دخلت بداية من يوم 01-06-2018 هيئة الحقيقة والكرامة مرحلة من تاريخها غير معلومة المخرجات سمتها تمسكها بالاستمرار في عملها لغاية نهاية سنة 2018، حال أن السلطة السياسية تعارض ذلك وتتمسك بنهاية ولايتها وتعلنها هيئة في حكم الغير موجودة. وكانت ذات الهيئة المتنازع في مصيرها قبل ذلك وبعده موضع سؤال فيما تعلق بأدائها من أنصار مسار العدالة الانتقالية ومن المناوئين له على حدّ سواء بسبب ما حكمها من صراعات داخلية وما شاع عنها من اتهامات بالفساد. يكون عند هذا الحدّ تعهد الدوائر المتخصصة في العدالة الانتقالية بقضايا انتهاكات حقوق الإنسان في ذات حين استشعار وصول أزمة الهيئة  لمرحلة حرجة رسالة ايجابية لمن يأملون رغم كل الرسائل السلبية في نجاح المسار التونسي للعدالة الانتقالية. وبعيدا عن هذا الأمل، وانطلاقا منه، تبرز الدوائر المتخصصة للعدالة الانتقالية كعماد المسار الذي نجا من الصراعات. ورغم أهميتها تلك، فإنها لم تحظى حتى الآن بدراسة هدفها جوابا عن السؤال حول قدرتها على تحقيق ما علق عليها من آمال. وهو السؤال الذي يحاول المقال التالي بحثه بعيدا عن حديث الولاء والمعارضة الذي يحكم إلى حد كبير الخطاب حول العدالة الانتقالية التونسية (المحرر).

 

 

 

أحالت هيئة الحقيقة والكرامة خلال الفترة الفاصلة بين 20-03-2018 و 02-08-2018 عشرين ملفا يتعلق بانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان لدوائر متخصصة في العدالة الانتقالية. وعليه، تكون الهيئة انتظرت سنتها الرابعة لتطلق مسار المحاسبة[1] الذي أناطه الفصل الثامن من القانون الأساسي المحدث لها لتلك الدوائر. لقيت أول جلسات تلك الدوائر والتي عقدت بتاريخ 29-05-2018 في قابس ترحابا حقوقيا هاما، وهو ترحاب تجاوز النطاق المحلي ليصل حدّ إصدار المفوض السامي لحقوق الإنسان بلاغا اعتبرها فيه "لحظة تاريخية، تبدأ من خلالها تونس مرحلة جديدة في مكافحة الإفلات من العقاب.[2]"

عند هذا الحدّ، يظهر مسار المحاسبة بمثابة المسار الأكثر أمانا من جملة مسارات العدالة الانتقالية التونسية لبعده عن التجاذبات التي رافقت عمل هيئة الحقيقة والكرامة أولا ولكونه المسار الذي بات من المؤكد استمراره في ظل رفض السلطة السياسية التمديد لهيئة الحقيقة والكرامة لما بعد 31-05-2018  ثانيا. وقد تكون هذه الصورة خادعة في جانب منها اعتباراً لما يثيره هذا المسار من إشكاليات سببها علات يستبطنها، منها ما يتعلق بالطور الاستقرائي في تكوين الملفّات التي تعهد بها ومنها ما يخص الطور الحكمي من عمله. وهي إشكاليات تفرض سؤالا محرجا حول مدى التزام الدوائر المتخصصة للعدالة الانتقالية لشروط المحاكمة العادلة، وبالتالي دستورية أعمالها في بلد يفرض دستوره ألا تجري في ظله محاكمات "استثنائية".

 

إشكاليات الطور الاستقرائي

يفرض الفصل 47 من مجلة الإجراءات الجزائية التونسية أن يتم التحقيق في كل الأفعال المجرمة التي توصف بالجنايات[3]. أما الفصل 107 منها[4] فيرسي مبدأ التقاضي على درجتين في هذا الطور الاستقرائي. وتسند ذات النصوص الإجرائية صلاحية ممارسة أعمال التحقيق لقضاة التحقيق المعينين لممارسة تلك المهام من قبل المجلس الأعلى للقضاء ولقضاة محاكم الاستئناف[5]. وعليه، يتبين أن النظام القضائي الإجرائي الجزائي التونسي يعتبر قضاء الاستقراء من مراحل المحاكمة، بحيث يقتضي أن يتولاه قضاء محترف تتوفر لديه ضمانات الاستقلالية، ليبحث عن أدلة البراءة بموازاة بحثه عن أدلة الإدانة.

