الحق في الأمومة

من أبجديات الفطرة الإنسانية نشوء علاقة محبة بين الأم وجنينها وتعلق شديد. وقد تقرر الحامل الاحتفاظ بجنينها وإن حصل حملها خارج الزواج أو حتى سفاحاً. ويبقى السؤال: هل يساعدها القانون على ذلك؟ هل يمكنها من تسجيل المولود باسمها أو لقبها ويستخرج لها بطاقة عائلية ويمنحه جنسيتها؟ يجيب القانون رقم 24 لسنة 2010 بشأن أحكام الجنسية الليبية في مادته الثالثة في فقرتها ج بأنه "يعد ليبياً كل من ولد في ليبيا لأم ليبية وأب مجهول الجنسية أو لا جنسية له أو كان مجهول الأبوين".

أما إذا قرر أحد من  ذوي قرباها (المعرفين في المادة 16/2 عقوبات أي أصولها، فروعها، زوجها وأخوتها والأصهار من نفس الدرجة، وأعمامها وأبناؤهم وأخوالها وأبناؤهم)، بأن عرضه أو عرض أسرته في خطر نتيجة أن الحمل غير شرعي، فيكون معذورا قانونياً ولو بدرجة معينة في أن يقوم بإجهاضها بغض النظر عن إرادتها. هذا ما تضعه المادة 394 عقوبات من خلال تخفيض العقوبات بمقدار النصف متى كان الإسقاط صيانة للعرض). ويبرر بعض الفقه الجنائي في ليبيا هذه السياسة التساهلية مع أقارب الحامل حال كونها قاصرا لا يعتد القانون بإرادتها ولكنه يسكت عن تبريرها إذا كانت الحامل بكامل إرادتها وتريد الاحتفاظ بجنينها.

ذهبت المحكمة العليا الليبية في طعن جنائي 35/30 ق، جلسة 24/09/1985، (مجلة المحكمة العليا، س 23، ع 3ـ4، 1987، ص158) .بأن علة العذر ومناطه هو حالة الانفعال الطارئة. ويؤيدها في ذلك بعض الفقهاء مؤكدين على أن الإقدام على الفعل الإجرامي المتمثل في إجهاض الحامل من سفاح تحت وطأة الانفعال الطارئ الذي يعد من الأسباب المؤثرة على حرية الإرادة وسلامة التفكير، يوجب تخفيف العقاب عن الجاني، خاصة أنه أقل خطورة من الجاني العادي. إلا أن ما يعيب سياسة المشرع الليبي هو مده لنطاق المستفيدين من هذا العذر: فلفظ ذوى القربى دون تحديد لدرجة معينة لهذه القرابة يحيل في التفسير إلى نص م 16 عقوبات وحيث أن الحكم التسامحي استثنائي ومشروط بالانفعال الطارئ كما حددته المحكمة العليا، فهي حتماً لن تتوافر في كل ذوى قرباها ولا الخشية من العار توجب التسامح مع إقدام أحد الأصهار من الدرجة الثانية إلى حد إجهاض الحامل ولو بغير رضاها إنقاذا وحفظاً لعرضهم من الدنس، وبالتأكيد نحن هنا أمام انتهاك لحق المرأة في الأمومة وهو انتهاك محمي بالقانون.

المفارقة الموجعة عندما نصطدم بواقع مرير يخبرنا بأن كثيرا من الاعتداءات الجنسية على النساء، جانيها من ذوي قرباها، وبرغم أن جرائم الشرف عامة وجرائم زنى المحارم خاصة تعد من الجرائم الرقم الأسود الذي لا يظهر في الإحصائيات لعدم التبليغ عنها ومحاولة التستر بشأنها. ورغم ذلك، تخبرنا المحكمة العليا الليبية (طعن جنائي 411/28ق، جلسة 17/05/1983، مجلة المحكمة العليا، س21،ع 1، 1984، ص 149.) بأن هذه الانحرافات الأخلاقية ممكنة الوقوع في مجتمعنا العربي الإسلامي، حيث عرضت أمامها دعوى تتلخص وقاعها في قيام ابن أخت بمواقعة خالته، مما أسفر عنه حملها سفاحاً، ومن ثم قامت هذه الخالة بقتل المولودة من السفاح الآثم.

كما يكشف حكم أخر عن واقع مأساوي حيث تتلخص الواقعة بقيام أخ بالتبليغ عن غياب شقيقته، ثم تبين أنها مقتولة. وبالتحقيق معه، أخبر أنه قتلها لأنها على علاقة غير مشروعة مع مجهول. وبمزيد من التحقيقات تبين أنه قد اغتصبها أكثر من مرة تحت تأثير المسكر وحين أخبرته بأنها حامل ولم تنجح في إجهاض نفسها بالأعشاب قام بقتلها وحرقها ( طعن رقم 400 لسنة 24ق، الجلسة 15/11/1977، المكتب الفني 14رقم الجزء3، ص 233.)

