عرفت تونس بداية تسعينات القرن الماضي حملة ملاحقات لناشطي ومنتسبي "حركة النهضة" بررتها الحكومة حينها باكتشافها لمخطط انقلابي كان يعد له الجناح السري للتنظيم. نفت الحركة الاتهام واعتبرت أن ما تعرضت له محنة سببها الاستبداد السياسي الذي يسعى إلى إزاحة خصم سياسي أكد حضوره في الشارع بأسلوب غير ديمقراطي. فرضت الحملة قيم الدولة البوليسية على الشارع التونسي الذي حكمه في حينها قانون الخوف وانتهت إلى سوق آلاف الشباب إلى المعتقلات الأمنية ومنها للمحاكم وسط حديث رسمي عن اكتشاف مخابئ أسلحة ونجاحات أمنية أنقذت البلاد من حمامات دم، زيادة عن النجاح السياسي في اجتثاث الفكر الرجعي من منابعه.

بعد ربع قرن من حملة الاعتقالات، حررت جلسات الاستماع العلنية التي عقدتها هيئة الحقيقة والكرامة المجتمع التونسي من هواجسه وعقده التي حكمته طويلا. فقد أفسحت المجال لضحايا التعذيب وذوي المفقودين والمقتولين جراءها بالحديث عن عذاباتهم في مواجهة من تجاهلوهم بحثا عن مصالحة اجتماعية منطلقها القضاء على "الجلاد"،  تلك المؤسسة متعددة الأشخاص والأدوار. فكان أن كشفت جلسات الاستماع أن من كان يصورهم الإعلام الموالي للسلطة "كمجرمين أشداء يخططون لحرب هدفها فرض تصوراتهم القروسطية على المجتمع التقدمي الحداثي، هم ضحايا لممارسات وحشية حرمتهم طويلا من حق الحياة بكرامة بشرية". كما كشفت أن من كان ذات الخطاب يصورهم كجنود للحرب ضد الرجعية كانوا جلادي  المرحلة. وقد أكدت تلك الشهادات في تطابق تفاصيلها أن التعذيب والمعاملة المسيئة للذات البشرية كانت فعلا ممنهجا، ولكنها عجزت اعتبارا لصدورها عن أشخاص غير مطلعين على خفايا الحرب التي شنت ضدهم  عن كشف البناء الهندسي لتلك الجرائم في جسم دولة يتمسك حتى اليوم من شاركوا في قيادتها بعدم علمهم بما يسمونه تجاوزات فردية.

وترد في هذا الإطار لوائح الاتهام[1] التي قدمتها هيئة الحقيقة والكرامة كسند إحالة لعدد من مرتكبي تلك الانتهاكات على الدوائر القضائية المتخصصة بالعدالة الانتقالية كخطوة ثانية في اتجاه الحفر في عمق التجاوزات بحثا عن بنيتها المتشعبة التي تتجاوز في عدد من جوانبها ما هو مرئي لتتشكل في مجموعة صور متكاملة ومتفاعلة فيما بينها كانت قبل هذا من أسرار الدولة.

 

الصورة الأولى: جهة القرار تصنع الجلاد

كشفت الأبحاث التي أجراها قاضي التحقيق بالمحكمة الابتدائية بقرمبالية في قضيتي قتل "رشيد الشماخي" و"فيصل بركات" أن القيادة العامة للحرس الوطني وبناء على طلب من القيادة الجهوية بنابل لذات الجهة  الأمنية قررت بداية شهر أكتوبر من سنة 1991 تعزيز فرقة الأبحاث والتفتيش للحرس الوطني في هذه الجهة بوحدة خاصة من الفرقة المركزية للحرس الوطني بالعوينة. وقد تكفلت هذه الوحدة الخاصة بدعم الحرس الوطني فيما تعلق بالأبحاث والمداهمات والاعتقالات الخاصة بمنتمي حركة النهضة بنابل ممن ينسب لهم الانتماء لجهازها المسلح الخاص بتلك الجهة.

