في إطار دراستنا لقضايا الإتجار بالبشر أمام المحاكم، وجدنا قضيتين تتعلقان بتبنّ غير قانوني لأطفال مولودين في لبنان. وقد اعتبرت سلطات الظنّ والاتهام أن هذا التبني يشكل إتجاراً بالبشر مع اعتبار الأم البيولوجية، شريكة مع أشخاص آخرين، بجناية الإتجار بالبشر. وبانتظار بتّ هاتين القضيتين، نطرح في هذا المقال تساؤلاً حول مسؤولية الأمّ البيولوجية: هل يصحّ اعتبار تخلّيها عن وليدها إتجارا به، أم أن هذا التخلي يشير إلى وقوعها ضحية للاستغلال؟ 

 

قضاة الظن والاتهام: الأمهات تاجرن بأولادهن

يتمثل الاتجاه الحالي للسلطات القضائية، لا سيما سلطات الملاحقة والتحقيق والاتهام، في اعتبار تخلّي الأم البيولوجية عن وليدها، جناية إتجار بالبشر (المادة 586-1 من قانون العقوبات). وهذا ما يتحصل من قضيتين تسنى رصدهما:

في القضية الأولى، نلقى قراراً اتهامياً صادراً عن الهيئة الاتهامية في بيروت في العام 2016 باتهام أربعة أشخاص بالإتجار بطفل واحد، وهم: والدة الطفل وهي من الجنسية البنغلادشية، زوج الوالدة (ليس والد الطفل) وهو من الجنسية اللبنانية، ومؤجر منزل الزوجين وزوجته اللبنانيين اللذين توسّطا بين الزوجين والسيدة التي تبنت الولد والتي بقيت مجهولة. وقد بقي مصير الطفل مجهولاً باستثناء ما ورد في إفادة الوالدة أنه تم نقله إلى المملكة العربية السعودية من قبل السيدة التي تبنته.

في القضية الثانية، نلقى قراراً ظنياً صادراً عن قاضي التحقيق في جبل لبنان في العام 2016 يتعلق بالتبني غير القانوني لثلاثة أطفال. وقد شمل هذا القرار الظني إثني عشر شخصاً هم: الوالدة البيولوجية لأحد الأطفال، وثلاث أمهات بالتبني ووالداً بالتبني، ومالكة مكتب استقدام عاملات في الخدمة المنزلية كانت توسطت بين الأمهات البيولوجيات والأمهات بالتبني، طبيبين وقابلة قانونية وشقيق إحدى الأمهات بالتبني بالإضافة إلى شخصين آخرين كان لهما دور في تزوير وثائق ولادة الأطفال. ويلحظ أن جميع المدعى عليهم في هذه القضية هم من الجنسية اللبنانية باستثناء والدة الطفل التي هي من الجنسية الفيليبينية. وقد بقيت هوية والدتين بيولوجيتين مجهولة، وهما أيضاً من الجنسية الفيليبينية، كما لم يتسنّ لنا معرفة مصير الأطفال الثلاثة.

بالإضافة إلى هاتين القضيتين، يتبيّن من إحصائيات مكتب مكافحة الإتجار بالأشخاص في قوى الأمن الداخلي أن المكتب حقق في قضيتين إضافيتين تتعلقان ببيع أطفال دون أن يتسنى لنا معرفة مآل هذه التحقيقات:

  • القضية الأولى تم التحقيق فيها في العام 2015، وقد تخللها توقيف سيدة سورية بشبهة بيع طفلة عمرها 25 يوماً مقابل المال واشترك معها ثلاثة أشخاص من الجنسية اللبنانية (رجلين وامرأة). ولم يتسنّ لنا معرفة مصير الطفلة. 
  • القضية الثانية تم التحقيق فيها في العام 2017، وقد تخللها توقيف سيدة أثيوبية بشبهة بيع طفلتين حديثتي الولادة إلى شخصين لبنانيين (رجل وامرأة). سُلمت الطفلتان بعد التحقيق إلى جمعية مارتا ومريم.

 

وبالعودة إلى القرارين المذكورين أعلاه، نلحظ أن كلاهما خليا من أي تعليل لجهة مدى توفر عناصر الجريمة، وإن تميز القرار الظني من خلال اعتبار أن الأم البيولوجية تتحمل المسؤولية الأساسية في الإتجار بالبشر الى جانب الوسيطة صاحبة مكتب الاستقدام، فيما تشكل أفعال الأهالي بالتبني* مجرّد تدخل في هذا الجرم. كما يسجّل أن القرار الظني، ذهب أيضا إلى الظنّ بوالدة الطفل بجنحة التخلي عن قاصر مقابل المال أو أي منفعة أخرى ولو بقصد إعطائه للتبني (المادة 550 مكرر من قانون العقوبات). ويؤكد ذلك تضارب القوانين اللبنانية بعد إقرار قانون الإتجار بالأشخاص، والذي تمّ من دون مراجعة القوانين الأخرى ذات الصلة.

