بتاريخ 7 شباط 2018، أصدرت محكمة الجنايات في بيروت حكماً قضى بإعفاء الضحية التي أرغمت على ممارسة الدعارة من العقاب، وإعلان براءة الزبون الذي تزوّج الضحية لعدم كفاية الدليل بتسهيله الدعارة لها.

وهو ثاني حكم ترصده "المفكرة القانونية" يصدر بهذا الاتجاه عن هذه الهيئة. ففي حكم سابق صادر بتاريخ 27 تشرين الثاني 2017، تم إعفاء ضحية استغلال جنسي من العقاب بعدما تثبتت المحكمة أن زوجها أرغمها على ممارسة الدعارة.[1] كما كان قد صدر في العام 2015 حكم عن محكمة الجنايات في بيروت أعفى قاصرة من الجنسية السورية من العقاب.[2] وعليه، نتلمح توجها لدى هذه المحكمة إلى إعفاء الضحايا اللواتي يتم استغلالهن في الدعارة ولكن بعد القيام بمحاكمتهن في محاكمة مشتركة مع المستفيدين من استغلالهن.

أما الجديد في هذه القضية فهو إعفاء الضحية رغم عدم مثولها أمام السلطات اللبنانية، كما وإعفاء الزبون الذي تزوّج الضحية بعدما ثبت للمحكمة أنه لم يقم بتسهيل الدعارة لزوجته بل على العكس اقترن بها وأصر عليها وقف العمل في هذا المجال.

 

تفاصيل القضية

بتاريخ 11 حزيران 2016، تم توقيف الزبون-الزوج، وهو من الجنسية السورية، من قبل عناصر الأمن العام للاشتباه به بتسهيل الدعارة لزوجته السورية، دون ان يتضح مصدر هذه المعلومات أو سبب الاشتباه به. وفي التحقيق معه من قبل الأمن العام، ومن ثم مكتب مكافحة الإتجار بالأشخاص وحماية الآداب، نفى ذلك وأدلى أنه "بحكم عزوبيته كان يطلب الفتيات" من شخص من الجنسية السورية لممارسة الجنس معهن مقابل مبلغ مالي. وأنه تعرّف على زوجته قبل ثمانية أشهر من توقيفه حين مارس الجنس معها مقابل المال بعدما أرسلها إليه هذا الشخص. وقد أخبرته يومها أنه تم إحضارها إلى لبنان وإرغامها على العمل في الدعارة دون موافقتها، وأنها في حال رفضها تتعرض للضرب والمضايقات من قبل الشخص من الجنسية السورية الذي تواصل معه الزبون-الزوج والذي يعمل لصالح شخص من الجنسية اللبنانية (وهما متهمان بجرم الإتجار بالبشر في هذه القضية).

كما أفاد انه عقد قرانه عليها في اليوم التالي، بعدما أقنعها بالعدول عن العمل في ممارسة الدعارة، ولكنه لم يتمكن من تنفيذ زواجه منها في السجلات الرسمية بسبب احتجاز أوراقها من قبل المتهمين الإثنين. وأضاف أنها كانت تغادر المنزل عدة مرات ومن ثم تعود إليه متحججة أنها مكثت لدى صديقة لها. غير أنه أقنعها بالعودة إلى سوريا للعيش مع أهلها لإبعادها عن الدعارة، وأنه منذ رحيلها يرسل لها الحوالات المالية لتأمين حاجاتها.

أما المتهمان بالاتجار بالبشر، فقد أنكرا كل ما أفاد به الزبون-الزوج. كما نفى المتهم من الجنسية السورية معرفته بالضحية وبزوجها. لكنه أقرّ بأنه عمل في مجال تسهيل الدعارة وتم توقيفه سابقاً لهذا السبب. أما المتهم من الجنسية اللبنانية، فأفاد أنه يعمل كسائق أجرة. ولدى إجراء مقابلة بينه وبين الزبون-الزوج، أكّد هذا الأخير أنه لم يشاهده من قبل وأنه لا يعرف ما إذا كانت زوجته صادقة في أقوالها أم لا ولا يعرف لماذا ذكرت إسمه دون غيره.

 

إجراءات المحاكمة: الضحية الغائبة

إذن، تمت ملاحقة الأشخاص الأربعة المعنيين في هذه القضية وأحيلوا جميعاً أمام محكمة الجنايات في بيروت. فتم اتهام الشخصين من الجنسية اللبنانية والسورين بتهمة الإتجار بالبشر (المادة 586 من قانون العقوبات). كذلك تم الادعاء على الزبون-الزوج بتهمة تسهيل الدعارة للضحية (المادة 523 من قانون العقوبات). أما الضحية، فتم الادعاء عليها بتهمة ممارسة الدعارة السرية (المادة 523 من قانون العقوبات).

لم يتم الاستماع إلى الضحية في أي من مراحل التحقيق أو الملاحقة نظراً لتواجدها في سوريا. لكن يسجل أنه صدر بحقها مذكرة توقيف غيابية، وذلك رغم توّفر مؤشرات على استغلالها في الدعارة من قبل المتهمين.

وأمام محكمة الجنايات في بيروت، حضر الزبون-الزوج، كما حضر المتهم من الجنسية السورية وهو موقوف ولم يوكل محاميا. ويسجل أنه أوقف لمدة سنة وثلاثة أشهر منذ تنفيذ مذكرة التوقيف الغيابية بحقه لحين صدور الحكم. أما المتهم الآخر من الجنسية اللبنانية، فلم يحضر المحاكمة، علماً أنه كان قد أوقف لمدة ثلاثة أيام فقط بموجب مذكرة توقيف وجاهية قبل أن يتم إخلاء سبيله من قبل قاضي التحقيق في بيروت.