وكشفت الأبحاث أيضا أن القيادة وفرت لقوات الدعم إمكانيات خاصة تتمثل في سيارات جديدة تقلهم  وتضمن لهم إقامة بنزل على شاطئ البحر بنابل. وطول الطريق، يحدث رئيس الفرقة عناصره "عن خطورة حركة النهضة"، عن مشروعها الانقلابي، عن الأسلحة التي تم حجزها عن عناصرها، وذات الحديث يعاوده لاحقا رئيس منطقة الحرس بنابل[2]. تبعا لذلك، يدخل رئيس الفرقة المركزية وأعوانه الفرقة الجهوية دخول المميزين أصحاب الخبرة والدراية والحظوة عند القيادة، معلنين أنهم من يجب أن يحكم[3]. تنتاب الغيرة أصحاب الدار وتترجم رغبة في التفوق على الضيوف في إنجاز المهمة المطلوبة. يخفي الانضباط الأمني والخوف من القيادة الحرب الخفية ويحولها لشراكة في الالتزام بالتعليمات التي تقضي بالصرامة في التعامل مع العناصر المناوئة للنظام[4].

 

الصورة الثانية: الجلاد ينغمس في عمله "بتفانٍ"

بعد تناول بعض المسكرات  بنزل "الرياض"، تنطلق رحلات المطاردة للمطلوبين مطاردة من المباح فيها "احتجاز رهائن لحين تسليم المفتش عنه لنفسه"[5]، سرقة قليل من المصوغ أو أموال قد تقع تحت أياديهم وهم يفتشون عن أدلة الإدانة"[6]. تنتهي الرحلة دوما بمعتقلين جرى عرف العمل أن يحتجزوا دون تحرير محاضر في الاحتفاظ بهم ودون إعلام للنيابة العمومية أو لأقاربهم بكونهم باتوا في قبضة الأمن، في مقراته حيث يتكدس المعتقلون بالمكاتب والممرات عراة.

تفقد العلاقة بين الأمني الباحث عن النجاح المهني والمعتقل صبغتها الإنسانية لأسباب عدة، منها بحث  الأول بالذكر عن رضاء الرئيس أو أيضا تأثير الكحول أو أيضا بفعل تصديقه رواية أنه يحمل لواء  حماية الوطن من إرهابيين يخفون أسلحة ومتفجرات ويخططون لمهاجمة المقرات الأمنية...

في واقعة أولى بتاريخ 08-10-1991، يربط الأمن ذكر (العضو التناسلي) الضحية فيصل بركات بواسطة أسلاك رقيقة  ثم يمسك أحدهم بيده عصا "بايزبول" ويقوم بإدخالها بدبره بشكل عنيف وباستعمال يديه الاثنتين ليخرجها ويضعها بفم ضحيته الذي كان مكبّل اليدين إلى الخلف وهو في شبه غيبوبة.. والدماء تتقاطر من رأسه.. وهو معلق في شكل الدجاجة "روتي".. يسعى زميله لإتقان ذات اللعبة: يحاول إدخال لوحة تشبه ساق طاولة بدبر الضحية فيفشل. يعيد المحاولة دون نجاح، فيضطر صاحب الخبرة لأن يتدخل ويساعد في إدخال العصا في دبر الضحية الذي تظهر عليه علامات مصارعة الموت.. يغيب الارتباك ويحضر سؤال يتيم: "شوفوا يتنفس وإلا مات". سؤال كان جوابه "قريب سايي"[7] وكان هذا ما حصل فعلا.

