصا وأن الدستورين معا يقران مبدأ مدنية الدولة، وسمو المواثيق الدولية على التشريع الداخلي، ويقران مبدأ المساواة بين الجنسين من حيث المبدأ وإن اختلفا من حيث التفاصيل.

3-منطلقات دينية تتأسس على منهجية الاجتهاد والفكر المقاصدي. وفي هذا الإطار، تلتقي المطالب المنادية بإصلاح نظام المواريث بكل من تونس والمغرب في ضرورة أن يتم هذا الإصلاح من داخل الحقل الديني، بل نجد أن جزءا كبيرا من المنطلقات التي تتأسس عليها هذه المطالب تلحّ على أهمية التشبث بالنص الديني، واستلهام روحه بوضعه في سياق تاريخي وحضاري معين عوض الإكتفاء بقراءة حرفية له.

مع العلم بأن تقارب الحالتين المغربية والتونسية لا ينفي وجود عدة فوارق بينهما، فتحقيق المساواة بين الجنسين بالمغرب مثلا ما يزال بعيد المنال إذ يصنف وفق تقرير فجوة النوع[5] في الرتبة 133، متأخرا عن تونس التي توجد في الرتبة 123.

 

خيارات واسعة لمراجعة نظام المواريث في تونس

يعتبر موضوع إصلاح نظام الميراث في القانون التونسي مسألة على درجة كبيرة من الحساسية في تقرير اللجنة. فمند صدور مجلة الأحوال الشخصية سنة 1956، اقتصر التعديل على تنقيح واحد سنة 1959، ليبقى هذا الموضوع جامدا عصيا عن أي تعديل رغم كل التغييرات التي همت البنى العائلية والاجتماعية والاقتصادية في تونس.

وهكذا انطلق التقرير من تعداد مظاهر التمييز بين الجنسين الواردة في نظام الميراث بحسب مجلة الأحوال الشخصية -وهي موجودة أيضا في مدونة الأسرة بالمغرب-، وأهمها:

-الأنثى الوارثة لا تعتبر عاصبة بنفسها أبدا، فصفة العاصب بنفسه امتياز ذكوري؛

-للأنثى الوارثة نصيب أقل، هو النصف، في معظم الحالات.

-إقصاء الأنثى وأقاربها من الميراث في حالات عديدة. وهذا هو حال العمات وبنات العم وبنات الأخ اللواتي لا يرثن أصنافهن من الذكور. كما أن الأقرباء المنفصلين بأنثى لا يرثون مطلقا. ويقصد بهم كل الأقرباء من جهة الأم من أخوال وخالات وأبنائهم، فهم لا يرثون حتى في حالة عدم وجود أي وارث آخر.

انطلاقا من هذا التشخيص وضعت اللجنة مجموعة مقترحات:

-مقترح أول: ضمان المساواة بين الجنسين قانونا، وذلك في الصور الغالبة وهي حالات الأبناء، الأبوين، الزوجين، الإخوة.

مقترح ثان: ضمان المساواة قانونا مع تمكين المورث من حق الاعتراض على المساواة، وه ما يعني اعتماد نظام مزدوج، يكون فيه المبدأ قسمة الميراث بالمساواة بين الأصناف الأربعة، والاستثناء تخويل المورث حق الاعتراض بشكل كتابي صريح لا يحتمل أي تأويل على المساواة ومن ثمة اعتماد قاعدة للذكر مثل حظ الأنثيين.

مقترح ثالث: ضمان المساواة قانونا باختيار من الورثة. فيكون للوارثات الحق في الاستفادة من نصيب مساو لنصيب الذكر، أو الحصول فقط على نصف هذا النصيب. وتكمن ميزة هذا الحل في ضمان انتقال سلس من المساواة الممنوعة إلى المساواة الممكنة.

 

إصلاح نظام المواريث بالمغرب ظرفية تشجع على التغيير

بالمغرب، لم يسبق لمكونات الحركة النسائية أن طرحت مطلب المساواة في الإرث بشكل مباشر وواضح ضمن المطالب التي شكلت جوهر حملتها الترافعية الواسعة التي قادتها من أجل إصلاح مدونة الأحوال الشخصية[6]، ولا يعود ذلك لاعتبارات مبدئية أساسا، بل ربما لاعتقادها بأن هذا المطلب يكتسي حساسية كبيرة في سياق لم يكن مهيأ حينئذ لطرحه في دائرة النقاش العمومي.

