في ظل ضعف الآليات الرسمية لحماية ضحايا الإتجار بالبشر وتحمّل المنظمات الأهلية العبء الأكبر من هذه المسؤولية، ما هي مكانة الضحايا في محاكمات الأشخاص المتهمين بالإتجار بهم واستغلاهم؟ وما هي المقاربة التي اعتمدها القضاء في اتجاه الضحايا، وبخاصة لجهة تأمين الحماية لهم أو التعويض عن المعاناة التي عانوا منها من جراء الإتجار بهم. هذا ما سنحاول الإجابة عليه من خلال أهم ما خلصت إليه دراسة "المفكرة القانونية" بشأن قضايا الإتجار بالبشر العالقة أمام محكمتي جنايات بيروت وبعبدا أو المنظورة منهما في سنتي 2016 و2017. ومن المعلوم أن غالبية هذه القضايا اتصلت بالاستغلال من خلال التسول أو الدعارة.   

 

تغييب ضحايا الاستغلال في التسوّل

في قضايا التسوّل، اتجهت السلطات القضائية نحو تغييب الأطفال المشتبه باستغلالهم في التسوّل من مجمل الإجراءات القضائية المتعلقة بمحاكمة من استغلهم.

فقد امتنعت النيابة العامة عموما عن الاستماع إلى افادة القاصرين الذين أوقفوا وهم يتسوّلون في الشوارع، مكتفيةً  بإيداعهم في مؤسسات اجتماعية. بالفعل، من أصل 24 قاصرا معنيا بالقضايا المذكورة، تم ضبط إفادة ثلاثة منهم فقط. وقد تم الاستماع إلى إثنين منهم بحضور والدهما المشتبه به باستغلالهما، والذي اتّهم فعلا بالإتجار بهما لاحقاً. فضلاً عن ذلك، استمعت الضابطة العدلية إلى قاصرين "شفهياً لدى توقيفهما" دون أن يتم ضبط الإفادتين أصولا.

بالمقابل، قامت النيابة العامة بتسليم 15 قاصراً إلى بيت الرجاء الإنجيلي في الكحالة الذي تديره المؤسسة الإنجيلية للرعاية الاجتماعية، وبتسليم قاصرين فقط إلى معهد إصلاح الأحداث في الفنار الذي يديره اتحاد حماية الأحداث. وفي حين استخدمت الوثائق القضائية لفظ "إيداع" القاصر في أغلبية القضية، تم الإشارة إلى أحد القاصرين على أنه "موقوف" حيث أشار النائب العام حرفياً إلى "عدم اتخاذ أي إجراء أو مخالفة بحق القاصر ... والاكتفاء بتوقيفه في دار الرعاية في الكحالة". وغالباً ما أحالت النيابة العامة محاضر التحقيقات إلى قاضي الاحداث لإجراء ما يراه مناسباً، دون أن يتسنى لنا معرفة دور قضاء الأحداث في هذا المجال ومدة إقامة هؤلاء الأطفال في المؤسسات الاجتماعية.

 

وقد كان لاستغلال الأطفال في التسوّل في معظم هذه القضايا طابع عائلي، أي أن التحقيقات أظهرت أنه كان يتم نقلهم أو مراقبتهم من قبل أحد أفراد عائلتهم أو بموافقتهم. لكن الملفات القضائية لم تتضمن أي تحقيق حول ظروف رعاية هؤلاء الأطفال من قبل عائلتهم وحول الظروف الاجتماعية والاقتصادية للعائلة ومدى توّفر الحماية الكافية لهم من قبل أحد أفراد أسرتهم حتى في الحالات التي كان المتهم أحد أصولهم. كما خلت الملفات من المعاينات الطبية أو التحقق من الأوضاع الصحية الجسدية أو النفسية للأطفال. وتم الاكتفاء في غالبية القضايا بالتحقيق مع أحد الوالدين وتوقيفه، مع تغييب كامل للآخر.