حالة وفاة أولى لا تمنع من أن تتواصل في المقر الأمني ذات الحماسة في التعذيب. بتاريخ 25-10-1991، يعود "البحاثة" إلى مقرهم صباحا مزهوين بصيد ثمين "رشيد الشماخي" الذي كان سيناريو الانقلاب الذي يعتقدون فيه يصنفه كزعيم للخلية المسلحة.. يجبر رشيد بمجرد دخوله على نزع كل ثيابه، فعرف المكان يفرض أن يكون كل المعتقلين وبصرف النظر عن جنسهم عراة حفاة.. يستقبل بالصفع على الوجه ثم الضرب على الرأس بقطعة خشب إلى أن يفقد الوعي. حينها يتم وضعه في وضع "روتي"  يضربه العون ذي الخبرة على مستوى رجله بعصاه التي يتنهي بإيلاجها في دبره.. ويتدخل زميله الذي تعلم التقنية ليدخل بنجاح قضيب حديدي في دبره في مشهد قطعت صمته أنات الضحية وأسئلة الأمنيين "وين مخبي السلاح". ينهار رشيد: يطلب الكف عن تعذيبه متعهدا بكشف مكان السلاح.. يسعد الأعوان وهم في طريقهم لحديقة الروضة وسط مدينة سليمان ظنا منهم أنهم نجحوا في المهمة واكتشفوا مخبأ أسلحة.. يتبين لاحقا أن رشيد أراد فقط أن يكفوا عن تعذيبه ولم يكن من سلاح في الحديقة.. يعود الأعوان به إلى مقرهم ليتداولوا على تعذيبه من دون توقف بذات الأساليب إلى أن تظهر عليه علامات القرب من الهلاك. ورغم ذلك، يواصلون عملهم الذي يدعون أنهم كانوا "عبد المأمور ومضطرين لأدائهم خوفا على عملهم"[8] بحماسة كبيرة..

تكشف الصورة أن الجلاد يصدق حكاية السلاح ويحلم بنجاح في ضبطه يرضي رؤساءه ويؤهله لمكافآتهم. ولا تثنيه عن تحقيق حلمه هذا الدماء التي لطخت كل مكان ولا أنات الضحايا ولا حتى تحوله لقاتل.. لم يربك بالتالي هلاك "فيصل" ومن بعده "رشيد" أعوان فرقة الأبحاث والتفتيش وضيوفهم. فقد كان من الواضح في أذهانهم[9] أن "الدولة ما تلوحش أولادها"[10] وهم أبناء الدولة ومن يدافعون عن سلامتها.  هذه التوقعات لم تكن من فراغ: فقد بشرهم بها صرف قيادتهم لمكافآت مالية مجزية لهم بمجرد أن بلغ لها نبأ ما اقترفوا من فظاعات[11].

 

الصورة الثالثة: الجلاد في حماية دولة اعتادت التدليس

يدعي أحد الأطباء أنه كان بتاريخ 08-10-1991 مصادفة بمحطة بنزين قبالة مقر الفرقة الأمنية. لما شاهده أحد أعوانها، استنجد به معلما إياه أن هناك شخصا بالمقر تعرض لحادث مرور يحتاج مساعدة طبية. تحول الطبيب للمقر فعاين "شخصا ممددا على ظهره على البلاط وهو في بركة من الماء والبول والغائط والدم وكان عاريا تماما بحالة إغماء تام وتنفسه يكاد يكون متوقفا فجثا على ركبتيه وقام بجسّه على مستوى الوريد فلاحظ أن قلبه لا يزال ينبض كما لاحظ سيلانا لسائل من فمه وقد كان يحمل آثار كدمات وجروح وخدوش وانتفاخ ورضوض غير عادية من حيث انتشارها بكامل جسده وحدّتها مرعبة"[12]. يطلب الطبيب سيارة الإسعاف التي تحضر بعد دقائق قليلة، وينقل الضحية للمستشفى حيث وبعد ست ساعات من محاولات الإنقاذ، يفارق الحياة.

