يُقال إن "المعدوم حسّا كالممنوع شرعا". والمقصود هنا قصور النصّ المكرّس لحق ما أو مصلحة ما عن تحقيق غاياته إذا لم يتمكّن المخاطب بأحكامه من التمتع بها والاهتداء إليها.

لذلك، فإن تنصيص الدستور التونسي صلب الباب الثاني على الحقوق والحريات يظل مجرّد أمنيات إذا لم تتوفّر الآليات الكفيلة بتحويلها لأحكام ذات أثر قانوني[1] تمكّن الأفراد من اللجوء إليها لحماية حقوقهم. ولعلّ القضاء من أنجع وأنبل الآليات القادرة على الاضطلاع بهذا الدّور، لذلك لا غرابة في أن ينص الفصل 49 من الدستور على " (...) تتكفّل الهيئات القضائية بحماية الحقوق والحريات من أي انتهاك." كما نصّ الفصل 102 من الدستور على أن القضاء ضامن لعلويّة الدستور وحام للحقوق والحريات.

في هذا السياق، تضمّن مقترح مشروع مجلة الحقوق والحريات الفردية الذي قامت بإعداده لجنة الحريات الفردية والمساواة، مجموعة من الأحكام المتعلقة بحماية الحقوق والحريات الفردية.[2] ويتمثل أبرزها في وجوب رجوع القاضي للمعاهدات الدولية الموافق والمصادق عليها من طرف الدولة التونسية من جهة أولى، وضرورة تأويل القانون وفق ضوابط معينة من جهة أخرى.

 

في ضرورة التقّيد بالمعاهدات الدولية

كرّس الفصل 20 من الدستور التونسي[3] علوية المعاهدات الدولية على القوانين الأمر الذي يترتّب عنه عدة آثار قانونية من أهمها وجوب تلاؤم القوانين مع أحكام المعاهدات الدولية. ويتحمّل القضاء في هذا الصدد واجب إعلاء المعاهدات كلما تعلق الأمر بقوانين مخالفة لها، وهو أمر طبيعي ومنطقي ناتج عن ضرورة احترام الدول لالتزاماتها تجاه المجتمع الدولي.[4]

وتصبح المسألة ذات أهمية أكبر عندما يتعلّق الأمر بالمعاهدات الدولية في مجال حقوق الإنسان بالنظر إلى مضمونها الذي يهدف إلى حماية جوهر الإنسان المتمثل في الحرية والكرامة والمساواة.

وفي هذا السياق، نص الفصل 88 من مقترح مشروع مجلة الحقوق والحريات الفردية على الآتي: "يبت القاضي في الدعاوى الرامية إلى حماية الحقوق والحريات الفردية بالرجوع مباشرة إلى أحكام الدستور والإعلان العالمي لحقوق الإنسان المؤرخ في 10 ديسمبر 1948 والمعاهدات الدولية الموافق والمصادق عليها.

ويطبق القاضي أحكام الاتفاقيات الدولية الحامية للحقوق والحريات الفردية ولو قبل نشرها بالرائد الرسمي للجمهورية التونسية."

يجب قراءة هذا المقترح بالرجوع إلى الأحكام والقرارات القضائية الصادرة في مادة الحقوق والحريات الفردية التي غالبا ما تتجاهل المعاهدات الدولية لتتستّر بالقوانين الداخلية، مما يؤدي في بعض الأحيان إلى المساس بالالتزامات القانونية للدولة التونسية.

فعلى سبيل المثال، أسس القاضي العدلي تعليله في إحدى القضايا المتعلقة بحرية التنقل على دستور غرة جوان 1959 بالرغم من أنه وقع إنهاء العمل به في تلك الفترة وكان من الأسلم الاكتفاء بالعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية لحماية الحق المذكور.[5] وفي القضايا المتعلقة بحرية التعبير، وقع الاعتماد على نصوص جزائية زجرية من دون مراعاة المعاهدات الدولية ذات الصلة.

