أظهرت النتائج الأولية للانتخابات البلدية التونسية، التى حدثت في 6 مايو 2018، نجاحا كبيرا يحسب للأشخاص ذوي الإعاقة. فقد فاز 15 من أصل 18 مرشحا كرئيس قائمة من ذوي الإعاقة. كما فاز 144 شخصا من ذوي الإعاقة في المجالس البلدية التي يبلغ العدد الإجمالي لأعضائها 750[1]. نظرا لأهمية هذا النجاح ورمزيته، حاورت المفكرة القانونية يسري مزاتي، رئيس المنظمة التونسية الدفاع عن الأشخاص ذوي الإعاقة[2]، التى كان لها الدور الأبرز في تطوير المقاربات الحقوقية لذوي الإعاقة في تونس. مزاتي كان لاعب كرة يد في المنتخب التونسي وقد حقق ميداليات في مسابقات عدة (1992). في سنة 1999، فقد بصره في حادث أليم لكن عاد بعد سنوات إلى ممارسة الرياضة. في سنة 2012، أسس المنظمة التي يرأسها حاليا.

 

المفكرة: كيف تقيمون تطور قضية الأشخاص ذوي الإعاقة، خصوصا في المجال السياسي؟

المزاتي: في 2011، كان هناك فراغ في مجال المنظمات الحقوقية التى تعنى بالأشخاص ذوي الإعاقة. فأغلب هذه المنظمات كانت قبل الثورة موالية للنظام، فاختارت في ظل الثورة إما التوقف عن العمل أو الامتناع عن المشاركة في الثورة. أذكر في مارس 2011، كان على الدولة التونسية تقديم تقريرها الموازي للأمم المتحدة حول الاتفاقية الدولية للأشخاص ذوي الإعاقة. وإذ اضطرها ذلك على تشريك أشخاص من هذه الفئة لكتابة التقرير، تم اختياري من بين هؤلاء. أبرز ما لفت انتباهي المادتين 29 و30 من الاتفاقية الدولية والتى تتحدث عن المشاركة السياسية للأشخاص ذوي الإعاقة، خصوصا أننا كنا في فترة سياسية بامتياز في خضمّ التحضير لانتخابات المجلس التأسيسي. القانون الانتخابي لعام 2011 كان يتحدث في فصله 61 عن المشاركة في الحياة السياسية للشخص "في حالة خاصة". هذا التعبير كان مبهما جدا. فعن أي "حالة خاصة" نتحدث؟ هل هو المريض؟ السجين؟ أو المسافر؟ هنا، قررت مع خمسة أشخاص من ذوي الإعاقة القيام بعملية مناصرة في جويليا 2011 لإدماج هذه الفئة في الحياة السياسية، بالإعتماد على الإتفاقية الدولية التى سبق وذكرتها. اجتمعنا مع رئيس الهيئة المستقلة للانتخابات وناقشنا امكانية تنقيح الفصل 61. تم ذلك فعلا، حيث أصبح الشخص "ذوي الإعاقة" يذكر بصفته هذه في القانون الإنتخابي. وكان ذلك أول إنجاز للمنظمة التونسية للاشخاص ذوي الإعاقة. انتهزت الفرصة وقتها وشكلت قائمة مستقلة ترأستها: كانت هي أول قائمة مستقلة في انتخابات المجلس التأسيسي من بين حوالي ال 1650 قائمة. ولكن لم يحالفني الحظ للترشح بسبب ندرة التمويل. من هنا كان قرار المنظمة تطوير المشاركة السياسية للأشخاص ذوي الإعاقة في الانتخابات البرلمانية لعام 2014. قررنا العمل على تنقيح عدة فصول في قانون مجلة الانتخابات لسنة 2014، ليصبح للأشخاص ذوي الإعاقة الحق في الانتخاب وترؤس القائمات. كما عملنا على تسهيل عملية الانتخاب لهذه الفئة، حيث أصبح للكفيف والأمي من ذوي الإعاقة امكانية أن يكون له مرافق. كما تم توفير آليات خاصة تيسيرية داخل مراكز الاقتراع، مثل ترجمة القائمات الانتخابية إلى لغة " برايل" (كي يتمكن الضرير من الاطلاع على فحواهما). أيضا عملنا على أن يكون بعض رؤساء مكاتب الاقتراع والملاحظين داخل مراكز الاقتراع من ذوي اعاقة. أستطيع وصف عملنا في هذا الإطار بالمتطور والفعّال.

