تعهدت المحكمة الابتدائية بسوسة في سنة 2010 بدعوى قضائية رفعت من مواطن تونسي مرسم بدفاتر الحالة المدنية تحت مسمى "لينا" ومنصوص في تحديد جنسه على كونه من جنس الإناث. وذكر المدعي أنه مع بلوغه جنسيا تفطن لكونه يعاني من اضطراب في الهوية مرده عدم قبول دماغه لمسألة انتمائه لجنس الإناث وأن هذا التنازع بين المعطى العضوي والحالة النفسية الذي رافقه طوال حياته فرض عليه بعد فشل محاولات العلاج النفسي أن يخضع في سنتي 2006 و2009 لتدخل جراحي حقق توافق جسده مع ميوله النفسية. وقد انتهى طالب التصريح بتغيير هويته الجنسية لتتلاءم حالته القانونية مع واقعه. فكان أن رفضت المحكمة دعواه بمقولة أن "تغيير الجنس" لا يقبل إلا متى كان الأمر يتعلق بتشويه عضوي يبرره. بعد ست سنوات من ذلك، عاد ذات المواطن ونشر دعواه مجددا أمام الدائرة الشخصية  بالمحكمة الابتدائية بتونس التي قضت بتاريخ 09-07-2018 لفائدتها.

استندت هيئة المحكمة المكونة من رئيستها سمية بوغانم والقاضيتين وسيلة العجيمي ودليلة العلوي في حكمها إلى الآتي:

  • ما ثبت لديها من الاختبار الطبي الذي أذنت به والمجرى بواسطة طبيب شرعي من كون المدعي يعاني من اضطراب في هويته الجنسية ومن كون التوصيف الطبي لحالته يؤكد أنه لا يعد "مرضا نفسيا ولا انحرافا سلوكيا"، بل أنه من قبيل اضطراب الهوية الجنسية الذي ينتج عن تمايز بين حالة عضوية ظاهرة وحالة نفسية حاكمة،
  • ما كشفته لها أعمالها الاستقرائية من كون "اضطراب الهوية الجنسية" ولّد ضغطا نفسيا لدى المدعي أدى به للانهيار النفسي وكان من آثاره أنه حاول مرتين إنهاء معاناته بالانتحار.

لتقرر تبعا لذلك أن:

  •  تنافر الحالة الجنسية للمدعي وما تولد عنه من ضغط نفسي لديه انتهى بانهيار عصبي يؤكد توفر شروط حالة الضرورة التي تبرر تدخل القضاء لتغيير الجنس،
  • أن إجراء المدعي لتدخل جراحي هدفه إنهاء التنافر بين حالته النفسية التي تقنعه بكونه من جنس الذكور وظاهر بنيته الجسدية الذي يبرز غير ذلك يندرج في خانة التدخل العلاجي ولتنتهي  إلى إرساء مبدأ مفاده أن اضطراب الهوية الجنسية من حالات الضرورة التي تجيز طلب تغيير الجنس. ويكشف النظر في هذا المبدأ عن كون المحكمة التي أرسته سعت لتحقيق مزاوجة بين "الحقيقة العلمية" التي تؤكد وجود حالة "اضطراب الهوية الجنسية" والتصور الحقوقي المبدئي الذي يفرض حق من يعانون منها في كف أذاهم عنها من جهة والتصور الفقهي الذي لا يقبل بتغيير الجنس إلا في حالة الضرورة من جهة ثانية، من خلال اعتبارها المعاناة النفسية بابا من أبواب تلك الحالة والاستناد لها لفرض حق من يثبت تعرضهم لها في طلب تغيير جنسهم بما يلائم تصورهم الذهني له.

ويذكّر توجه المحكمة هذا إلى حد بعيد بالمقاربة الحداثية التونسية في مجال الأحوال الشخصية، هذه المقاربة التي سعت دوما لخلق قبول مجتمعي بالمبادئ الحقوقية من خلال عملها على كسر التضارب الظاهر بينها وبين التصورات الدينية التي تشكل جانبا من قناعات المجتمع[1].

  وبعيدا عما قد يسجل من اختلاف في المواقف فيما تعلق بهذه المقاربة التوفيقية، وإذ تسجل "المفكرة" بايجابية أن أبحاثها وعملها على فقه القضاء في المنطقة العربية اعتمد ضمن مؤيدات الدعوى كما هو مثبت من عرض المحكمة لها[2]، فإنها وسعيا منها لإبراز أهمية أن يكون الاجتهاد القضائي أداة لحماية الحقوق والحريات وتطوير تصورها الاجتماعي، تنشر لائحة هذا الحكم المبدئي وتتعهد أن تكون منصتها فضاء مفتوحا لما يستحقه من تحليل ونقاش.

وتأمل المفكرة في هذا الإطار أن يكون الاختلاف الحاصل بين محكمة سوسة الابتدائية والمحكمة الابتدائية بتونس في هذا النزاع سببا في جدل فقهي في الوسط القضائي والحقوقي التونسي يذكر بذات الحراك الذي نجم عن اختلاف محكمة الاستئناف بتونس ومحكمة الاستئناف بسوسة في تأويل أحكام مجلة الأحوال الشخصية ثمانينات في القرن العشرين[3]، وأن يؤول هذا  الجدل الجديد لما آل له النقاش القانوني الرصين الأول من صناعة لفقه قضاء مستنير يطور الحقوق ويحمي الحريات[4].

 

مقالات ذات صلة:


[1]   استند واضعو مجلة الأحوال الشخصية التونسية في تأصيلهم لما ورد بها من منع لتعدد الزوجات لأحكام الشرع الإسلامي بان اعتبروا أن الشرع الذي أجاز ظاهريا التعدد  منعه واقعا بإشترطه أن يقترن بالعدل بين الأزواج وهو أمر أكد النص القرآني استحالته.

[2]  قدم المدعي ضمن مؤيدات دعواه نسخة  من مقال " تغيير الجنس في حمى قضائي" ليمنى مخلوف نشر بموقع المفكرة القانونية بتاريخ 11-01-2016. ويتبين من قراءة لائحة الحكم أن هذا المقال كان له دور بارز في صناعة قناعة المحكمة وصياغة سندات حكمها.

[3]      كشفت تطبيق محكمة الاستئناف بتونس و محكمة الاستئناف بسوسة بداية ثمانينات القرن العشرين عن تباين في تصور كل منهما لعدد  من أحكام مجلة الأحوال الشخصية وامتد هذا الاختلاف إلى الصحافة المكتوبة في سياق جدل قانوني حقوقي بين رئيس محكمة الاستئناف بتونس حينها محمد صالح العياري ورئيس محكمة الاستئناف بسوسة محمد الهاشمي دحيدح كانت ساحته صحيفة الصباح التونسية. وكان من آثار هذا الجدل القانوني أن تطورت أحكام مجلة الأحوال الشخصية وتطبيقاتها في اتجاه ينتصر لتصورها كقانون يحمي حقوق المرأة ويسعى لتحقيق المصلحة الفضلى للطفل . ويذكر هنا أن تلك المقالات التي طورت وعي الشارع التونسي بمبادئ قانون الأسرة لازالت لليوم تعتمد كمرجع أساسي في دراسة مجلة الأحوال الشخصية .

[4]   نجح فقه القضاء التونسي في تعاطيه مع مجلة الأحوال الشخصية في تطوير جانب هام من مبادئها  في اتجاه يحمي حقوق المرأة ويكرس مبدأ المصلحة الفضلى للطفل في كل إجراء يهمه. وقد تولى المشرع التونسي اعتماد هذا العمل الفقه قضائي في تطوير نص المجلة.