بصدور دستور 27 جانفي 2014، تعززت الحقوق والحريات مقارنة بدستور الأول من جوان 1959 وكان من أبرز إسهاماته، تأكيده بصفة واضحة على "الحريات الفردية" من ناحية وإقراره بجملة هامة من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

فالدستور استعمل عبارة الحريات الفردية وجعل منها مفهوما قائما بذاته بما أنه ميّزها عن الحريات العامة (الفصل 21). كما كرّس صراحة مفهوم الحياة الخاصة (الفصل 24) وحرية الضمير والمعتقد ( الفصل 6) ومنع دعوات التكفير والتحريض على الكراهية (الفصل 6)، وأكدّ على كرامة الذات البشرية (الفصل 23) ونصّ على المساواة من غير تمييز (الفصل 21) ومفهوم الآداب العامة (الفصل 49) ومبدأ الضرورة والتناسب في دولة مدنية ديمقراطية (الفصل 49) وحماية المقدّسات (الفصل 6). كل هذه المفاهيم والتي تمّ تضمينها صلب منظومة حقوق الإنسان بصفة تدريجية وتمّ إثراء مضمونها عن طريق الهيئات الأممية والإقليمية لحقوق الإنسان يتوجب إنفاذها وذلك بإعطائها المدلول المناسب الذي سيمكن الجميع من فهمها والإلمام بها وتطبيقها.

فدولة القانون لا تقوم إلا على نصوص قانونية واضحة في متناول المواطن تسمح للأفراد بفهم مقتضياتها وتحديد تصرفاتهم على أساسها وألا تترك سلطة تقديرية مطلقة للأشخاص المكلفين بتطبيقها حتى لا يتمّ تقييد الحقوق والحريات بصفة غير مبرّرة. وهو ما ذهبت إليه اللجنة الأممية لحقوق الإنسان بشأن حرية التعبير سنة 2011[1] وكذلك فقه قضاء المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان[2]. هذا الهاجس كان حاضرا بوضوح لدى واضعي تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة، وفي مقترحات النصوص القانونية التي تقدمت بها. هذا التوجه الذي لا يخلو من طابع بيداغوجي من شأنه أن يوضح المفاهيم الدّستورية وأن يقدم قراءة وطرحا تطبيقيين لها.

 

في مفهوم الحريات الفردية وكيف نستبطنها:

عرفت اللجنة الحريات الفردية بكونها: "الحقوق والحريات التي تهدف إلى حماية الفرد بصفته تلك أو التي لا يحتاج في ممارستها إلى مشاركة غيره" (الفصل الأول من مقترح مشروع مجلة الحريات الفردية). هذا التعريف يقطع مع التعريف السلبيّ للحريات الفردية والتي يقدمها دائما على أنها نقيض للحريات الجماعية/العامة، وهي مسألة غير دقيقة. ولذا كان تعريف اللجنة للحريات الفردية مؤسسا على معيارين: حماية الفرد من ناحية كهدف لهذه الحريات وطريقة ممارستها من ناحية أخرى حيث لا تشترط هذه الحريات عند ممارستها مشاركة الغير.

هذا التمشّي البيداغوجي الأكاديمي في تقديم الحقوق والحريات يبدو مفيدا في هذه المرحلة من التاريخ الحقوقي في تونس وذلك لسببين:

الأول، تركيز مفهوم الفرد كصاحب حقوق يجب بصفته تلك حمايته من تدخل المجموعة وسيطرتها عليه وتغييب إرادته واختياره الحر وهو ما سيمكن من إرساء ثقافة الفضاء الخاص والرأي الحرّ النقدي والتنوع والاختلاف وينمّي الوعي لدى الفرد بهذه الحقوق،

الثاني، وضع نظام قانوني متميز للحريات الفردية، ممّا يساهم في تركيز فقه قضاء خاص بهذه الحريات كصنف من الأصناف القانونية التي يتوجّب حمايتها وتأكيدها بوصفها جزءاً لا يتجزأ من حقوق الإنسان.

 

في مفهوم التمييز ومكوناته:

تعرض الدستور التونسي للتمييز عند تناوله لمسألة المساواة فقد أكد الفصل 21 منه: "المواطنون والمواطنات متساوون في الحقوق و الواجبات وهم سواء أمام القانون من غير تمييز".

هذا الإقرار بالمساواة لم يوضح أوجه التمييز، وهو تمشٍّ إيجابي لأنه لم يحصر أنواع التمييز في النص الدستوري بل ترك ذلك للقانون لاحقا ولفقه القضاء بأنواعه: الدستوري، العدلي والإداري، مما سيمكن من التوسع في أنماط التمييز وأشكاله.