على خلاف هذا، لم يتعرض القانون الأساسي المتعلق بالعدالة الانتقالية في فصوله المنظمة للمحاسبة القضائية للمرحلة الإستقرائية. وهو أمر تفطّنت فيما يبدو له هيئة الحقيقة والكرامة سريعا، وحاولت عبر وثائقها الداخلية إصلاحه وفق الآليات التالي استعراضها.

ففيما نصّ الفصل 43 من النظام الداخلي للهيئة[6] على أن اللجان المتخصصة تعدّ من مكونات جهازها التنفيذي، تناولت الفصول 56 إلى 59 منه عمل لجنة البحث والتقصي التي  اقتضى أنها تتشكل من خمسة من أعضاء الهيئة ومن مهامها حسبه الأبحاث والتحقيقات حول الانتهاكات والاعتداءات الجسيمة أو الممنهجة على حقوق الإنسان[7].

وقد أسند الفصل السابع منه لمجلس الهيئة صلاحية وضع أدلة إجرائية مبسطة لسير أعمالها في كافة مجالات الاختصاص. وعند هذا الحدّ، تدخّلت الهيئة على مستوى دليل إجراءات لجنة البحث والتقصي[8] لتحول ما كان مبسطا في تصوره لمنظومة بحث جزائي نجد فيها أول تنصيص على الاستقراء الجزائي الخاص بمنظومة الدوائر المتخصصة.

أحدث الدليل في الفصل 30 منه صلب اللجنة[9] وحدة تحقيق أسند الإشراف عليها "لمحقق برتبة قاض مباشر أو متقاعد" وقسم تلك الوحدة "لعدة مكاتب تحقيق يشرف على كل منها قاض مباشر أو متقاعد". فيما اقتضى الفصل 32 أن يكون مجلس هيئة الحقيقة والكرامة الجهة التي تعهد وحدة التحقيق بالأبحاث بمقتضى قرار فتح بحث تحدد فيه مكتب التحقيق المكلف بالإستقراء. ومن ثم، يباشر المحقق عمله الذي يفرض الفصل 33 أن "يتم باستقلالية وحياد مع مراعاة مبادئ العدالة الانتقالية وأحكام الدستور وخاصة منها قرينة البراءة ومبدأ المواجهة وحق الدفاع".

عند إتمام التحقيق، يحرّر المحقق مشروع لائحة اتهام "يتضمن الموقف القانوني من الوقائع المتعهد بها ويحيله لرئيس وحدة التحقيق الذي يعرضه على لجنة البحث والتقصي والتي تنظر في المشروع وإن قدرت الحاجة لأبحاث تكميلية تعيد البحث للمحقق ليتمه وإلا فإنها ترفعه إلى مجلس الهيئة في أول جلسة له قصد المصادقة عليه وإحالته للنيابة العمومية[10].

يتبين مما سلف أن الهيئة سعت لتشكيل نظام استقراء يلتزم بمبادئ الاستقراء القضائي. ولكن هذا المجهود يبدو في بعض جوانبه مخالفا لنصوص ومبادئ قانونية أبرزها الآتية:

  • أن الفصل 65 من الدستور ينص على أن التشريعات التي تتعلق بتنظيم القضاء والعدالة تتخذ في قوانين أساسية فيما تتخذ الإجراءات أمام المحاكم بقوانين عادية وتنسجم إجراءات الاستقراء القضائي مع أحكامه، فيما يلاحظ أن التحقيق صلب هيئة الحقيقة يضبطه قرار داخلي لم ينشر حتى بالجريدة الرسمية[11].