 يومين بعد وفاة فيصل، وتحديدا في الساعات الأولى من يوم 11-10-1991، يدوّن رئيس مركز حرس المرور بمنزل بوزلفة بدفتره أنه تلقى إخطارا هاتفيا من شخص مجهول الهوية يعلمه فيه أنه صدم شخصا على مستوى طريق الغرابي وتركه على وشك الهلاك. وسرعان ما تحول إلى مكان الحادث بعد استئذان قاعة العمليات. وإذ ادعى أن رئيس مركز الأمن العمومي رافقه إلى مكان الحادث، عاد الاثنان وادعيا أنهما "وجدا شخصا ملقى بمسلك فلاحي ضيق على فمه رغوة بيضاء يرتدي قميصا نصف يد وسروالا وكان حافيا وشاحبا. وخلال رفعه إلى داخل السيارة تفطنا لوفاته حينا فاتصلا بقاعة العمليات التي أعطت  تعليماتها بنقله إلى المستشفى الجهوي بنابل نظرا لعدم التعرف على هويته قصد عرضه على الشرطة الفنية في اليوم الموالي لرفع البصمات.

كان ضحية الحادث كما أكدت بعد ذلك مصالح الشرطة الفنية فيصل بركات. وكان لافتا أن ذات الطبيب الذي عاينه بمقر الفرقة الأمنية هو من تكفل بتشريحه لينتهي للمصادقة على تاريخ الوفاة الجديد وإن  ضمّن تقريره معطيات تدخل الشك في رواية حادث المرور. كما كان ذات الطبيب الذي تولى معاينة  وفاة رشيد فبرر هلاكه بقصور كلوي. وقد أكد هذا الحضور أن الطبيب المعالج يمكن أن يوظف في دولة الفساد كجلاد يغطي على جرائم التعذيب ويضمن لمرتكبيها الإفلات من المساءلة.

 

الصورة الرابعة: الطبيب الجلاد صورة لا تحجب حضور الطبيب النزيه

عينا الطبيب وهو يحرر تقريره الطبي لا ترى آثار التعذيب  الظاهرة. يراجع الأمني والجهات العليا هذا التقرير. يتلقى الطبيب اتصالا هاتفي: الخوف يمنع الطبيب من تبيّن إن كان مخاطبه قدم له نفسه على أنه وزير الداخلية أو من وزارة الداخلية. لكنه يذكر أنه قال له: "معاك الداخلية. أحنا عنا الثقة فيك وتكتب في تقرير كيما هذا آش دخل الشرج في حادث مرور وباش تنحيهم هاذوما".

يعدل الطبيب الجراح تقريره في نسخته النهائية وفق الطلب. كما يحرر ذات الطبيب التقرير الثاني المتعلق برشيد الشماخي دون أدنى إشارة لآثار التعذيب وسبب الوفاة الحقيقي. وقد برر فعله "بكون  المستشفى كان محاطا بعدد كبير من الأعوان  وأن هذه الضغوطات منعته من كتابة الحقيقة."

يتجاهل الطبيب الخائف حقيقة أن زميله الحكيم "جمال الدين سويلم" كان قد عاين من قبله جثة رشيد الشماخي وحرر تقريرا وثق فيه كل آثار التعذيب التي حفظها جثمانه كدليل إدانة لجلاديه وقد عزا وفاته للتعذيب. كما يتجاهل أن زميله رفض رغم ضغط مدير المستشفى والأمن أن يغير كلمة من تقريره متمسكا بشرف مهنته. فما كان من الأمني والمدير إلا أن أخفيا ما وثقه والتجآ إلى طبيب آخر ليدلّس لهما كما عودهما.

تحرج صورة الدكتور سويلم كما رسمها تاريخ مواقفه عددا هاما من أساتذته في كلية الطب وزملائه بمخلتف المؤسسات الطبية لكونها تبين لهم أن خيانتهم لقسم مهنتهم لم يكن سببه قوة قاهرة لا يمكن ردها  بقدر ما كان مردها اشتراكهم والجلاد في قيم قاسمها معهم أيضا قضاة يدعون أنهم كانوا مجبرين لا مخيرين.

 

الصورة الخامسة: القاضي المدلس في مواجهة " القاضي النزيه " و"القاضي المناور"   .