وفي هذا الصدد، كان مشروع المجلة الذي عدّد أشكال التمييز وأعطى بذلك محتوًى لهذا المفهوم الذي كرسه الدستور.

وقد ورد بالفصل 4 من مشروع المجلة أنه "يحجّر التمييز بين المرأة والرجل في الاعتراف بالحقوق والحريات الفردية والتمتع بها وممارستها.

ويحجر التمييز بسبب الإعاقة في الاعتراف بالحقوق والحريات الفردية والتمتع بها وممارستها.

كما يحجر كل تمييز آخر في الحقوق والحريات الفردية سواء بسبب العرق، أو اللون، أو المظهر الخارجي، أو السنّ، أو الحالة الصحية، أو التوجهات الجنسية أو حالة الحمل، أو اللغة، أو الدّين، أو الرأي السياسي أو غير السياسي، أو النشاط النقابي، أو الأصل القومي أو الاجتماعي، أو مكان الإقامة، أو الثروة، أو النسب، أو الحالة المدنية أو غير ذلك من الأسباب". 

و من خلال هذه القائمة غير الحصرية، نلاحظ التوسع في أشكال التمييز لتشمل ما توصلت إليه أدبيات حقوق الإنسان وفقه اللجان الأممية والإقليمية لحقوق الإنسان وفقه قضاء محاكم حقوق الإنسان وخاصة المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان والمحكمة الإفريقية لحقوق الإنسان والشعوب.

من شأن هذا التمشي من قبل اللجنة أن يمثّل إطارا شاملا لمفهوم التمييز ويتجاوز بذلك النقائص الحالية في التشريعات التونسية التي لا تحتوي على نص جامع وشامل يمنع التمييز في شتى المجالات بل إن التشريعات التي تمنع التمييز تبقى قطاعية: قانون الوظيفة العمومية[3] والقانون الأساسي المتعلق بالقضاء على العنف ضد المرأة[4].

و هنا تكمن أهمية مشروع مجلة الحريات الفردية التي تعرف التمييز تعريفا شاملا يسرى على كافة الأشخاص بما في ذلك غير التونسيين وعلى جميع المجالات إلى جانب أنه أوّل نص شامل يقترح تجريم التمييز ويعطي بذلك معنى لمنع التمييز الوارد في الفصل 21 من الدستور.

 

في توضيح معنى كرامة الذات البشرية:

لقد جعل دستور 2014 من الكرامة مكونا من مكونات شعار الجمهورية حيث أَضاف الكرامة إلى الحرية والعدالة والنظام (الفصل 4). ثم أكّد في الفصل 22 على أنه: "تحمي الدولة كرامة الذات البشرية وحرمة الجسد وتمنع التعذيب المعنوي و المادي ...".

وقد حاولت لجنة الحريات الفردية والمساواة أن تعطي محتوى لهذا المفهوم وذلك بتقديم تعريف للكرامة وبالتوسع في مكوناتها حتى لا تبقى فقط مرتبطة بالتعذيب والانتهاكات الجسدية والمعنوية.

  • في تعريف الكرامة: يعرف الفصل 20 من مشروع المجلة الكرامة على أنها: "الاحترام غير المشروط الواجب له بغض النظر عن كل اعتبار متعلق بجنسه ... وهي تعني على وجه الخصوص ألا يتم التعامل مع أي إنسان كشيء أو كوسيلة".

يركز هذا التعريف على مسألتين: احترام الإنسان غير المشروط وعدم التعامل معه كوسيلة أو كشيء. وهو ما يؤسس فعلا للفرد كصاحب حقوق وصاحب وضع قانوني متفرد.

  • في أوجه حماية الكرامة الإنسانية: إلى جانب المكونات المتعارف عليها في الحرمة الجسدية والمعنوية: منع التعذيب والممارسات المهينة والحاطّة من الكرامة ومنع انتهاك شرف الإنسان وسمعته[5]، فإن المشروع أكدّ على جوانب أساسية وتطبيقية لم يتعرض لها القانون المنطبق الآن وتتسبب في انتهاكات عديدة لحقوق الأفراد وكرامتهم. وهي أساسا الفحوصات ووسائل الإثبات وطرق العلاج.
  • تأطير الإجراءات والتدخلات الطبية أو الوقائية أو التشخيصية أو العلاجية: إن تأكيد اللجنة في مشروعها على هذه المسائل[6] يكتسي أهمية بالغة وذلك بتأطير الإجراءات ذات العلاقة بالحرمة الجسدية للفرد. ومن أهم الضوابط التي أقرتها اللجنة هو رضا الشخص المعني بذلك. وبينت أحكام مشروع المجلة أنه يقصد برضا الفرد قبوله المسبق الحرّ، الواعي استنادا إلى معلومات وافية (الفصل 30).