بل وذهب الأمر إلى حد تجاهل الفصول 18 و19 و20 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية في قضية جابر الماجري والاستئناس بفقه قضاء مصري مثير للجدل حيث وقع اجترار إحدى الحيثيات التي وردت في قرار محكمة الاستئناف بالقاهرة في القضية الشهيرة المتعلقة بنصر حامد أبو زيد عندما وقع اعتباره مرتدّا وبالتالي الحكم بتطليقه من زوجته.[6]

كما يتجلّى تهميش المعاهدات الدولية في مجال حماية الحرمة الجسدية للأفراد من خلال عدم اضطلاع القضاء بتأمين دوره الحمائي في منع الفحوص الشرجية التي تجرى على المتّهمين في القضايا المتعلّقة بالفصل 230 من المجلة الجزائية الذي يتعارض مع الفصول 21 و23 و49 من الدستور وكذلك المعاهدات الدولية.[7]

 

في التأويل الديمقراطي والمدني

يُعتبر الفصل 49 من الدستور بيضة قُبَّان[8] الدستور التونسي حيث تضمّن نظاما قانونيا معقّدا بخصوص تقييد الحقوق والحريات وتأويل الأحكام القانونية المتعلقة بها بهدف إعلاء قيمة الحرية.

وتجدر الإشارة إلى أن صياغة الفصل 49 من الدستور تشبه إلى حد بعيد صياغة الفصل الأول من المرسوم عدد 115 لسنة 2011 المتعلق بحرية الصحافة والطباعة والنشر المستوحى بدوره من المعاهدة الأوروبية لحقوق الإنسان.

وتعتمد المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان سياسة فقه قضائية حامية للحقوق والحريات بناء على جملة من الضوابط التي تهدف لضمان وتعزيز تأويل ديمقراطي ومدني في مجال الحقوق والحريات. وتتمثل الضوابط والشروط المتعلقة بالقيود أساسا في وجوب وجود مصلحة مشروعة جديرة بالحماية (حقوق الغير، الأمن العام، الدفاع الوطني) واحترام شرطي التناسب[9] والضرورة[10] وخاصة احترام الطابع الديمقراطي للمجتمع[11].

وتتأسّس هذه المنظومة على غاية جوهرية متمثلة في حماية الفرد الذي يشكّل أساس البناء المجتمعي مما يؤدي ضرورة إلى تغليب هذه الغاية والسعي إلى ضمانها من خلال تعزيز قيم المساواة والكرامة والحرية.

في هذا السياق تضمّن الفصلان 89[12] و90[13] من مقترح مشروع مجلة الحقوق والحريات الفردية جملة من الأحكام التي تهدف إلى ضمان فاعلية الأحكام الدستورية وتمكين القاضي من الآليات القانونية الكافية للاضطلاع بدوره كحامي للحقوق والحريات الفردية.

أما بالنسبة للفصل 89، فإنه يعتبر نتيجة منطقية للفقرة الأخيرة من الفصل 49 من الدستور الذي كرس مبدأ عدم إمكانية التراجع عن الحقوق والحريات حيث نص أنه "لا يجوز لأي تعديل أن ينال من مكتسبات حقوق الإنسان وحرياته المضمونة في هذا الدستور."

ويفيد هذا المبدأ عدم جواز سنّ أي تشريع جديد من شأنه التضييق أو التقليل أو إنكار الضمانات القانونية للحقوق والحريات المنصوص عليها صلب تشريع قديم أي يجب أن يتضمّن التشريع المستقبلي على الأقل نفس الحماية القانونية الموجودة في التشريع السابق. ويمكن أن ننتهج نفس التمشي بخصوص القضاء الذي من واجبه عند الحاجة إلى التأويل أن يتوخى سياسة حامية للحقوق والحريات الفردية لا إلى التقليص منها حتى يكون متناسقا مع أحكام الدستور التي جعلت منه الحامي الطبيعي للحرية.

وأما بالنسبة لأحكام الفصل 90 من مقترح مشروع مجلة الحقوق والحريات الفردية، فلقد نظّم مسألة تقييد الحقوق والحريات بالرجوع إلى أحكام الفصل 49 من الدستور.

ويجب الانتباه إلى أن الفصل 49 تضمّن القيود كحقوق الغير أو الأمن العام أو الصحة العامة كما وضع ضوابط على هذه القيود كالضرورة والتناسب وعدم المساس بجوهر الحق. لكن تضمّن أيضا إطار التقييد والمتمثل في الدولة المدنية الديمقراطية أي أن إعمال شرطي التناسب والضرورة يكون مقترنا وجوبا بالطابع المدني والديمقراطي للدولة.

