تشكلت هيئة الحقيقة والكرامة في ظل دستور يضمن الحقوق ويقطع مع عهود الديكتاتورية والحكم الفردي والإستبداد. كان من المنتظر أن تعمل الهيئة على حفظ الذاكرة وإنصاف الضحايا. إلا أن هذا الأمر لم تستشعره الضحايا بالدرجة نفسها. ففيما أن عددا من الضحايا حظي بإحالة دعواه إلى الدوائر المتخصصة، فإن الأمر اقتصر بالنسبة إلى آخرين باستماعهم أو استلام ما لديهم من مستندات من دون إجراء أي تحقيق لاحق. 

وعليه، وفيما تفصلنا اليوم أربعة أشهر عن التقرير النهائي لهيئة الحقيقة والكرامة، لم يتمكن عدد كبير من الضحايا وعائلات الشهداء حتى من معرفة ما حدث بالملفات التى أودعوها لدى هيئة الحقيقة والكرامة. وجد هؤلاء الضحايا ضالتهم في منظمات المجتمع المدني وخاصة في حملة #ملفي_إيش_صار_فيه_يا_هيئة (ماذا حدث بملفي يا هيئة)، والتي يطالب من خلالها الضحايا وعائلات الشهداء هيئة الحقيقة والكرامة تمكينهم من معرفة ما آلت إليه ملفاتهم.  

 

#ملفي_إيش_صار_فيه_يا_هيئة ومصير ملفات ضحايا عهود الإستبداد

"هناك حالة من عدم التواصل بين هيئة الحقيقة والكرامة ومنظمات المجتمع المدني، خاصة تلك التى تعنى بقضايا ضحايا وشهداء الإستبداد". هكذا إستهل أ. حسين بوشيبة، رئيس جمعية الكرامة، حديثه مع المفكرة القانونية حول حملة #ملفي_إيش_صار_فيه_يا_هيئة، التي تم إطلاقها في أكتوبر 2017 خلال ندوة صحفية.

تندرج هذه الحملة تحت الشبكة التونسية للعدالة الإنتقالية التى تضم بدورها العديد من الجمعيات الحقوقية المحلية والتى تعنى بالضحايا في العاصمة تونس والولايات. من هذه الجمعيات نذكر جمعية الكرامة، الشبكة التونسية للعدالة الإنتقالية، نساء تحدين القضبان، جمعية تونسيات، والجمعية الدولية لمساندة المساجين السياسيين. تهدف هذه الحملة إلى الضغط على هيئة الحقيقة والكرامة لمعرفة ما آلت إليه ملفات الضحايا التى قُدمت إليها منذ تأسسها وهي بالآلاف. ولكن يبقى الهدف الأكبر لها هي محاولتها إعادة فتح باب الحوار بين الضحايا ورئاسة الهيئة.

في الواقع، يتم تحويل أي ملف إنتهاك بعد تقديمه إلى الهيئة إلى لجنة البحث والتقصي ليتم تصنيفه ثم إرساله إما إلى الدوائر القضائية المتخصصة مباشرة، أو يتم إحالته إلى إحدى لجان الهيئة منها لجنة جبر الضرر أو لجنة المرأة في حال يعنى الملف بنساء تعرضن للتعذيب والإنتهاك. إلى اليوم لا يعرف أولئك الضحايا أين ملفاتهم وإلى أي لجنة أو دائرة قضائية تم تحويل هذه الملفات.

في حالة من الإحتقان والغضب، قام أعضاء حملة #ملفي_إيش_صار_فيه_يا_هيئة منذ تأسيسها إلى اليوم بالعديد من الوقفات في جهات عدة، للمطالبة بكشف واقع هذه الملفات. تحدث "بوشيبة" عن آخر هذه الوقفات والتى كانت في 30 جانفي 2018 أمام هيئة الحقيقة والكرامة ضمت مشاركين من عدة ولايات. خلال هذه الوقفة تم جمع 300 مطلب شخصي للنفاذ للمعلومة من الضحايا وعائلات الشهداء يحمل عنوان ومطلب الحملة: "ملفي إيش صار فيه يا هيئة؟" كما وزعت الحملة العريضة، التى كانت قد أحدثتها في أكتوبر 2017، على المشاركين في الوقفة والتى تضمنت مطالب عدة من ضمنها مطلب الوصول لملفات الضحايا. جمعت هذه العريضة، بنسختيها الورقية والإلكترونية، حوالي 1200 توقيع من نشطاء حقوقيين وضحايا وعائلات الشهداء، حسب "بوشيبة". بالرغم من أن الهيئة وعدت بالمساعدة وتسهيل وصول الضحايا إلى ملفاتهم من خلال العمل على اعتماد تطبيق إلكتروني يمكّن الضحايا من تتبع ملفاتهم. إلا أن إستجابة الهيئة كانت مجرد محاولة للتهدئة. فإلى هذه اللحظة لم تنفذ الهيئة وعودها. قال "بوشيبة" أن الحملة أمهلت الهيئة شهرا لتنفيذ ما وعدت به قبل اللجوء إلى هيئة النفاذ إلى المعلومة أو المحكمة الإدارية للتحصل على حق النفاذ إلى هذه الملفات. "أزمة التمديد وقبلها أزمة سد شغور مجلس الهيئة حال دون متابعتنا لهذه القضية. حيث اضطرتنا هذه الأحداث إلى إعادة ترتيب الأولويات"، قال "بوشيبة".