ويتأكّد هذا التوجه مع الإقرار بحق الفرد في أن يقبل أو يرفض إخضاعه لوسائل علاجية معينة (الفصل 32) ويمكن للراشد أن يوصي بذلك كتابيا في حالة عدم قدرته على أخذ القرار.

هذا التنصيص الذي من شأنه أن يحفظ كرامة الفرد وحقه في أن يصون حرمته الجسدية والمعنوية من أي وضع قد تكون فيه إهانة أو انتقاص من كرامته توقف عند هذا الحد ولم تمضِ اللجنة إلى أبعد من ذلك في اقتراحاتها المتعلقة بحماية كرامة الأشخاص وخاصة في إطار العلاج والاستشفاء. فاللجنة لم تخض تماما في مسألة "الحق في الموت الرحيم" والذي من شأنه أن يحفظ أيضا كرامة الأشخاص وحرمتهم.

بل إن اللجنة قد خاضت مباشرة في مسألة الدعوة إلى الانتحار والتحريض والمساعدة عليه (إلغاء الفصل 206 من المجلة الجزائية و تعويضه وإتمامه بالفصل 206 مكرّر)، من دون أن تذهب إلى فتح الباب أمام مناقشة مسألة "الموت بكرامة".

 

في تأكيد مكوّنات الحياة الخاصة:

بإقرار الدستور بواجب الدولة في حماية الحياة الخاصة (الفصل 24)، أصبح لدينا حكم دستوري يتوجب تفصيله وتوضيحه ليكون له معنى بالنسبة للمواطنين والمشرفين على إنفاذ القانون.

فبالرغم من وجود عديد الفصول القانونية التي تحمي جوانب من الحياة الخاصة (حماية المسكن وحماية المعطيات الشخصية عند المعالجة) ، فإن القانون التونسي بقي مفتقرا إلى فصل/حكم جامع واضح يؤكد على حماية الفرد في حياته الخاصة وذلك بالرغم من أن مجلة حماية الطفل كانت أقرت منذ صدورها في 9 نوفمبر 1995 "بحق الطفل في احترام حياته الخاصة"(الفصل 6).

  • في تحديد مكوّنات الحياة الخاصة: بتذكرها لمجموعة من مكونات الحياة الخاصة أعطت اللجنة أخيرا معنى لهذا المفهوم مؤكدة على مكوناته وخاصة "مظهر الشخص، الحياة العاطفية والجنسية والعائلية والاجتماعية، السلوك والمحادثات في مكان خاص، المحادثات غير الموجهة للعموم..."[7]. هذا التقديم لمكونات الحياة الخاصة يؤكد على الخصوصيات الفردية لكل إنسان والتي لا يرغب في مقاسمتها إلا برضاه ومع أشخاص من اختياره.
  • تأثير إقرار مكوّنات الحياة الخاصة على القانون المنطبق: بقبول مفهوم الحياة الخاصة كما أقرته اللجنة في مشروع المجلّة، تماشيا مع توجهات لجان حقوق الإنسان الأممية والإقليمية ومع فقه قضاء المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان والمحكمة الإفريقية لحقوق الإنسان والشعوب، فإن عديد الأحكام القانونية التي تحتويها النصوص الجزائية تصبح غير مبررة.

ولذا ألغى مشروع المجلة الفصل 230 من المجلة الجزائية (الذي يعاقب اللواط والسحاق بثلاث سنوات سجنا)، استنادا إلى أن ذلك من الأفعال المنضوية في حرمة الحياة الخاصة.

كما لا يمكن عندئذ مواصلة العمل بأحكام الفصل 231 والمتعلق "ببيع العرض" ويتوجب تنقيحها حتى تتوافق مع مفهوم الحياة الخاصة وحمايتها، وبيان الحدود التي يتوقف عندها التدخل القانوني في العلاقات الحميمية والجنسية للأفراد. ولذا اقترحت اللجنة تغيير العقوبات المقررة في جرائم تجارة الجنس من عقوبات سالبة للحرية إلى خطايا فقط.