  • أن الاستقراء القضائي يمارسه "قضاة محترفون" يحجر الدستور كل تدخل في عملهم الذي يفرض عليهم ممارسته بكل استقلالية وحياد ويوفر لهم القانون ضمانات فعلية لتلك الاستقلالية منها عدم جواز سحب القضية من قاضي التحقيق الذي يتعهد بها وعدم نقلتهم بدون رضاهم. يمارس في الجهة المقابلة التحقيق صلب هيئة الحقيقة قضاة ملحقون بالهيئة، يحق لرئيستها كما ذكرت هي ذلك، إنهاء إلحاقهم متى شاءت[12]. وقد أدت فعليا هشاشة الوضع الإداري لهؤلاء القضاة لاستقالة[13] عدد منهم على خلفية ما ذكر أنه غياب شروط العمل باستقلالية[14].

  • يباشر قضاة التحقيق ودائرة الاتهام بالقضاء كل الأبحاث التي تعدّ لازمة لكشف الحقيقة وينتهي عملهم بإصدار قرارات ملزمة ونافذة، لا تقبل المنازعة إلا بطرق الطعن القانونية. وخلافا لذلك، أسند النص الترتيبي للمحقق بالهيئة صلاحية سماع الضحايا والشهود والاستنطاقات والمكافحات لكنه حجب عنه غير ذلك من صلاحيات الاستقراء:

    • فمثلا، أسند لرئيس وحدة التحقيق "ممارسة جميع صلاحيات الضابطة العدلية من إجراء المعاينات بالمحلات العمومية والخاصة والقيام بأعمال التفتيش وحجز الوثائق والمنقولات والأدوات المستعملة ذات الصلة بالانتهاكات موضوع التحقيقات"[15] بتفويض خاص. في غيابه تكون صلاحية المعاينة والحجز من اختصاص عضوين من الهيئة يعينهما مجلسها ويصطحبان معهما المحقق ومقرر يعينه رئيس الهيئة لحضور عملهما[16].

    • كما أسند لمجلس اللجنة صلاحية التداول في إجراء الاختبارات اللازمة ولرئيسها صلاحية اقتراح الخبير الذي سيعين ولمجلس الهيئة صلاحية البت النهائي في ذلك[17].

    • كما حجبت ذات التراتيب عن المحقق صلاحية "الحكم" لتستبدلها بصلاحية اقتراح لمشروع لائحة اتهام. وتبعا لذلك، لا يمكن اعتبار التحقيقات التي تم اجراؤها على مستوى هيئة الحقيقة والكرامة تحقيقا بالمعنى القضائي للكلمة.

وهذا الأمر يطرح السؤال حول شرعية محاكمات جنائية لم تضمن للمشمولين بها الحق في إجراءات التقاضي الاستقرائي في بلد ينص الفصل 110 من دستوره على تحجير "سنّ إجراءات استثنائية من شأنها المس بقواعد المحاكمة العادلة". ويحرج هذا السؤال قيم العدالة التونسية التي يعمق إحراجها مباشرة الدوائر القضائية المتخصصة لعملها الحكمي قبل فحص دستوريته.

 

إشكاليات الطور الحكمي

في سياق تأكيد الدستور التونسي على وجوب احترام الحق في المحاكمة العادلة، فرض أن تضمن إجراءات التقاضي الحق في التقاضي على درجتين[18] في خطوة يمكن اعتبارها تكريسا منه للحق في جودة العدالة، هذه الجودة التي تعدّ طرق الطعن من وسائل تحقيقها. كما حجر الدستور على المشرعين استحداث محاكم استثنائية[19] في موقف يكرس الحق في الالتجاء للقاضي الطبيعي ويمنع ما سبق من استعمال للمحاكم الاستثنائية في محاكمات موجهة سياسيا.

تكشف دراسة المسار التاريخي لقانون العدالة الانتقالية أن مشروعه الذي تقدمت به الحكومة للمجلس الوطني التأسيسي احترم هذه المبادئ من خلال تنصيصه الصريح على كون المحاسبة يتولاها القضاء وفق الإجراءات القانونية السارية واكتفائه باشتراط أن يؤمن محاكمات الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي تجري على معناه قضاة يتم اختيارهم وتكوينهم للغرض[20]. إلا أن هذه الدراسة تكشف أيضا أن هذا الالتزام تراجع لاحقا على مستوى لجنة التشريع العام ولجنة الحقوق والحريات والعلاقات الخارجية بالمجلس الوطني التأسيسي، حيث طرحت لأول مرة رسميا فكرة إنشاء دوائر متخصصة للعدالة الانتقالية[21] .