اليوم يرد مطلب مراجعة نظام الارث بالمغرب من جديد في سياق مختلف، بفعل قوة الحركة الحقوقية النسائية التي راكمت عدة مكاسب مند صدور مدونة الأسرة سنة 2004، والمبادرات المماثلة التي انطلقت في عدد من بلدان المنطقة، وكذا النزعة الحداثية للملكية التي قامت بعدة مبادرات غير مسبوقة في إطار إقرار مبدأ المساواة بين الجنسين، وكان آخرها السماح للنساء بممارسة خطة العدالة في سابقة هي الأولى من نوعها في تاريخ البلاد.

وفيما تفادى تقرير المجلس الوطني لحقوق الإنسان الخوض في مناقشة تفاصيل مطلب إقرار المساواة بين الجنسين في نظام الميراث، عكس تقرير لجنة المساواة والحريات الفردية الذي قدم عدة خيارات بعضها ذو طابع مستعجل آني، فإن الحركة الحقوقية النسائية المغربية بدورها[7]، تقترح مراجعة هذا الموضوع على مراحل نظرا لحساسيته[8]:

-المرحلة الأولى: توسيع دائرة إرادة الموروث، بتشجيع اللجوء إلى إبرامه لوصية قيد حياته، تقر توزيع حصص الإرث بالتساوي بين الذكور والإناث، وهو ما يفرض مراجعة جزئية لمقتضيات الوصية التي تمنع إبرامها لفائدة وارث.

-المرحلة الثانية: تبني حل الرد الذي كانت تونس سباقة لإقراره مند سنة 1959، وهو حل مستوحى من المذهب الحنفي، وبموجبه، فان البنت سواء انفردت أو تعددت وفي حالة غياب أخيها الذكر، فانها تستحق بالإضافة الى نصيبها بالفرض، ما يتبقى من التركة عن طريق الرد. وعليه تحجب باقي الورثة الذكور من أخوة وأعمام أو أبنائهم[9].

وتظهر أهمية هذا الحل في أنه يضع حدا لحالات التحايل على القانون من خلال إبرام هبات أو عقود صورية خاصة داخل الأسر التي ليس لها أبناء ذكور، والتي تفضل الإبقاء على التركات للبنات بدل الأخوة.

المرحلة الثالثة: رفع المانع الديني الذي تكرسه المادة 332 من مدونة الأسرة. وبموجبه، يعدّ اختلاف الدين مانعا من موانع الميراث، ولا شك أن هذا المقترح يستوجب طرحه ضمن مقاربة أشمل تكرس مبدأ حرية الزواج وترفع الحظر المفروض على زواج المسلمة بغير مسلم[10].

وفي انتظار تحرك رسمي من أجل فتح ورش إصلاح مدونة الأسرة بالمغرب، تراهن الحركات النسائية بالمغرب على تغيير الذهنيات وإيجاد بيئة مجتمعية جديدة تحتضن مطالب إصلاح نظام الميراث، من خلال القيام بحملات[11] تعزز النقاش العمومي حول هذا الموضوع، والاستفادة من العمل المشترك إقليميا ودوليا وتبادل الخبرات والتجارب. ولا شك أن صدور تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة بتونس سيشكل أرضية صلبة لدعم معركة الترافع من أجل قوانين ترفع التمييز ضد النساء في جميع المجالات وتعترف لهن بالمواطنة الكاملة.

 

  • نشر هذا المقال في العدد | 12 | أغسطس 2018، من مجلة المفكرة القانونية | تونس |. لقراءة العدد انقر/ي على الرابط ادناه:

العدالة المشوّشة بصراع الإيديولوجيات: ذاكرة فئوية لغد فئوي؟

 

 

 

[1]- المجلس الوطني لحقوق الانسان: وضعية المساواة والمناصفة في المغرب، صون غايات وأهداف الدستور واعمالها، طبعة 2015.

[2]- تقرير المجلس الوطني لحقوق الانسان حول وضعية المساواة والمناصفة في المغرب، صون غايات وأهداف الدستور واعمالها، ص 14.

[3]- يتعلق الأمر بتقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة، الذي أعدته اللجنة التي عينها رئيس الجمهوية، تونس 01/يونيو 2018.