 

تقديم حلول لاحترام الآداب العامة:

ينصّ الفصل 49 من الدستور على أنه يمكن تقييد الحقوق والحريات بقوانين تتخذ لضرورة تقتضيها دولة المدنية الديمقراطية وذلك لحماية الآداب العامة... شرط عدم المساس بجوهر الحق والتناسب بين الضوابط وموجباتها...". ولذا وبإقرار الحق في الحياة الخاصة وحماية خصوصية الفرد وحرياته الفردية، يتوجب إعطاء مدلول "للآداب العامة" حتى تتوضّح مكوناتها ويكون استعمالها لتقييد الحقوق والحريات واضحا، ومنسجما مع مبدأ الشرعية في تجريم الأفعال.

ولذا عمدت اللجنة في مشروع المجلة إلى تنقية المجلة الجزائية من مصطلحات فضفاضة وخطيرة على الحقوق والحريات.

فكان أن حذفت اللجنة عبارات الفصول 226 وما يليها والتي تخالف تماما مبدأ الشرعية وهي عبارات الفحش، الأخلاق الحميدة، الحياء، الفجور... وأعطت معنى واضحا للاعتداء على الآداب. هذا التوضيح من شأنه أن يحسم الجدل حول مفهوم الأخلاق والفحش والحياء ويجعله فعلا واضحا يتعلق ماديا بالفعل الجنسي أو بالأماكن الحميمية ويتعلق بالرغبة (القصد، العنصر المعنوي) في الإيذاء (القصد، العنصر المعنوي) أي التعمد وليس الفعل عن طريق الصدفة... هذا التوجه من شأنه على المستوى القانوني، التوافق مع مبدأ شرعية الجرائم وعلى مستوى الحريات، حماية الحياة الخاصة والاختيارات الفردية ومنح الأفراد الإحساس بالأمان وهو ما يجب أن ينعكس أيضا على مستوى تناسب العقوبات المقررة لهذه الأفعال. ولذلك حملت اللجنة من عقاب الاعتداء على الآداب العامة غرامة مالية فقط.

هذا التوجه الذي ارتأته لجنة الحريات الفردية والمساواة جاء متوافقا مع دستور 2014 والذي أكّد على أن التضييق من الحريات لا يكون إلا في إطار دولة ديمقراطية مدنية، وحيث أنه من مقومات الآداب العامة في هذه الدول هو أن تكون متعدّدة نسبية وقد أكّدت ذلك اللجنة الأممية لحقوق الإنسان والتي أقرت بأنه لا يمكن ضبط الآداب العامة بتصور أحادي ووحيد.

 

توضيح مكونات حرية الضمير والمعتقد وممارسة الشعائر:

أقر الفصل 6 من الدستور أن "الدولة راعية للدين كافلة لحرية المعتقد والضمير وممارسة الشعائر الدينية ضامنة لحياة المساجد ودور العبادة عن التوظيف الحزين.

تلتزم الدولة بنشر قيم الاعتدال والتسامح وبحماية المقدسات ومنع النيل منها، كما تلتزم بمنع دعوات التكفير والتحريض على الكراهية والعنف وبالتصدي لها".

  • في محتوى حرية الضمير والمعتقد: عرفت مجلة الحريات الفردية حرية الضمير والمعتقد على أنها: "حرية الإنسان في أن يدين بدين ما أو أن لا يدين، وحريته في اعتناق أي دين أو معتقد يختاره، وحريته في إظهار دينه أو معتقده بالتعبد وإقامة الشعائر والممارسة والتعليم، بمفرده أو مع جماعة، وأمام الملأ أو على حدة''[8].

هذا التعريف يتوافق مع ما نص عليه كل من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (الفصل 18) وكذلك الفصل 18 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية لسنة 1966، وبذلك يصبح لحرية الضمير والمعتقد معنى يمكن الأفراد والمجموعات أيضا من الإحساس بالأمان على أنفسهم مهما اختلفت آراءهم ومعتقداتهم وممارساتهم الدينية أو اللادينية.

وتكتسي حرية الضمير والمعتقد أهمية بالغة في الدول التي توجد فيها ديانة مهيمنة، كما هو الوضع في تونس، حيث يمكن في إطار هذه الدول إفراغ حرية الضمير والمعتقد من محتواها ومن جوهرها. ولذا أقرت لجنة حقوق الإنسان بالأمم المتحدة بأن الاعتراف بديانة ما باعتبارها دين الدولة أو الدين الرسمي أو التقليدي أو باعتبار أن أتباعها يشكلون أغلبية السكان يجب ألا يؤدي إلى تمييز ضد أتباع الديانات الأخرى والأشخاص غير المؤمنين"[9].