 

الحق في التصرف في الجسد والحق في الإجهاض الأمن

تؤكد المسوح القيمية في ليبيا على أن أغلبية عالية من الليبيين لا يبررون الإجهاض مطلقاً 76%. ولعل هذا التوجه القيمي السائد في المجتمع الليبي كان سبباً لأن يجرم المشرع الجنائي قيام المرأة بإجهاض نفسها أو كانت راضية على قيام الغير بإجهاضها، وهو يواجهها بعقوبة الجنحة التي قد تصل إلى ستة أشهر حبس، المواد (390-392 من قانون العقوبات). ولا تجد المرأة مبرراً لتخفيض العقوبة بمقدار النصف إلا إذا كان الإجهاض صيانة لعرضها حيث كونه حملا خارج العلاقة الزوجية المشروعة. أما ما سوى ذلك من مبررات نفسية أو عاطفية أو حتى اقتصادية، فلن تحول دون نعتها بالجانية وإن أمكن أن تكون ظروف قضائية موجبة لرأفة القاضي حسب سلطته التقديرية.

تسمح المرجعية الحقوقية الإنسانية بالدفاع عن الصحة الجنسية والإنجابية باعتبارها حقا من حقوق الإنسان، وهي تعطي المرأة الحق في الاختيار بين الحمل وغير الحمل، والاختيار في الاستمرار في الحمل أو في إيقافه، بالنظر إلى أن المرأة سيدة جسدها وتعرف مصلحتها أكثر من غيرها.

 

حكم الإجهاض في الشريعة الإسلامية

الإجهاض موضوع اجتهاد بالنظر إلى اختلاف الفقهاء حول جوازه، وأيضا بالنظر إلى غياب أساس شرعي قطعي لتحريمه، وهو ما يترك المجال مفتوحا أمام الاجتهاد.

لا يمكن القول أن الحق في الإجهاض لا يستند على أساس شرعي؟ ليست هناك آية قرآنية تتحدث عن الإجهاض لتؤكد تحريمه. فمصطلح "الإسقاط" "الإجهاض" غير مذكور في القرآن، فقط الحديث النبوي الشريف، يجيز الإسقاط في الأربعين يوما الأولي أو في المائة وعشرين يوما الأولى من الحمل ، ويحرمه بعد ذلك. والإجماع الفقهي حاصل على تحريمه بعد المائة وعشرين يوما، أي بعد نفخ الروح في الجنين.

أما القول بأن الإسقاط حرام لأنه يتعلق بقتل روح تولدت وتشكلت في رحم الأم والمرأة؟ فهذا موقف علماء المالكية لوحدهم. المالكية لوحدها متشددة في هذا الموضوع. أما المذاهب الأخرى، فلا تقول بتحريم الإجهاض فور وقوع الحمل، بل تقول أن الإجهاض مباح في حالات معينة قبل نفخ الروح في الجنين.

القول المشهور في المذهب المالكي وحده يحرم الإجهاض منذ الحمل، وفي المالكية قول "شاذ" يبيح الإجهاض في الأربعين يوما الأولى. أما المذاهب الأخرى من شافعية وحنبلية وحنفية فتجيز الإجهاض، حيث تجيزه الشافعية والحنبلية في الأربعين الأولى من الحمل، أي قبل مرحلة التخلق، فيما يجيز المذهب الحنفي الإجهاض إلى حدود نهاية الشهر الرابع، اعتقادا منه أن نفخ الروح لا يتم إلا في نهاية ذلك الشهر.

 

خلاصة

هذه المقالة ليست دعوة للتحرر من القيود الدينية والقانونية بقدر ما هي دعوة لإعادة النظر في سياسة المشرع الجنائي الليبي بحيث تصبح أكثر واقعية وأكثر استجابة للحقوق والحريات النسوية. كما أنها دعوة لمنح سلطة تقديرية أوسع للقاضي الجنائي بشأن النظر في جرائم الإجهاض، بحيث يتوجب أن لا ينظر فيها منفصلة عن تقرير اجتماعي ونفسي للمرأة الحامل قبل أن يحكم بكونها جانية أم مجني عليها بعدما يقيم توازناً دقيقاً بين حقها في الأمومة وحقها في التصرف في جسدها بالتوازي مع حق الجنين في الحياة. وما يعزز ذلك هو أن عدم تجديد السياسة الجنائية سيضطر تلك المرأة إلى ممارسة الإجهاض سراً وفي أماكن غير صحية وبطرق غير آمنة مما يجعل حكمة التجريم وهي الحفاظ على حياة الجنين غير متحققة بل ويمتد الأثر الضار للنص بتهديد الحق في الحياة للمرأة الحامل نفسها.

 

  • نشر هذا المقال في العدد | 12 | أغسطس 2018، من مجلة المفكرة القانونية | تونس |. لقراءة العدد انقر/ي على الرابط ادناه:

العدالة المشوّشة بصراع الإيديولوجيات: ذاكرة فئوية لغد فئوي؟