يتم دفن رشيد الشماخي يوم 29-10-1991 في جنازة حضرها حشد كبير من أهالي مدينة سليمان رغم الحصار الأمني. يحرص والد الضحية على كشف معالم الجريمة المموه عنها، فيتصل بالمنظمات والجمعيات الحقوقية. يرغم تحرك الوالد رئيس مركز الأمن بنابل على توجيه برقية بتاريخ 31-10-1991 لوكيل الجمهورية لدى المحكمة الابتدائية بقرمبالية يعلمه فيها بحالة الوفاة المسترابة التي تمت بمستشفى نابل.. يأذن وكيل الجمهورية بفتح بحث تحقيقي من أجل القتل العمد، فيظن والد "رشيد" أن حق ابنه في طريقه للظهور. وعليه، يبادر الوالد إلى تحرير عريضة يوجهها لوكيل الجمهورية بتاريخ 17-11-1991 تفصل الوقائع كما علمها من الشهود .. يستقبله قاضي التحقيق لينهره ويقرر حفظ القضية لعدم معرفة الجاني في حادث المرور ولا يستأنف الوكيل القرار رغم ما بلغه من خبر. فكان واضحا عند هذا الحد أن التعقبات القضائية كانت جزءا من ديكور لمؤسسات دورها أن تخدم الجلاد وتموه عن جرمه.

يكشف التقليب في ملفات الدوائر المتخصصة عن حضور كثيف لقضاة لا يرون ولا يسمعون وينفذون التعليمات بتفانٍ. لكنه يظهر أيضا قضاة رفضوا الانخراط في اللعبة القذرة أو حاولوا تجنب الضغوط التي سلطت عليهم ولكنهم لم يتنازلوا عن قول الحق.

مشهد أول  قاضي مهني:

شاءت المصادفة أن يكون قاضي التحقيق منذر اللومي مناوبا ليلة 17-11-1992. يتلقى إعلاما من زميله ممثل النيابة العمومية مفاده أن السجين مولدي بن علي بن عمر قد توفي بالسجن المدني 9 أفريل تونس. اعتبارا لكون وفاته مسترابة، فقد تقرر فتح بحث تحقيقي. فتحول "قاضي التحقيق" إلى السجن ولم يمنعه حضور مدير عام السجون ومدير إقليم الأمن الوطني والأمنيين من أن يضمّن في تقريره ما عاينه من آثار تعذيب ظاهرة. يُستبعد تاليا منذر اللومي من التحقيق في الملف ويسجل له رغم ذلك أنه كان وفيا لمهنيا، رافضا أن ينخرط في لعبة خدمة النظام.

 

مشهد ثان قاض مناور:

بتاريخ يوم 18-04-1986 يحاول الطالب عثمان شعيبي الذي كان يمتطي دراجة نارية أن يتملص من ملاحقة عون أمن كان يسعى للقبض عليه فيتجه صوب أحد أنهج حي الزهور الضيقة.. يستلّ الأمني سلاحه الناري الفردي ويطلق صوبه رصاصة اخترقت خوذته وأردته قتيلا. يرتبك الأمني ورؤساؤه ويتم الاتصال مباشرة بالقيادة الجهوية التي تأذن بفتح بحث في الموضوع.