تخوّف أعضاء المجلس الوطني التأسيسي من تعهد القضاء بمنازعات انتهاكات حقوق الإنسان وبرروا تخوفهم بكون جانب من القضاة متورطين في تلك الانتهاكات. وفي محاولة منهم لإيجاد حلول لتخوفهم هذا دون الوقوع في إنشاء محاكم استثنائية، استنبطوا فكرة أن تستحدث في إطار القضاء العدلي "بأوامر دوائر قضائية متخصصة بالمحاكم الابتدائية المنتصبة بمقار محاكم الاستئناف تتكون من قضاة، يقع اختيارهم من بين من لم يشاركوا في محاكمات ذات صبغة سياسية، ويتم تكوينهم تكوينا خصوصيا في مجال العدالة الانتقالية. تتعهد .. بالنظر في القضايا المتعلقة بالانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان المحالة عليها من الهيئة"[22]، وذلك بعدما كانوا أقروا في الفصل السابق له من ذات قانونهم مبدأ اختصاص الهيئات والسلطات القضائية والإدارية بالمساءلة والمحاسبة حسب التشريعات الجاري بها العمل".

لم ينتبه نواب الشعب لما بين الفصلين السابع والثامن من قانون العدالة الانتقالية من تناقض، وانتهوا بعد إعلانهم عقد الولاية للمؤسسات القضائية القائمة بالمحاسبة للخروج عنها واستحداث دوائر خاصة ذكروا أنها جزء من القضاء العادي حال أنها تختلف عن هذا الأخير لجهة أنها دوائر:

  • تتعهد بنظر القضايا بناء على مقرر إداري لا مقرر قضائي،

  • تنظر بذات التركيبة القضائية فيما يحال لها من قضايا من دون تمييز بين تركيبة هيئة الحكم في القضايا الجناحية وتركيبة هيئة الحكم في القضايا الجنائية الذي تفرضه مجلة الإجراءات الجزائية،

  • أنها ذات اختصاص حصري وأحادية الدرجة بما يعني أن أحكامها تصدر نهائية الدرجة ولا تقبل الطعن بأي وسيلة من وسائل الطعن أمام محكمة درجة ثانية أو محكمة القانون.

علاوة على تناقض النص القانوني فيما بين فصوله، أدى هذا الفعل التشريعي ما يشتبه أنه خرق  للدستور[23]. وفي هذا الخصوص، يكشف التقرير السنوي لهيئة الحقيقة الكرامة لسنة 2015 أن مجلسها والهيئة الوقتية للإشراف على القضاء العدلي تفطنا في لقاء جمعهما بتاريخ 23-06-2015 إلى خطورة خرق الدوائر لنص الدستور وتنبّها إلى ضرورة البحث عن حلول لذلك [24]. إلا أن الهيئة ومن خلفها هيئة القضاء العدلي لم يرغبا آنذاك بفتح نقاش عام واختارا لأسباب تظلّ غير معلومة أن تكون جلستهما المغلقة مصدرا لفتوى مفادها أن المشكل العويص يزول تماما بتنقيح الأمر المحدث للدوائر المتخصصة[25] في اتجاه يحدث دوائر استئنافية.

لم ينقح الأمر المحدث للدوائر المتخصصة كما تصورت الهيئتان ولم يسجل في تاريخهما أي خطوة علنية تدعو إلى ذلك[26]. وعليه، انطلقت فعليا الدوائر المتخصصة في نظر قضايا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان على حالها.

ويبدو هنا من الواضح أن تلك الدوائر التي احتفى الجميع ببداية عملها، تتعارض في ميكانيزمات عملها جذريا مع التصور الدستوري للمحاكمة العادلة، بما يطرح السؤال حول ما إذا كانت فعلا محاكم متخصصة أم أنها محاكم استثنائية تشكل خطراً على قيم الجمهورية الثانية.  