وينطبق هذا التعليق تماما على الوضع التونسي بوجود دين للدولة مكرّس دستوريا (الفصل1). كما جاء إقرار الدستور (الفصل 6) بحرية الضمير والمعتقد ليحدّ منه وكان اقتراح الفصل 50 من مشروع مجلة الحريات الفردية تطبيقا مفصلا له. ممّا من شأنه أن يحدّ من فكرة هيمنة الدين الرسمي أو دين الأغلبية على غيره من الأديان من ناحية وعلى حق كل فرد في اعتناق أو عدم اعتناق دين ما أو فكر ما أو عقيدة ما دينية كانت أو الحادية.

- في مفهوم التكفير وحماية المقدسات: يلزم الفصل 6 من الدستور الدولة بـ"منع دعوات التكفير والتحريض على الكراهية والعنف والتصدي لها". هذا الإقرار الدستوري يلزم بتحديد مفهوم التكفير لتكون له انعكاسات قانونية وجزائية على الأفراد أو المجموعات التي تمارسه وتنتهجه.

فكان اقتراح اللجنة بإضافة الفصل 166 مكرّر إلى المجلة الجزائية والذي سيعاقب "بخطية قدرها ألف دينار كل من يدعي على شخص أو على مجموعة أشخاص أمرا يخص انتماءهم إلى دين معيّن أو عدم انتمائهم إليه... وذلك بقصد الإساءة إليهم أو للتحريض على عدم التسامح أو الكراهية أو العنف أو التميز مهما كان سببه.

وإذا تعلق الادعاء بشخص متوفى، فإن إثارة التتبع تتوقف على تقديم شكاية ممن له صفة".

فالتكفير يعتمد أساسا على توجيه ادعاء على أشخاص تكون الغاية منه الإساءة إليهم والتحريض ضدهم. هذا المحتوى والذي يعطي معنى "للحكم الدستوري بمنع دعوات التكفير يجب ألا يصطدم أيضا بحريات أخرى أساسية وهي حرية التعبير من ناحية والحريات الأكاديمية وحرية البحث العلمي من ناحية أخرى، ولذا كان اقتراح اللجنة صلب مشروع المجلة أن يكون القصد من الادعاء الإساءة أو التحريض.

وبالرجوع إلى مشروع مجلة الحريات الفردية نلاحظ بأن اللجنة اقترحت إضافة الفصل 166 ثالثا إلى المجلة الجزائية ومنطوقه: "يعاقب بخطية قدرها ألفا دينار من يعمد إلى تحقير ديانة الغير في معتقداتها أو رموزها أو شعائرها أو مبانيها أو مواقعها بغاية التحريض على العنف أو الكراهية أو التمييز مهما كان شكله".

إلا أن تجريم الاعتداء على المقدسات اعتمد عبارة غير واضحة وهي "التحقير" كفعل مادي يؤدي إلى المؤاخذة الجزائية إلى جانب العنصر المعنوي (القصد الجزائي) أي التحريض.

فعبارة التحقير غير دقيقة ومن شأنها عدم التقيد بصرامة بمبدأ الشرعية في التجريم. وهو ما يذكر بمفهوم ازدراء الأديان الذي أدّى لفترة طويلة إلى إدانة كل حوار بين أتباع الديانات المختلفة وداخل نفس الدّين أو المعتقد وهو ما أدّى إلى إدانة التفكير النقدي.

ولذا كان من الأفضل تدقيق معنى الاعتداء على المقدسات حتى يتم تجنّب كل المؤاخذات غير الجدية أو التي تهدف إلى اضطهاد الأشخاص المختلفين واللانمطيين.

 

  • نشر هذا المقال في العدد | 12 | أغسطس 2018، من مجلة المفكرة القانونية | تونس |. لقراءة العدد انقر/ي على الرابط ادناه:

العدالة المشوّشة بصراع الإيديولوجيات: ذاكرة فئوية لغد فئوي؟

 


[1] التعليق العام عدد 34 بخصوص المادة 19، جويلية 2011.

[2] من بين قرارات المحكمة نذكر قرار Fressoz et Roire ضد فرنسا، صادر في 21 جانفي 1995.

[3]الفصل 10 من القانون عدد 112 المؤرخ في 12 ديسمبر 1983 المتعلق بضبط النظام الأساسي العام لأعوان الدولة و الجماعات العمومية المحلية و المؤسسات العمومية ذات الصبغة الإدارية.

[4]القانون عدد 58 مؤرخ في 11 أوت 2017 المتعلّق بالقضاء على العنف ضدّ المرأة.

[5]الفصول 22 و ما يليها من مشروع المجلة.

[6]الفصول 30 وما يليها من مشروع المجلة.

[7]الفصل 59 من مشروع المجلة.

[8] الفصل 50 من مشروع المجلة.

[9]التعليق العام عدد 22 حول المادة 18 من تعليق مؤرخ في 1993.