يحرر أعوان الأمن محضرا يثبت الوقائع كما هي. لكن في هذه الأثناء، يحل "الوزير مدير الأمن" آنذاك زين العابدين بن علي بمقر الوحدة الأمنية، يطلع على المحضر، يستشيط غضبا ويرفض ما ضمّن فيه لكي "لا يقال أن الأمن يقتل في المواطنين". يملي على العون الراقن بلاغا جاء فيه "خلال حملة أمنية بجهة خزندار استوقف أعوان الأمن مجموعة من الملتحين يدخلون إلى منزل بالجهة حيث حجز به مجموعة من المناشير. إلا أن أحدهم حاول افتكاك مسدس أحد الأعوان، فانطلقت رصاصة طائشة أصابته فتوفي". وأمر بن علي توجيه هذا البلاغ لوسائل الإعلام. عندئذ فقط وبعد ساعات من الحادث، تتصل قاعة العمليات بوزارة الداخلية بمساعد وكيل الجمهورية المناوب لتعلمه بالحادثة وفق روايتها لها. يلقن الوزير بن علي شخصيا العون الذي سيرافق قاضي التحقيق ما يجب فعله فيؤكد عليه بضرورة منعه عن معاينة الجثة وبتجنب كل حديث مباشر بينه وبين العون الذي أطلق النار. يتملص قاضي التحقيق فرجاني الحمروني من مخطط الحصار الذي كان سيفرض عليه وينطلق بمجرد ركوبه في السيارة في دردشة مع عون الأمن الذي أطلق الرصاص ليتولى لاحقا وبمجرد وصوله للمستشفى معاينة جثة الهالك. وعليه، ضمن قاضي التحقيق بتقرير معاينته أن الرصاصة أصابت مؤخرة رأس الهالك بما يستحيل معه تصديق حكاية محاولته افتكاك السلاح لينتهي إلى الأمر بإيقاف عون الأمن. يربك قراره الأمنيَ الذي يجد نفسه مضطرا على نقله إلى مقر المنطقة ليقابل الوزير. لا يرفض القاضي لقاء الوزير ويبدو مرحبا بذلك. يطلب القاضي في اليوم الموالي سماع الشهود الذين سيحضرهم عمدة المنطقة وقد أكدوا كلهم الرواية الرسمية,

وإذ أوحى فعله هذا أنه خضع للضغط وقبل أن ينخرط في زمرة المدلسين (على نحو يهدئ الأمن)، فإنه ذهب خلافا لهذا التوقع إلى مواصلة عمله في جمع الأدلة. وعليه، أصدر بتاريخ 10-02-1988 قرارا يقضي بإحالة من نسب له الانتهاك للمحاكمة لاتهامه بالقتل العمد بعدما استخلص زور الشهادات المدلى بها لديه لتعارضها مع ما وثقه من معاينات. تجنب القاضي هنا صداما مع وزير صار بعد أشهر قليلة رئيسا للجمهورية دون أن يفرط في شرف مهنته فمكنت مناورته من حفظ حق الضحية وفرضت أن تثبت إدانة الجاني بأدلة لا ترد.

ويؤكد المشهدان أن هيمنة قضاة التعليمات على تاريخ القضاء التونسي قبل الثورة لا يعني بحال عياب القضاة الشرفاء المستقلين الذين عملوا بنزاهة وحاولوا أن يحققوا العدل وأن عدم بروز هؤلاء يعود للجهل بهم من المتابعين أولا ولكون المنظومة الحاكمة كانت تتجنب نشر "القضايا المهمة" أمامهم لا غير، خصوصا وأن هذه المنظومة كانت تخطط لكل قضاياها بإحكام مستغلة كل مؤسسات الدولة ثانيا.

 

الصورة السادسة: معنويات الجلاد تستدعي حماية كاملة

يكشف أرشيف رئاسة الجمهورية التونسية أن قاضي التحقيق بقرمبالية حجز عددا من الوثائق عند بحثه في قضتي رشيد الشماخي وفيصل بركات[13]. ويظهر من هذه الوثائق أن محامين منهم العميد محمد شقرون وراضية النصرواي وناشطين حقوقيين منهم "خالد بن مبارك" و"سهام بن سدرين" نبشوا في ملفات الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي رافقت الحملة الأمنية لسنة 1991 وتوصل بعضهم لفرض تعهد لجنة مناهضة التعذيب بعدد منها بما أربك النظام السياسي.

فرض تدويل القضايا أن تتعهد رئاسة الجمهورية بالملف. وعليه، تفرغ كبار مستشاري الرئيس ووزرائه لدرس مقترحات وزير العدل في شأن السيناريوهات الممكنة للتغطية على الفضيحة ليتوافقوا في النهاية على الآتي:

أولا: ضرورة حماية معنويات رجال الأمن الذين أبلوا البلاء الحسن وتحملوا التضحيات الجسيمة في سبيل حماية أمن البلاد الداخلي وتفكيك عصابة المفسدين وعدم السماح بالتالي بالبحث الجدي في قضايا الوفاة المسترابة البالغ عددها سبعة .