 ناهيك عن فوضى الملفات داخل الهيئة. وهي مشكلة لم تكترث لها هذه الأخيرة إلاَ مؤخراً. فحتى اللحظة، ثمة ملفات فارغة الأوراق إلا من نسخة عن بطاقة الهوية، لم يتم التوصل لأصحابها. "لو أن الهيئة كانت على وعي بخطورة الأمر وضيق الوقت، لكانت خرّجت قائمة بالأسماء التى لم يتم الوصول إليها أو الملفات التى لم تستكمل أوراقها في وقت كافٍ لتتمكن الضحية من تقديم الأوراق اللازمة. ولكّنا، كمجتمع مدني، تمكنا من المساعدة في ذلك أيضاً"، قال "بوشيبة" موضحاً.

 

الضحايا وأزمة حفظ الذاكرة

حفظ حق الضحايا بالخصوصية وحفظ قصصهم ومعطياتهم الشخصية هو من ضمن المطالب التى تتبناها حملة #ملفي_إيش_صار_فيه_يا_هيئة. لذلك تعنى الحملة بمسألة حفظ الذاكرة، والتى تعد واحدة من أهم إستحقاقات العدالة الإنتقالية في تونس. في 25 جانفي 2018، توجهت الحملة بمطلب توضيح إلى رئيسة الهيئة وأعضاء مجلسها فيما يخص نوايا رئيسة الهيئة بإعطاء شركة "ميكروسوفت أزير" الحق في معالجة وحفظ الأرشيف خارج تونس. كما قامت الجمعيات المنضوية تحت الحملة بمشاورات عديدة مع جهات مختلفة معنية بهذه المسألة مباشرة، ومنها هيئة النفاذ للمعلومة وهيئة حفظ المعطيات الشخصية والأرشيف الوطني والمكتبة الوطنية. عقدت الحملة على أثر ذلك ندوة حول مخاطر إخراج أرشيف الهيئة خارج البلاد بعنوان "أرشيف الضحايا: أداة للمصالحة والحفاظ على الذاكرة" في مقر الأرشيف الوطني بتاريخ 28 فيفري 2018 وضح خلالها المدير العام للأرشيف الوطني التونسي أ. الهادي الجلاب عن إستعداده القيام بكل التراتيب اللازمة في هذه المؤسسة الوطنية لتتماشى مع طبيعة أرشيف الهيئة.

"هذا الأرشيف هو مخزون للمعلومات ممكن أن يقع إستثماره من قبل جهات عديدة تطمع بالأموال التى يمكن أن يحققها بيع هذه المعلومات"، قال أ. صالح منصور، رئيس الشبكة التونسية للعدالة الإنتقالية، في حواره مع المفكرة القانونية، معبّراً عن ضرورة أن يقع حوار بين المجتمع المدني ومؤسسات الدولة وهيئة الحقيقة والكرامة فيما يخص الأرشيف وحفظ الذاكرة.

 

مطبات مسار العدالة الإنتقالية

قبل إنشغال منظمات المجتمع المدني بأزمة التمديد لهيئة الحقيقة والكرامة، كان إنشغالهم ينصب على أزمة أخرى تطرح إشكالاً كبيراً حول شرعية عمل الهيئة وهي أزمة سد الشغور داخل مجلسها، والتى لم تحل حتى اليوم. قال "منصور" للمفكرة أنه يمكن للمنظومة الحاكمة أن تستخدم عدم سدّ الشغور كورقة تبطل من خلالها شرعية عمل الهيئة وتطعن بنتائجها لتطيح بمسار العدالة الإنتقالية برمته.

المطلب الثاني الذي يمكن أن يطعن بعمل الهيئة ويطيح بمسار العدالة الإنتقالية حسب "منصور" هي النتائج غير المكتملة لعمل الهيئة. حيث أن عددا كبيرا من الملفات لم يتم إستكمالها وعدد كبير من الملفات أيضاً لم يتم تحويلها إلى الدوائر القضائية المتخصصة. قال "منصور" معلقاً على ذلك "أن منظمات المجتمع المدني تعتقد اليوم وكأن هناك إتفاقا ضمنيا بين هيئة الحقيقة والكرامة والسلطات الثلاث. حيث أن تحويل الملفات الذي نشهده اليوم من قبل الهيئة إلى الدوائر القضائية المتخصصة هو مجرد محاولة للتهدئة والمماطلة، أشبه بالعمل الصوري إلى حين إنتهاء مدة عمل الهيئة. فتكون حجة المنظومة الحاكمة أن نتائج الهيئة في تقريرها لا يمكن أخذها بجدية نظراً إلى أن الهيئة لم تستكمل عملها قبل إنتهاء المدة المحددة لها."

 

للإضطلاع على المطلب الموجه لهيئة الحقيقة والكرامة في 30 جانفي 2018 بخصوص متابعة الضحايا لملفاتهم إضغط هنا

للوصول إلى رابط العريضة إضغط هنا

 

مقالات ذات صلة

ياسمين هاجر، "الاختفاء القسري" يعود في أول جلسات العدالة الانتقالية في قابس اليوم: الحكومة تختزل دروس الماضي بالإصلاح، موقع المفكرة القانونية، 2018-05-29

الدوائر المتخصصة للعدالة الانتقالية تعقد أول جلساتها: إحتفاء بعدالة طال انتظارها، موقع المفكرة القانونية، 2018-05-31

الدوائر القضائية المتخصصة للعدالة الإنتقالية: الصمت التوافقي يغطي أزمتها القاتلة، عدد 8 من المفكرة القانونية، تونس، 2017-06-30