أيضاً أدّت الاستراتجية التي اعتمدتها تكرارا إلى نتائج إيجابية، لجهة تسهيل تطور قضية ذوي الإعاقة في تونس، وهي استراتيجية "حل المشاكل". عندما يحدث إشكال وطني كبير، نسارع نحن كأشخاص ذوي إعاقة لحلها أمام عجز الحكومة. إن أصبنا فهذا حسن، وإن لم نصب فيكفينا أننا حاولنا. ولكن لحسن الحظ كنا نصيب دائما، ما جعلنا نبيّن أن لذوي الإعاقة أهمية وطنية كبيرة وما جعلنا أيضاً نكسب ثقة الحكومة وأصحاب القرار. أذكر مثالا على ذلك الاعتصام الكبير لعمال مصنع الفولاذ في ولاية بنزرت، وهو أكبر مصنع للفولاذ في تونس، في 2011 والذي امتد على مدار أسبوع. عجز المسؤولون والسياسيون عن حلّ هذا الاعتصام. تدخلت أنا للحوار مع المحتجين واتصلت بعدة جهات سياسية وحكومية. وفي فترة زمنية قصيرة، تم حل الاحتجاج بالكامل. ما جعلني أكسب ثقة الحكومة وسهل لي الدخول إلى البرلمان والاجتماع مع نواب وسياسيين لمناصرة حقوق ذوي الإعاقة. الاستراتجية باختصار "نستظهر بعجز السلط مع إنجاز ذوي الإعاقة".

بمناسبة الانتخابات البلدية، قمنا بتقديم مقترح يزيد من وزن الأشخاص ذوي الإعاقة في الحياة السياسية. وجدنا أنه كما أن هناك ضمانات لمشاركة المرأة والشباب في قانون الجماعات المحالية، يجب أن يكون لمشاركة ذوي الإعاقة من باب أولى ضمانات. لذللك كان الاقتراح أن يكون شخص من ذوي الإعاقة من ضمن العشرة الأوائل في القائمات الانتخابية، على أن يترتب على كل من لا يلتزم بذلك حرمان القائمة أو الحزب من التمويل العمومي.

قريبا سنباشر العمل على قانون الانتخابات البرلمانية التى ستتم غالبا في 2019. ركيزتنا هذه المرة هم الأشخاص ذوو الإعاقة المنخرطون في العمل البلدي والذين تراوح عددهم، كما أظهرت النتائج الأولية للانتخابات البلدية، بين 144 من إجمالي 750. هذا النجاح سيساعدنا على أن نطالب بإدراج ذوي الإعاقة من ضمن الأربعة أو الثلاثة الأوائل في قائمات الانتخابات البرلمانية.

 

المفكرة: ماذا عن تكوين الأشخاص ذوي الإعاقة للترشح على الانتخابات وماذا عن تكوينهم للعمل البلدي لاحقا؟

المزاتي: قمنا بتكوين ما يقارب 1650 شخص من ذوي الإعاقة في المقاربات الحقوقية. كما تم تكوين منظمات في هذا المجال، وخصوصا فروعنا في الولايات، على كيفية التعامل مع ذوي الإعاقة داخل البلديات. كان لنا أيضا ظهور إعلامي كبير. قمنا بالعديد من الملتقيات والندوات الصحفية كان الإعلام متواجدا فيها كلها.  

 

المفكرة: ما مدى التطور الحقوقي في العمل والتعليم والتنقل للأشخاص ذوي الإعاقة؟

المزاتي: في 2012، تم تنقيح القانون التوجيهي لسنة 2005 فيما يخص الضمانات او التأمينات التى تقدمها الدولة التونسية للأشخاص ذوي الإعاقة. أعتقد أن القانون ممتاز ولكن لم يتضمن أي ضمانات. كان يحتوي القانون على تعبير "تمكّن الدولة"، وهو تعبير سياسي فارغ، حيث أنه يخلو من أي زجر أو آلية تنفيذية. تغيّر الأمر مع التنقيح لتتحول كلمة "تمكين" إلى "ضمان". في التشغيل، زادت نسبة 1% من توظيفات ذوي الإعاقة المنصوص عليها قانونيا إلى 2% إجبارية في القطاعين العام والخاص. وفي حال لم يرد أو لم يستطع صاحب المؤسسة توظيف 2%، فعليه خلق مورد رزق خاص لأشخاص ذوي الإعاقة بنسبة توازي ال2% المقرة في القانون.