ثانيا: مباشرة إجراءات قضائية هدفها الوحيد توفير إجابات للمنظمات الحقوقية عن تساؤلاتها بما يوافق الرواية الرسمية السابقة[14].

وبفعل هذه المذكرات، يظهر أن رئاسة الجمهورية ووزارتا العدل والخارجية تحولتا إلى جهتين تعملان على تأليف سيناروهات مسرحية (الرواية الرسمية) طلب من القضاة أن يحفظوا نصوصها ويؤيدوها في مجمل أعمالهم كما كتبت دون أي اجتهاد ولمحامين من الثقات أن يشاركوهم الأداء ولأطباء كبار أن يكونوا من الأتباع المختارين. فكان أن فتح ملف البحث المتعلق بوفاة رشيد الشماخي بعد لقاء قصير جمع وزير العدل بوكيل الجمهورية وقاضي التحقيق الذي سيتعهد بالملف. تبعا لذلك، كلّف قاضي التحقيق مجمعا طبيا وفق ما جاء بالمذكرة الصادرة عن رئاسة الجمهورية. وكان أن انتهى عمل الأطبّاء وفق ما خطّط له الوزراء كما كان أن تولى محام إعلان نيابته عن عائلة رشيد طالبا تعويضهم عن ضررهم الناجم عن حادث المرور رغم أنهم لم يكلفوه بذلك.

فرض انخراط الدولة في التعذيب الممنهج أن تشهد مهنها الأساسية (الطب، القضاء، المحاماة، أجهزة الأمن) خروقا كبيرة في أخلاقياتها، وأن تتورط تاليا كل مؤسساتها في جرائمها. وقد بينت هذه النتائج بشكل جليّ أن النظام الاستبدادي يظلّ دوما التهديد الأول لبناء المؤسسات التي يدعي حمايتها والدولة التي يعلن أنه الضمانة الأساسية للمحافظة على هيبتها وقيمها.

 

  • نشر هذا المقال في العدد | 12 | أغسطس 2018، من مجلة المفكرة القانونية | تونس |. لقراءة العدد انقر/ي على الرابط ادناه:

العدالة المشوّشة بصراع الإيديولوجيات: ذاكرة فئوية لغد فئوي؟

  • لقراءة المقال باللغة الإنجليزية اضغطوا هنا

 


[1]   اعتمدت اللوائح في الوقائع التي أثبتتها على الأبحاث القضائية التي أجريت أمام المحاكم أين تولى قضاة التحقيق تكوين الملفات وتجميع  وثائقها.

[2]   ورد في أقوال المنسوب إليه الانتهاك ناجي ..خلال الطريق كان نور الدين  يحدثهم عن الجو العام بالبلاد وأن حركة النهضة تحضر للانقلاب على الحكم وأعلمهم أنهم سينتقلون إلى نابل وأنه تم ضبط أسلحة لدى عناصر حركة النهضة. وبوصولهم إلى نابل التقوا بمقر منطقة نابل برئيسها منصف س الذي أبلغهم أن منتسبي حركة النهضة يحضرون للهجوم على مقر الولاية ومقرات الأمن.

[3]  أفاد المنسوب له الانتهاك محرز.. أنه كان يوجد تسابق شديد بين مختلف أجهزة الأمن في اعتقال منتسبي حركة النهضة .. ووصف  أعوان الفرقة المركزية أنهم كانوا متكبرين ولا يقيمون اعتبارا لأعوان فرقة نابل وصرح لهم أي ناجي .. يوم حلوله بمقر الفرقة الجهوية أنه "c’est moi qui commande" وأنه لا يسمح لهم بالتحدث مع الموقوفين وأن من يتجاوز التعليمات يتحمل مسؤوليته وأنهم كانوا مستقرين في أحد النزل بمدينة نابل وأن سيارات الفرقة المركزية كانت أوبيل كادات وألفا روميو.  