من هذا المنطلق، في صورة تصادم الحقوق والحريات فيما بينها أو مع المبادئ والأهداف الدستورية، يقع فضّ النزاع داخل منظومة الفصل 49 من الدستور وليس خارجها. وحتى فرضيّة التّصادم أو التّعارض بين الفصلين الأول والثاني، فإن معالجتها تقع بواسطة الفصل 49 الذي جعل من معيار الدولة المدنية الديمقراطية بيضة القُبّان.

وعلى هذا الأساس، يجب أن يُراعي التأويل القضائي ذلك الإطار الذي تُمارَس فيه الحقوق والحريات الفردية أي أنّه يجب فهم المصالح الجديرة بالحماية (حقوق الغير، الدفاع الوطني، الآداب العامّة...) من جهة أولى، وتطبيق شرطي التناسب والضّرورة من جهة ثانية، على ضوء الدولة المدنية الديمقراطية وبالتالي إقصاء المنظومات السياسية الأخرى كالعسكرية أو الاستبدادية أو الدينّية من مجال تبرير التّقييد وإلا فإن التأويل يكون مشوبا بعدم دستورية موصوفة.

ترتكز فكرة الدولة الديمقراطية على قيم ثلاث[14] وهي التعدّدية والتّفتّح والتّسامح.[15]ويكون حينئذ التأويل الدستوري عبارة عن قراءة ديمقراطية ومدنية للنّصوص القانونية ينبري على أساسها القضاء للدفاع عن الحقوق والحريات الفردية.

ففكرة الحرية لا يمكن أن تزدهر إلا في مجتمع ديمقراطي هو ذاته مرتكز على قيمة الحرية حيث أن الحرية والديمقراطية توأمان لا قوام لأحدهما إلا بصاحبتها لأن الحرية أساس الديمقراطية ثم صارت الديمقراطية بعدُ حارسة للحرية فلا بدّ للديمقراطية من أساس ولا بد للحرية من حارس وما لا حارس له فهو ضائع وما لا أساس له فهو مهدوم.[16]

إجمالا، تساهم الفصول القانونية المقترحة في تركيز وتدعيم مبدأ المعقولية من خلال دفع القضاء إلى احترام مبدأ هرمية القواعد القانونية وتبني تأويل ديمقراطي ومدني حيث أن " العدالة لا تتمثل (...) في التطبيق السليم لقاعدة ما بل في التطبيق السليم لقاعدة معقولة."[17] ويرى في هذا السياق الأستاذ الأزهر بوعوني بأن "إخضاع الرقابة لمبدأ المعقولية على صلة وثيقة بغايات العدالة التي لا تستند إلى أحكام دستورية بل تفرضها المحكمة على نفسها وتندرج ضمن ضوابط  الرقابة الذاتية التي لا تخفى أهميتها."[18]

 

 

  • نشر هذا المقال في العدد | 12 | أغسطس 2018، من مجلة المفكرة القانونية | تونس |. لقراءة العدد انقر/ي على الرابط ادناه:

العدالة المشوّشة بصراع الإيديولوجيات: ذاكرة فئوية لغد فئوي؟

 


[1] HAMROUNI Salwa, « Les droits fondamentaux et les constitutions maghrébines », in. Mélanges offerts au doyen Abdelfattah Amor, p. 561.

[2]يراجع في هذا السياق العنوان الثالث من مقترح مشروع مجلة الحقوق والحريات الفردية. تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة، تونس، 2018، ص. 115 وما بعد.

[3]" المعاهدات الموافق عليها من قبل المجلس النيابي والمصادق عليها، أعلى من القوانين وأدنى من الدستور."

[4]للتعمق في المسائل المتعلقة بعلاقة القانون الدولي بالأنظمة القانونية الوطنية، يراجع:

JENAYAH Mohamed Ridha (S. Dir), Le juge et le traité, URDAS et URDIS, Faculté de droit et des sciences politiques de Sousse, 2009 ; BEN ACHOUR Rafâa et LAGHMANI Slim, Droit international et droits internes, développements récents, Paris, Pedone, 1998.

[5]محكمة الإستئناف بتونس، حكم استئنافي استعجالي، القضية عدد 43429 بتاريخ 5 فيفري 2013. للاطلاع على الحكم يراجع: أيمن الزغدودي، حرية التعبير في تونس، أطروحة دكتوراه في القانون العام، كلية الحقوق والعلوم السياسية بسوسة، 2016.