كما تم في 6 نوفمبر 2013 تنقيح قانون التربية فيما يخص المدارس الدامجة للأطفال ذوي الإعاقة. وقد أصبحت، بموجب هذا القانون، جميع المدراس التونسية دامجة.

فيما يخص قانون السيارات، تم تنقيح القانون  ليخول الأشخاص ذوي الإعاقة السمعية، البصرية، والجسدية، توريد سيارة معفية من الإداءات، على أن يكون له توكيل لمن سيكون السائق لمدة سنة.

كما تم تنقيح قانون الحماية الاجتماعية لتمكين العائلات المحتاجة والتى لها أفراد ذوي إعاقة من أجر إضافي من الدولة التونسية. كما للأشخاص ذوي الإعاقة العديد من الإعفاءات في وسائل النقل.

في 18 جويليا 2017، قمنا بتقديم سبعة مقترحات لرئيس الحكومة التونسية في ندوة حول إدماج الأشخاص ذوي الإعاقة في التكوين المهني والتشغيل. عقدت هذه الندوة تحت إشراف رئيس الحكومة والاتحاد العام التونسي للشغل والاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية ووزارة التكوين المهني. أعلن رئيس الحكومة عن هذه المقترحات بأنها بمثابة "قرارات" عقب الندوة، الأمر الذي أظهر تعاونا كبيرا من قبل الحكومة لقضايا المعوقين.

كما أشير هنا إلى أن المنظمة التونسية للدفاع عن حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة هي أول منظمة حقوقية في تونس ترفع التقرير الموازي للأمم المتحدة، وكان ذلك في 30 أوت 2017.

ولكن التطور القانوني لم يترافق مع تطور موازٍ على أرض الواقع. فتنزيل هذه المقترحات والقوانين واقعيا ما يزال بطيئا جدا في كل المجالات. ولكننا كمنظمة تعنى بالأشخاص ذوي الإعاقة نؤمن أننا اليوم نعمل على تحضير الأرضية. يبدأ ذلك أولا من خلال تنقيح القوانين. المرحلة الثانية تقوم على الضغط لتفعيلها وتنفيذها.

 

المفكرة: هل تلجؤون للقضاء في سبيل الضغط لتطبيق القوانين؟

المزاتي: لا نريد أن ندخل في حرب القضاء خوفا من أن يضر ذلك القوانين التى نريد أن ننجز تنقيحها. بعد تخطي مرحلة تنقيح جميع القوانين، يمكن أن نلجأ للقضاء. في الواقع، لا نريد أن ندخل في تصادمات مع أي طرف. أو بالأحرى، في نظرنا اليوم ليس وقت التصادمات أبدا.

 

المفكرة: ما هي استراتجياتكم كمنظمة حقوقية في التعاطي مع الجهات الحزبية المختلفة؟

المزاتي: في الواقع، نحن نعمل على الأماكن وليس على الأحزاب. أقول بكل صدق يمكن أن نترشح في الانتخابات البرلمانية القادمة على قائمات أحزاب عدة، ولكن نبقى في ذاتنا نفضل عدم الإنتماء لأي حزب. البعض يمكن له أن ينتمي حزبيا، ولكن النسبة الكبيرة تعد نفسها مستقلة.

شخصياً، يمكن لي أن أترشح على قائمة أحد الأحزاب الكبرى، في حال منحني فرصة الترشح من بين الثلاثة أو الإثنين الأوائل على القائمة. إن لم يحدث ذلك، فسأتوجه إلى خيار القائمة المستقلة. وجودنا نحن كأشخاص ذوي إعاقة في أي حزب سيمنحنا الفرصة لتعزيز مقاربة حقوقنا في خطاب هذا الحزب وممارساته.