[4]- لطيفة البوحسيني: قضية المساواة في الارث بالمغرب، السفير العربي، بتاريخ 19/11/2015.

[5]- مؤشر الفجوة بين الجنسين العالمية هو مؤشر صمم لقياس المساواة بين الجنسين، ويضم 14 مؤشرا، تتمثل في : المشاركة في سوق الشغل، المساواة في الاجور، الدخل، حضور المرأة في البرلمان والمناصب العليا بالقطاع العام والخاص، والحكومة، وعدد السنوات على رأس الدولة، معدلات الأمية، معدلات التعليم الابتدائي والثانوي والعالي، نسبة الجنس عند الولادة، العمر المتوقع في صحة جيدة..، أما تقرير الفجوة بين الجنسين العالمية  فقد نشر لأول مرة في عام 2006 من قبل المنتدى الاقتصادي العالمي.  ويغطي تقرير (2014) 144 من الإقتصادات الكبرى والناشئة.

[6]- أنظر لتفاصيل أكثر:

-نجاة الكص: مواقف و آراء حول الوضع القانوني للمرأة المغربية، دار القلم بالرباط، الطبعة الأولى 2002.

-سعاد الأخريسي: من مدونة الأحوال الشخصية إلى مدونة الأسرة-مسار التعديلات ومطالب الحركة النسائية، دار السلام للطباعة والنشر بالرباط، الطبعة الأولى 2005.

-خالد برجاوي: إشكالية الأصالة والمعاصرة في تقنين الأحوال الشخصية بالمغرب- وضعية المرأة نموذجا،  دار القلم بالرباط،، طبعة 2003.

[7]- كان للجمعية الديمقراطية لنساء المغرب السبق في اثارة مطلب اقرار المساواة بين الجنسين في نظام الميراث استنادا الى أبحاث سوسيولوجية، وحجج دينية تقوم على قراءة متجددة للنص الديني.

-من أجل نقاش اجتماعي حول نظام الارث : المغربيات ما بين القوانين والتطور السوسيو اقتصادي، منشورات الجمعية الديمقراطية لنساء المغرب، مطبعة لوفينيك، طبعة 2010.

أما على المستوى المغاربي فتعتبر جمعية "مغرب ايكاليتي"وهي جمعية البلاد المغاربية المساواة، رائدة في طرح هذا الموضوع مند سنة 1995، عن طريق اللجوء الى قراءات نسائية لتشريعات الأسرة في بلدان المغرب والجزائر وتونس، للوقوف على مظاهر اللامساواة القائمة على النوع في ما يخص الارث. وذلك بهدف بناء مرافعة تدعو الى المساواة.

-مجموعة 95المغاربية من أجل المساواة: من اجل المساواة في الأسرة المغاربية تونس الجزائر المغرب، طبعة 1970.

[8]- مليكة بن الراضي: اللامساواة في نظام الارث المغربي، موضوع نقاش في المغرب وفي أوربا، مقالة منشورة ضمن مؤلف جماعي يحمل عنوان" ميراث النساء دراسة متعددة الاختصاصات حول الارث في المغرب"، طبعة 2016، ص 123.

[9]- ينص الفصل 143 مكرر من مجلة الأحوال الشخصية التونسية على ما يلي : "عند فقد العصبة ولم تستغرق الفروض التركة يرد الباقي منها على أصحاب الفروض بنسبة فروضهم. أما البنت تعددت أو انفردت أو بنت الابن وإن نزلت فإنه يرد عليهما الباقي ولو مع وجود العصبة بالنفس من الإخوة والعمومة وصندوق الدولة".

[10] - الحسين بلحساني : أثر اختلاف الدين على الزواج المختلط في النظام القانوني المغربي، مقال منشور بالمجلة المغربية للإقتصاد والقانون، العدد الخامس ، 2002، ص 110.

[11]- أطلقت الجمعية الديمقراطية لنساء المغرب حملة تحت شعار "علاش لا؟"، كما اطلق الاتحاد النسائي الحر "كبسولات" تحت عنوان "علاش المساواة فالإرث؟"، أي "لماذا المساواة في الإرث"، تشمل عرض آراء مفكرين ومتخصصين في علوم الدين وعلم الاجتماع والقانون للتحسيس بأهمية المساواة بين الجنسين.