وهنا لا يسعنا إلا التساؤل حول أسباب اختلاف مدة التوقيف بين متهمين بجرم الإتجار بالبشر. وبعد سنة ونصف تقريبا على البدء بالقضية، قررت المحكمة تجريم المتهمين بالاتجار بالبشر، فعاقبت المتهم السوري الذي يحاكم موقوفاً بالاعتقال لمدة ثلاث سنوات وغرامة خمسة ملايين ليرة لبنانية. اما المتهم اللبناني الذي يحاكم غيابياً، فعاقبته بالاعتقال لمدة خمس سنوات وغرامة 200 مليون ليرة لبنانية بالإضافة الى عقوبات أخرى. ويعود اختلاف العقوبة على الأرجح بسبب فرار المتهم اللبناني من المحاكمة في حين ان المتهم السوري يحاكم موقوفاً.

واعتبرت هيئة المحكمة أن الزوجة قد أرغمت على ممارسة الدعارة من قبل المتهمين عبر احتجازها وممارسة العنف عليها، فأعفت عنها العقاب سنداً للمادة 586 (6) من قانون العقوبات. أما بالنسبة للزبون-الزوج، فأعلنت المحكمة براءته كونه لم ينهض من كافة معطيات الملف أي دليل يفيد إقدامه على تسهيل الدعارة للضحية، بل على العكس قام بالإقتران بها وأصر عليها على وقف عملها في الدعارة.

 

الاعفاء من العقاب للضحية بائعة الجنس...

كما تم الإشارة إليه في مقال سابق[3]، انه تبعا لصدور قانون معاقبة الإتجار بالأشخاص في العام 2011، تم إضافة المادة 586 (6) من قانون العقوبات والتي تعفي ضحية الإتجار بالأشخاص من العقاب في حال أثبتت أنها أرغمت على ارتكاب أفعال معاقب عليها في القانون. وعليه تم تعزيز الحماية القانونية للمرأة، لا سيما لجهة إلزام السلطات بالنظر في طبيعة العلاقات بينها وبين التجّار (المشغلين). ولكن على الرغم من هذا التغيير، ظلّت المرأة الضحية للإكراه المعنوي أو الجسدي تحاكم لممارسة الدعارة السرية بالرغم من إثبات صفتها كضحية.

فالتوّجه القضائي المتبع حالياً بالنسبة لضحايا الاستغلال الجنسي يغلب المقاربة العقابية على المقاربة الحمائية. فهو يؤدي إلى إخضاعهن للمحاكمة المشتركة إلى جانب من يستغلّهن إلى حين تثبت المحكمة من مدى "إرغامها" على الفعل. وفي القضية الراهنة، أحيلت (غيابيا) الزوجة إلى المحاكمة أمام محكمة الجنايات باعتبارها ظنينة لممارستها الدعارة وفقا للمادة 523 عقوبات، وصدر بحقها مذكرة توقيف غيابية، وذلك على الرغم من إفادة الزوج بتعرضها للعنف الجسدي والمعنوي من قبل المتهمين (التجّار) في حال رفضها للممارسة الدعارة.

 

لكن البراءة للزبون شاري الجنس

على عكس قوانين دول أخرى، ان القانون اللبناني لا يجرّم الزبون أي طالب أو شاري الجنس، بل يجرّم بائعة الجنس أي المرأة التي تقدم الخدمات الجنسية مقابل بدل. وهو أمر يضع النساء بوضعية هشة قانونية تجاه الزبائن بشكل الخاص، حيث بإمكانهم استغلالهن وتهديدهن دون الخوف من العقاب. فالزبون لا يرتكب جريمة عندما يعرض على امرأة المال مقابل الجنس، بل هي التي ترتكب الجريمة عندما توافق على العرض.

وفي دراسة للمحاكمات المتعلقة بالدعارة بين العامين 2005 و2011، رأينا مؤشرات واضحة على تجهيل الزبون خلال التحقيقات والمحاكمة وعدم التعرّف عليه. أما في الحالات النادرة التي تم فيها الإدعاء على الزبائن، فقد خلصت جميع هذه الأحكام إلى تبرئتهم من أي مسؤولية تماماً كما حصل في هذه القضية، دون أي إشارة إلى احتمال دورهم في الاشتراك أو تسهيل الدعارة.

في المقابل، يساعد هذا التوجّه القانوني الزبون (طالب الجنس) للعب دور هام في قضايا الإتجار بالبشر، وذلك من أجل تحفيزه على إبلاغ السلطات وكشف شبكات الاستغلال التي تعمل على استغلال النساء حين مصادفتها وذلك دون الخوف من التوقيف. كما بإمكان الزبون أن يستفيد من برنامج حماية الشهود الذي أدخل للمرة الأولى في لبنان في العام 2011 ضمن قانون مكافحة الإتجار بالأشخاص.

 

  • نشر هذا المقال في عدد | 56 | تموز 2018،  من مجلة المفكرة القانونية. لقراءة العدد انقر/ي على الرابط ادناه:

         هل حقا نريد ردع الإتجار بالبشر؟ هل حقا نريد حماية ضحاياه؟

 

 

[1] المرصد المدني لاستقلالية القضاء وشفافيته، "قرار قضائي مميز لجنايات بيروت: لا عقاب على الضحية المرغمة على ممارسة الدعارة"، المفكرة القانونية، العدد 53، شباط 2018.

[2]  الحكم رقم الصادر بتاريخ 28/12/2015 عن محكمة الجنايات في بيروت المؤلفة من الرئيس مجمد مظلوم والمستشارين هاني الحبّال وبسام الحاج