[4]  أفاد المنسوب إليه الانتهاك .. آمر الحرس "أنه ثمة توصيات بالصرامة في التعامل مع العناصر المناوئة للنظام."

[5]   صرح شقيق الضحية قيس بن الهادي بركات أنه تمت مداهمة منزلهم من عدد كبير من الأعوان بأسلحتهم حيث تم توجيه مسدس إلى رأسه وكان العون يخاطبه "شكون أنت، ش تعمل هنا، هات بطاقة تعريف". وسمع عبد الفتاح الأديب يقول "الكلب الكبير مش هنا" يقصد فيصل وتم حجز عدد كبير من كتب فيصل بركات وإخراج والده وشقيقه جمال ثم تم إطلاق سراح والده وحجز جمال وخاطبوه "كيف يجي فيصل تو نسيبوا جمال".

[6]   جاء بشهادة محمد القاسمي أنه تم القبض عليه أواخر سبتمبر سنة 1991... وتم نقله بمقر فرقة الأبحاث والتفتيش بنابل التي كانت مدعومة بعناصر من فرقة العوينة وكان الأعوان في حالة غير طبيعية وتحت ضغط شديد وكان البحث يتم وهم في حالة سكر بعد تناول الخمر في الفندق الذي تم تحديده كمقر إقامة لهم.  

[7]  إفادات شاهد العيان حسين العمري لائحة الاتهام في قضية فيصل بركات.

[8]  أتى بافادة احد من نسبت اليهم الانتهاكات في ملف فيصل بركات " خشيت على نفسي من رؤسائي  الذين ربما يتسببون في طردي من العمل أنا  كان عبدا مأمورا.

[9]   جاء  بشهادة شاكر سكندر أنه وبعد خروجه من السجن طلب منه الأعوان .. أن يحضر إلى مقر المركز أين قابل ... الذي أخبره "أن تونس تمضغ ولدها وما تلوحوش".

[10]   الدولة تحمي أبناءها ولا تفرط فيهم.

[11]  أحد المنسوب إليهم الانتهاك صرح "انه تم توزيع بعض المنح المادية ناله منها 15 دينارا تقريبا في حين تحصل غيره وخاصة الإطارات على مبالغ فاقت المائة دينار وهو ولئن كان يحصل من سابق على منحة لا تتجاوز خمسة دنانير كل 3 أشهر تقريبا الا انه من الثابت ان تلك المنحة المسندة بعد الواقعة كانت هامة شيئا ما." وأكد لمنسوب إليه الانتهاك آخر " انه تم توزيع منح مالية على كل أعوان الفرقة ناله منها 50 دينارا معتبرا الأمر بالاعتيادي إذ كانوا يتحصلون على المنح حتى في تواريخ سابقة لتلك الواقعة وذلك بمعدل 20 الى 30 دينارا في كل مناسبة".

[12]  نقل حرفي لنص إفادة  الطبيب المنسوب له انتهاك في قضية فيصل بركات

[13]  أضيف أصلها  لملف القضية التحقيقية عدد 1/27227 تتعلق بوضع تصورات حول الردّ على التقارير الدولية بشأن متابعة حالات الوفيات المسترابة في الحجز

[14]   ورد في مذكرة موجهة لرئيس الجمهورية ومحررة من أحد مستشاريه بتاريخ  2 سبتمبر 1992  تحت عدد 1425/"في خصوص المتوفى فيصل بركات تم إشعار السيد وكيل الجمهورية بقرمبالية بإعادة فتح بحث في القضية بناء على معلومات وردت من منظمة العفو الدولية، ويقتصر البحث الجديد على تعيين لجنة طبية لدرس التقرير الطبي وتقديم تقرير ثاني يؤكد أن الوفاة ناتجة عن حادث مرور وكذلك مواصلة البحث عن السيارة المرتكبة للحادث ثم في مرحلة ثانية يختم البحث بالحفظ وسوف نتولى إعلام منظمة العفو الدولية عن طريق وزارة الخارجية. "