إزاء هذا القول، يردّ البعض في أحاديث جانبية لم يتم نشرها أبدا، أن الفصل 148 من الدستور التونسي  الذي ينص على "وجوب أن تلتزم الدولة بتطبيق منظومة العدالة الانتقالية في جميع مجالاتها والمدة الزمنية المحددة بالتشريع المتعلق بها"[27] تؤدي عمليا إلى تحصين الدوائر المتخصصة إزاء أي طعن بدستوريتها[28]. إلا أن هذا القول يبقى ضعيفا لسببين إثنين:

  • الأول، من المسلم به أن هذا الفرض الوارد في الفصل 148 إنما يتعلق بما قد يصدر عن الدولة من مقاومة سلبية لمسارات تلك العدالة بما يتعارض مع قيم الدستور، فيما من الخطأ تماما أن نحمّل هذا الفصل ما قد يجيز مخالفة أي من هذه القيم. فأي تفسير من هذا القبيل يتعارض مع إرادة السلطة التأسيسية وأيضا مع مبادئ تصور هرمية القواعد القانونية التي تفترض أن يكون الدستور في قمة الهرم ولا يقبل بمخالفة أي من القواعد الأدنى منه له مدة سريانه،

  • الثاني، أن قيم العدالة الانتقالية تفرض أولا تحرّي الحق في المحاكمة العادلة، طالما أن إعادة فتح المحاكمة في هذه القضايا تستمد مشروعيتها من الشبهات التي علقت بالمحاكمات الحاصلة خلال الفترة المشمولة بأعمال العدالة الانتقالية، بخاصة لجهة عدم توفر شروط المحاكمة العادلة فيها. فهل يعقل بعد ذلك أن نعيد المحاكمة في ملف معين بحجة عدم توفر شروط المحاكمة العادلة سابقا، فيما أن المحاكمة الجديدة لا تتوفر فيها بدورها هذه الشروط؟

يظهر تبعا لما ذكر، وبقطع النظر عما يمكن أن ينتهي إليه لاحقا موقف القضاء الدستوري[29] في حال تسنى له النظر في هذه المسألة، أن ما يعانيه التصور التونسي للعدالة الانتقالية من أزمة لحق أثرها لمسار المحاسبة. ومرد ذلك هو أولا المواقف الارتجالية التي حكمت جانبا من صياغة هذا التصور في مرحلة أولى وتنفيذه في مرحلة ثانية. وأكثر ما نخشاه ليس فقط أن يستغلّ المتضررون من  المحاسبة نقطة الضعف البنيوية هذه ليجهزوا على ما تبقى منها، بل أن يفعلوا ذلك بالاستناد إلى قيم الدستور الجديد نفسه. فمن شأن هذا الأمر أن يحقق غاياتهم، من دون أن يكون بإمكان أحد أن يتهمهم بتعطيل مسار العدالة الانتقالية والمحاسبة. 

قد يكون من المهم لتجاوز هذا الإشكال البنيوي، طرح السؤال بجرأة حول الاصلاحات التي يجب اعتمادها لتحقيق انطلاقة جديدة لعدالة ما زال المجتمع ينتظرها.

 

  • نشر هذا المقال في العدد | 12 | أغسطس 2018، من مجلة المفكرة القانونية | تونس |. لقراءة العدد انقر/ي على الرابط ادناه:

العدالة المشوّشة بصراع الإيديولوجيات: ذاكرة فئوية لغد فئوي؟

 

 


[1]    كشفت القاضية عفاف النحالي التي كانت ملحقة بهيئة الحقيقة والكرامة لحدود منتصف شهر أوت 2017 كونه ولحد ذاك التاريخ لم تشرع الهيئة في إعداد  الملفات التي ستحال على الدوائر المتخصصة للعدالة الانتقالية ويفسر هذا التقصير قلة عدد الإحالات مقارنة بعدد الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي تعهدت بها الهيئة – يراجع مقال  القاضية عفاف النحالي يجب التفكير في مصلحة الضحايا أولا ولا في رئيسة الهيئة – سعيدة بوهلال -  الصباح التونسية – 15-01-2018 .

[2]  تونس: مفوض حقوق الإنسان يشيد بمسار العدالة الانتقالية في البلاد -30-05-2018 موقع أخبار الأمم المتحدة.