 

المفكرة: ماذا عن الجمعيات الأخرى التى تعنى بالأشخاص ذوي الإعاقة؟

المزاتي: في تونس هناك حوالي عشر منظمات حقوقية متخصصة بالإعاقة. تتعاون المنظمة التونسية معهم. ولكن في الكثير من الحالات، تبقى هذه المنظمات غائبة بسبب ضعفها المادي. خلال السنوات السابقة، أصبحت المنظمة التونسية للدفاع عن حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة على قدر من الأهمية نظرا لموقعي وعلاقاتي المحلية والدولية. فأنا عضو في الهيئة التسييرية بين فرنسا وتونس لبرنامج "لنكن فاعلين وفاعلات"، الممول من الوكالة الفرنسية للتنمية وتحت إشراف وزارة الخارجية الفرنسية، والذي يضم أكثر من 80 جمعية دولية. أنا عضو أيضا في Disabled Peoples' International. كما أنني عضو في الاتحاد العام الافريقي وفي التحالف المغاربي وتحالف شمال أفريقيا. كما أني ملاحظ في الأمم المتحدة في جنيف. كما أن المنظمة التونسية هي الشريك الأول لhandicap international. يضفي ذلك الكثير من التموقع والأهمية للمنظمة على الصعيدين المحلي والدولي.

هناك تشبيك بين المنظمة التونسية للدفاع عن حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة ومنظمات تعنى بمواضيع حقوقية مختلفة، بحكم أن جميع المواضيع الحقوقية تمس بالمواضيع التى تعالجها المنظمة. فإن تحدثنا عن الشباب نجد أنه هناك شباب ذوو إعاقة. وإن تحدثنا عن المرأة أو الطفل، أيضا. كما نتعاون بشكل كبير مع وزارة العلاقة مع الهيئات الدستورية والمجتمع المدني وحقوق الإنسان، والتى تعمل بشكل كبير وقريب مع جميع المنظمات الحقوقية في تونس.

ولكن يبقى هناك مواضيع نفضل عدم الخوض فيها. أقرب مثال على ذلك قضية التناصف على الميراث. نجد هذه القضية سياسية ونخبوية أكثر منها حقوقية. فمشكلة ذوي الإعاقة أكبر بكثير وهي تتمثل بامكانية إيجاد عمل ومورد رزق، قبل المحاصصة على ميراث هو في غالب الحالات غير موجود. نحن نفضل دائما عدم الدخول في تصادمات سياسية من هذا النوع.

 

المفكرة: هل هناك عمل مشترك مع الدول العربية؟

المزاتي: يلتقي الفاعلون في مجال الأشخاص ذوي الإعاقة في مصر كل سنة في المنتدى العربي لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة ليتم وضع استراتجيات سنوية وتبادل الخبرات. آخر لقاء كان في 2016. صعوبة التمويل حال دون عقد اجتماع في 2017. في الواقع، نحن في تونس استفدنا من التجربة الحقوقية المغربية كثيرا لتطوير الوضع الحقوقي للأشخاص ذوي الإعاقة في تونس. كما استفادت مصر من التجربة التونسية فيما يتعلق ببطاقة الإعاقة. تبادل الخبرات يجعلنا نتطور حقوقيا على نسق متوازٍ كبلدان عربية، وهذا جيد.

 

المفكرة: ما تقييمكم لدعم الاتحاد العام التونسي للشغل لحقوق المعوقين؟

المزاتي: قام الاتحاد بعمل إحصائيات شملت حوالي 1000 شخص من ذوي الإعاقة لدرس أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية، خصوصا في مجال العمل. وجدنا من خلال هذه الدراسة العديد من الانتهاكات. قررنا على إثر ذلك تشكيل لجنة داخل الاتحاد تعنى بالعمال ذوي الإعاقة وتهدف إلى تحسين وضعيتهم في العمل والمساعدة على تنقيح القوانين التى تصب في هذا الاتجاه. كما كان للاتحاد دور بارز في العمل مع الحكومة لتفعيل العديد من القرارات التى اتخذت سابقاً في هذا المجال. أعتقد أن الاتحاد حليف مهم لنا كمنظمة وكذوي إعاقة.   

 

  • نشر هذا المقال في العدد | 12 | أغسطس 2018، من مجلة المفكرة القانونية | تونس |. لقراءة العدد انقر/ي على الرابط ادناه:

العدالة المشوّشة بصراع الإيديولوجيات: ذاكرة فئوية لغد فئوي؟

 


[2]  عدد المنتسبين إلى المنظمة التونسية للدفاع عن حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة 1650 بالإضافة إلى 40 مكون من أشخاص ذوي الإعاقة منتشرين على كافة تراب الجمهورية التونسية. كما للمنظمة أربعة فروع في مناطق داخلية مثل القصرين، مدنين، الكتف، سيدي بوزيد.