ولجهة المنفعة المادية المتحصلة من عمليات التبني غير القانوني هذه، يتبيّن من القرار الاتهامي أن الأم البنغلادشية تقاضت مبلغ 5000 د.أ.، في حين تقاضى مؤجّرا منزلها مبلغ 2000 د.أ. مقابل وساطتهما مع السيدة التي تبنت الطفل.

ويتبيّن من القرار الظني أن إحدى الأمهات تقاضت مبلغ 1350 د.أ. والثانية مبلغ 1500 د.أ. أما الأم الثالثة، فأفادت أنها لم تتلقّ أي مبلغ مالي. بل أن العائلة بالتبني سددت نفقات الولادة في المستشفى كونها لم تكن تملك المال لذلك. فضلاً عن ذلك، أشار القرار الظني أن أحد الأطباء تقاضى مبلغ 1500 د.أ والثاني مبلغ 4500 د.أ. مقابل تنظيم وثائق ولادة مزورة. وتقاضت السيدة التي تملك مكتب استقدام مبلغ 1500 د.أ. مقابل وساطتها لإحدى العائلات.

 

تغييب لروابط الاستغلال الفعلي للأمهات البيولوجيات

يؤشر الموقف الذي اعتمده قضاة التحقيق والاتهام في هاتين القضيتين أنهم عمدوا إلى اتهام الأمهات البيولوجيات بالإتجار بمواليدهن تبعا لتخليهن عنهم، من دون أن يولوا أي اهتمام لظروفهن أو لأفعال الاستغلال  الظاهرة في تصرفات الوسطاء والأطباء. وهذا الأمر يتبدى جليا من خلال التدقيق في اجتماع الأفعال الآتية والتي من شأنها أن تكوّن عناصر جريمة الإتجار بالبشر، الذي وقعت ضحيته الأمهات "المتهمات":

أولا: اجتذاب الأمهات وحثهن على التخلي عن مواليدهن من قبل الوسطاء، والذي يؤدي إلى تحقيق عنصر الفعل المادي المكوّن للجريمة. بالفعل، يتبيّن في القضية الأولى أن زوجة مؤجر منزل الأم البيولوجية هي التي طرحت فكرة التبني غير القانوني وأقنعتها بإعطاء الطفل إلى عائلة ميسورة. كما يتبيّن في القضية الثانية أن مالكة مكتب الاستقدام هي التي أقنعت إحدى الأمهات البيولوجية بالتخلي عن مولودها، وأن العائلات بالتبني تواصلت معها من أجل تأمين أطفال لها.

ثانيا: استغلال حالة ضعف الأمهات، والذي يؤدي إلى تحقق عنصر الوسيلة المستخدمة للإتجار بالبشر. يتبّين في القضيتين أن الوسطاء قاموا باستغلال حالة ضعف الأمهات البيولوجيات من أجل اجتذابهن وحثهن على التخلي عن مواليدهن. وتتمثل حالة الضعف في قضايا مماثلة بمجموعة من العوامل، منها حالة فقر الأمهات، والحمل خارج إطار الزواج في بلد أجنبي، ورفض الآباء البيولوجيين تحمّل أي مسؤولية تجاه المواليد، فضلا عن كونهن عاملات أجنبيات يقمن بشكل غير نظامي في لبنان، تبعا لنظام الكفالة. ففي أوضاع كهذه، تضيق خياراتهن بشكل كبير، لتكاد تنحصر في التخلي عن الطفل لعجزهن عن تربيته في لبنان أو اصطحابه إلى بلدهن الأم. وما يحتّم وصول الحمل إلى هذه النتيجة هو عجزهن عن الإجهاض، بنتيجة تجريمه في لبنان.

ثالثا: انتزاع الأولاد من أمهاتهن والذي يؤدي إلى تحقق هدف الاستغلال المكوّن للجريمة. فإضافة إلى ثبوت المنفعة المادية للوسطاء وللأهل بالتبني، يتمثل هدف الاستغلال هنا في انتزاع الأطفال من أمهاتهن وحملهن على ارتكاب فعل مخالف للقانون، ألا وهو جنحة التخلي عن مولود مقابل المال (المادة 550 مكرر من قانون العقوبات).

وما يعزز هذه القراءة لعملية التبني، هو حصوله لصالح عائلات ميسورة على حساب أمهات فقيرات تنعدم الخيارات أمامهن. إلا أنه رغم ذلك، لم تعِرْ القرارات القضائية أي اهتمام لهذه المعطيات في تحليلها لمسؤولية الأم البيولوجية، بل على العكس تماماً اتجهت إلى اتهام الأمهات بالإتجار بالبشر بشكل أساسي، وعلى الأقل متساو مع من استغل ضعفهن من وسطاء وأهال بالتبني* وأطباء.

 

* "تم استبدال عبارة الاهالي "البيولوجين" بالاهالي "بالتبني" لورودها سهواً في النسخة الورقية من هذا المقال"

 

  • نشر هذا المقال في عدد | 56 | تموز 2018،  من مجلة المفكرة القانونية. لقراءة العدد انقر/ي على الرابط ادناه:

         هل حقا نريد ردع الإتجار بالبشر؟ هل حقا نريد حماية ضحاياه؟

  • للإطلاع على النص مترجما الى اللغة الإنكليزية يمكنك/ي الضغط هنا