[6]جاء في قرار محكمة الاستئناف عدد "بإجماع علماء المسلمين فإن تكذيب الرسول أو الاستهزاء منه أو الاستخفاف بالقرآن الكريم إذا أتاها المسلم وهو عالما بها يكون مرتدا خارجا عن دين الإسلام فإذا كان واعيا لها يصبح زنديقا فيكون أشد سوء من المقام في المرتد. (هكذا!)"

جاء بالحكم الصادر عن محكمة الاستئناف بالقاهرة ما يلي " وحيث ان هذه الأقوال بإجماع علماء المسلمين وأئمتهم إذا اتاها المسلم وهو عالم بها يكون مرتدا خارجا عن دين الاسلام. فاذا كان داعية لها فان بعض العلماء يسميه زنديقا فيكون اشد سوءا من المرتد." حكم في مادة الأحوال الشّخصية عدد 287 بتاريخ 14 جوان 1995.

[7]بل أكثر من ذلك وصل الأمر بالمحكمة الابتدائية بالقيروان إلى الحكم على المتهمين بتحجير الإقامة بولاية القيروان لمدة ثلاث سنوات أي الحكم عليهم بالموت المدني والنفي وهي عقوبات غير حضارية ومتعارضة تماما وحقوق الإنسان. المحكمة الابتدائية بالقيروان، حكم جناحي عدد 6782 بتاريخ 10 ديسمبر 2015، غير منشور.

[8]"بيضة القبان هي تلك الكتلة التي تتوسط كفتي القبان أو الميزان كي تتحكم بدقته. ويستخدم مصطلح بيضة القبان مجازاً للإشارة إلى الأمور الوسطى والمعتدلة في الغالب أو الأمور التي تحفظ التوازن في مجتمع أو أمر ما."

يمكن مراجعة هذا التعريف عبر الرابط التالي:

http://www.thaqafaonline.com/2011/12/blog-post_3500.html

[9]يراجع في هذا الإطار فقه قضاء المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان:

C.E.D.H., arrêt n° 29293/98, 29 février 2000 ; arrêt n° 33348/96, 17 décembre 2004 ; arrêt n° 26671/09, 22 janvier 2015.

[10] PECH Laurent, La liberté d’expression et sa limitation, Thèse, LGDJ, 2003, p.226.

[11] FARBE- ALIBERT Véronique, « La notion de société démocratique dans la jurisprudence de la C.E.D.H », R.T.D.H. 1998, p.466.

[12]"إذا احوجت الضرورة إلى تأويل القانون وجب أن يكون فيما يعزّز الحقوق والحريات الفردية، ولا يكون التأويل داعيا إلى إنكارها أو التضييق فيها أو التراجع عنها أبدا."

[13]" على المحاكم عندما تنظر في قضايا متعلّقة بالحد من الحقوق والحريات الفردية أن تؤوّل هذه القيود تأويلا ضيّقا وفق مقتضيات الفصل 49 من الدستور."

[14]أكّدت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في فقه قضاء مستقر على ارتكاز الديمقراطية على قيم التفتح والتعدد والتسامح.

أنظر على سبيل المثال:

CEDH, arrêt n° 5493/72, 7 décembre 1976 ; arrêt n° 7806/99, 13 aout 1981 ; arrêt n° 23144/9, 16 mars 2000.

[15]بخصوص القيم الثلاثة المذكورة، يراجع:

GARGOURI Mootez, « Etat de Droit et pluralisme », in. Colloque organisé par la faculté de droit de Sfax pour commémoration du cinquantenaire de la promulgation de la constitution du 1er juin 1959, Hanns Seidel, 2010, pp. 129-156.

POPPER Karl, The logic of scientificdiscovery, Taylor and Francis e-Libary, United Kingdom, 2005.

محمد أركون، التسامح واللاتسامح في التراث الإسلامي، المجلة العربية لحقوق الإنسان، العدد الأول أكتوبر 1995، ص. 8-20.

[16]وقع التصرف في مقولة منسوبة لأردشير وقراءتها بصورة مختلفة. " وقيل الدين والملك توأمان لا قوام لأحدهما إلا بصاحبه لأن الدين أساس الملك ثم صار الملك بعدُ حارسا للدين فلا بدّ للملك من أساس ولا بد للدين من حارس وما لا حارس له فهو ضائع وما لا أساس له فهو مهدوم".

[17]الأزهر بوعوني "تأملات في رقابة دستورية القوانين"، مجموعة دراسات لذكرى الحارث مزيودات، تونس، 1994، ص. 66.

[18] نفس المرجع، ص. 67.