[3]  ينص الفصل 47 من مجلة الاجراءات الجزائي على أن "  التحقيق وجوبي في مادة الجنايات، أمّا في مادة الجنح والمخالفات فهو اختياري ما لم ينص القانون على خلاف ذلك."

[4] ينص الفصل 107على أنه " إذا رأى قاضي التحقيق أنّ الأفعال تشكل جناية  فإنه  يقرر إحالة المظنون  فيه على دائرة الاتهام مع بيان وقائع  القضية وقائمة في المحجوزات ."

[5]  الفصول 258 -259 و260 من مجلة الإجراءات الجزائية

[6]  قرار عدد 1 لسنة 2014 مؤرخ في 22 نوفمبر 2014 يتعلق بضبط النظام الداخلي لهيئة الحقيقة والكرامة

[7]   ينص الفصل 56  تتولى لجنة البحث والتقصّي القيام خاصة بـ :

̶           بكل الأبحاث لفكّ منظومة الاستبداد والفساد وكشف حقيقتها،

̶          بكل الأبحاث والتحقيقات حول الانتهاكات والاعتداءات الجسيمة أو الممنهجة على حقوق الإنسان سواء كانت صادرة عن أجهزة الدولة أو عن مجموعات أو أفراد تصرّفوا باسمها أو تحت حمايتها أو عن طريق مجموعات منظّمة،

̶          بكل الأبحاث والإسقصاءات حول الوسائل والإجراءات التي أدت إلى منظومة الاستبداد وذلك بتحديد الانتهاكات وضبطها ومعرفة أسبابها وظروفها ومصدرها والملابسات المحيطة بها والنتائج المترتّبة عنها ومعرفة مصير الضحايا وأماكن وجودهم وتحديد هوية مرتكبي حالات الوفاة والفقدان والاختفاء القسري.

[8]  قرار عدد 2 لسنة 2016 مؤرخ في 29 جانفي 2016 يتعلق بضبط دليل إجراءات لجنة البحث والتقصي التابعة لهيئة الحقيقة والكرامة –  وثيقة داخلية غير منشورة بالرائد الرسمي للجمهورية التونسية -

[9]  لجنة البحث والتقصي

[10]   الفصلين 40 و 41

[11]   ينص الفصل 65 من الدستور " تتخذ شكل قوانين عادية النصوص المتعلقة بـ:.... الإجراءات أمام مختلف أصناف المحاكم،.....تتخذ شكل قوانين أساسية النصوص المتعلقة بالمسائل التالية:.... تنظيم العدالة والقضاء،   .....-    الحريات وحقوق الإنسان،....يدخل في مجال السلطة الترتيبية العامة المواد التي لا تدخل في مجال القانون.

[12] ورد في بيان صدر عن الهيئة بتاريخ 16-08-2018 " "إنهاء إلحاق موظّف هو إجراء إداري بحت يخضع للتراتيب الجاري بها العمل ولمقتضيات النظام الداخلي للهيئة وهو من صلاحيات رئيس الإدارة وسبق وإن التجأت إليه الهيئة عديد المرات".

  [13]   ورد في استقالة القاضي عمر الطيب من الهيئة والمؤرخة في 17-08-2017 " تأكد أنه لم يعد بالإمكان مواصلة العمل بهيئة الحقيقة والكرامة على أكمل وجه و بالصورة التي يجب أن تكون. ”

[14]  عبر مرصد استقلال القضاء في بيان صدر عنه  بتاريخ 16-08-2017 "عن خشيته من زيادة الضغوط على القضاة الملحقين بهئة الحقيقة والكرامة  فضلا عن الظروف غير الملائمة  التي أرغمت عددا منهم على الاستقالة "

[15]  فصل 39

[16]   الفصلين 28  و30 من الدليل العام لإجراءات الهيئة الصادر بموجب قرار مجلس هيئة الحقيقة والكرامة عدد 02 لسنة 2014 مؤرخ في 19 سبتمبر  2014 يتعلق بضبط دليل إجراءات العام لهيئة الحقيقة والكرامة

[17] الفصلين 25 و26 من الدليل العام لإجراءات الهيئة

[18]   الفصل 108 من الدستور ينص " لكل شخص الحق في محاكمة عادلة ...ويضمن القانون التقاضي على درجتين "

[19]  الفصل 110 من الدستور ينص "  تحدث المحاكم بقانون ويمنع إحداث محاكم استثنائية "

[20]   ينص الفصل الثامن من مشروع القانون في الفصل الثامن منه " تنظر المحاكم كل حسب اختصاصه ا بواسطة قضاة يقع اختيارهم وتكوينهم للغرض في القضايا المتعلقة بالانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان ...."

[21]    يراجع تقرير لجنتي التشريع العام  والحقوق والحريات والعلاقات الخارجية بالمجلس الوطني التأسيسي حول مشروع قانون أساسي يتعلق يتنظيم العدالة الانتقالية وضبط أسسها ومجال اختصاصها -  عدد 12 لسنة 2013 – منشور بموقع مجلس نواب الشعب التونسي .

[22]  الفصل 8  من مشروع القانون معدلة وكما تمت المصادقة عليها

[23]   كنا أول من نبه لهذه الإشكالية في مقال " الدوائر المتخصصة للعدالة الانتقالية: تخصص باهت لمحاكم استثنائة متخفية " نشر بالمفكرة القانونية بتاريخ 25-08-2014

[24]   التقرير السنوي لهيئة الحقيقة والكرامة صفحة 123 منشور بموقع الهيئة .والذي ورد به " تم التأكيد على الالتزام بمبدأ التقاضي على درجتين و هو مبدا يكفله الدستور والاتفاقات الدولية ...."

[25]  الأمر عدد 2887 لسنة 2014 مؤرخ 8 أوت 2014 يتعلق بإحداث دوائر جنائية متخصصة في العدالة الانتقالية بالمحاكم الابتدائية المنتصبة بمقار محاكم الاستئناف بتونس وقفصة وقابس وسوسة والكاف وبنزرت والقصرين وسيدي بوزيد.  والذي نقح  بالأمر عدد 4555 لسنة 2014 مؤرخ في 29 ديسمبر 2014 يتعلق بتنقيح الأمر عدد 2887 لسنة 2014 المؤرخ في 8 أوت 2014 والمتعلق بإحداث دوائر جنائية متخصصة في العدالة الانتقالية بالمحاكم الابتدائية المنتصبة بمقار محاكم الاستئناف بتونس وقفصة وقابس وسوسة والكاف وبنزرت والقصرين وسيدي بوزيد

[26]  فيما هو منشور من وثائق على الأقل

[27]   الفصل 148 من الدستور التونسي ....9 -. تلتزم الدولة بتطبيق منظومة العدالة الانتقالية في جميع مجالاتها والمدة الزمنية المحددة بالتشريع المتعلق بها، ولا يقبل في هذا السياق الدفع بعدم رجعية القوانين أو بوجود عفو سابق أو بحجية اتصال القضاء أو بسقوط الجريمة أو العقاب بمرور الزمن.

 [28]    تمسكت مقررة لجنة التشريع العام  بالمجلس الوطني التأسيسي  النائبة  صالحة بن عيشة  عند نقاش الفصل الثامن من قانون العدالة الانتقالية بالجلسة العامة للمجلس الوطني التأسيسي في محاولة تبرير منها لموقفها الداعي لعدم الالتزام بقاعدة شرعية الجرائم والعقوبات  بكون ما توصلت له لجنة التوافقات من اتفاق على  التنصيص  على العدالة الانتقالية هدفه تحصين القواعد الخاصة التي قد يتضمنها هذا القانون من كل طعن بعدم الدستورية .مع ملاحظة

[29]   يسند الفصل 123 للمحكمة الدستورية صلاحية النظر في الدفوعات المتعلقة بعدم دستورية القوانين وينص في هذا الإطار الفصل 54 من القانون الأساسي عدد 50 لسنة 2015 مؤرخ في 3 ديسمبر 2015 الذي يتعلق بإحداث هذه المحكمة  على أنه " للخصوم في القضايا المنشورة في الأصل أمام المحاكم أن يدفعوا بعدم دستوريّة القانون المنطبق على النزاع."  غير أن  هذه المحكمة لم يتم إرساؤها لحد الآن