وعليه، يجدر التساؤل حول ضرورة سلخ هؤلاء الأطفال عن بيئتهم العائلية وعزلهم في مؤسسات رعاية من دون التثبت من ضرورة هذا الإجراءـ إذ يبدو أن النيابات العامة تستمر باستخدام آليات عزل أطفال العائلات الفقيرة عن أهلهم من دون أي اهتمام لأوضاعهم الخاصة، خلافاً لما قد تقتضيه مصلحة الطفل الفضلى.

 

وقد استمر تغييب الأطفال في قضايا التسوّل كلياً عن إجراءات المحاكمات كما غيبوا خلال إجراءات التحقيق، حيث لم يتبيّن الاستماع إلى أي منهم من قبل محكمة الجنايات أو إلى أوليائهم غير المتهمين باستغلالهم أو حتى إلى مندوبي الأحداث المتابعين لقضاياهم أو مسؤولي مؤسسات الرعاية حيث أودعتهم النيابة العامة. كما لم تستند محكمة الجنايات إلى نتائج تحقيق قضاة الأحداث في هذه القضايا ولم تطلع على مصير الأطفال وما إذا كانوا لا يزالون تحت رعاية المؤسسات الاجتماعية أم عادوا إلى المنزل العائلي. وعليه، أصدرت محكمة الجنايات أحكاماً بالحكم بجناية الإتجار بالبشر، غالباً بحق أهالي الأطفال الذين حكم عليهم بالسجن بين خمس سنوات و15 سنة، دون أن تستحصل على أي معطيات حول أوضاع الأطفال المستغلين في التسوّل، ودون أن يحكم بأي تعويضات لهم. وقسوة العقوبات بحق ذوي الأطفال تفرض التساؤل حول أثرها السلبي على الأطفال أنفسهم، وبخاصة في ظل التغييب التام لظروف رعايتهم.

 

ملاحقة وتوقيف ضحايا الاستغلال الجنسي

بالمقابل، تعاملت السلطات القضائية مع النساء ضحايا الاستغلال الجنسي في الدعارة بشكل مختلف عن تعاملها مع الأطفال ضحايا الاستغلال في التسوّل. فقد تم الظن بهؤلاء بارتكاب جنحة ممارسة الدعارة السرية أو جنحة تعاطي المخدرات أو اهمال تجديد الإقامة (وهي جنح ناتجة ومرتبطة بالإتجار بهن) في 12 من أصل 17 قضية شملتها العينة موضوع الدراسة. وعليه، خضعت 16 امرأة ضحايا الاستغلال الجنسي، من ضمنهن قاصرتين، لمحاكمة مشتركة مع المتهمين باستغلالهن. لم يتبيّن لنا اتخاذ السلطات القضائية أي تدبير حماي بحق هؤلاء النساء. وخلت جميع هذه القضايا من المعاينات الطبية أو التحقق من الأوضاع الصحية الجسدية أو النفسية للضحايا. كما لم تتضمن تقارير من المعنيين بحماية الأحداث بالنسبة للقاصرتين. وفي حين بقيت هوية الضحايا مجهولة في إحدى القضايا المتعلقة بشبكة للإتجار، لم يتم الادعاء بحق 30 ضحية للاستغلال الجنسي معروفة الهوية في ثلاث قضايا فقط، علماً أن أغلبيتهن من النساء اللواتي تم استغلالهن في إطار القضية المعروفة بقضية "شي موريس" واللواتي اتخذن صفة المدعيات بحق أعضاء الشبكة.

 

وبنتيجة هذه الملاحقة، تم توقيف 14 ضحية للإتجار بالبشر في هذه القضايا من قبل النيابات العامة او قضاة التحقيق، إما احتياطياً أو وجاهياً أو غيابياً. لم يتم إحالة أي من الضحايا للمحاكمة موقوفات أمام محكمة الجنايات، إذ قامت السلطات القضائية بالإفراج عنهن في مراحل مختلفة من الإجراءات القضائية قبل وصولهن إلى محكمة الجنايات. وقد وصل متوسط مدة توقيف الضحايا إلى 25 يوماً. وقد حصلت هذه التوقيفات بين الأعوام 2011 و2016. ومن النافل القول أن توقيف هؤلاء النساء لآماد طويلة يتعارض مع وضعيتهن كضحايا إتجار، مؤهلات للاستفادة من الإعفاء من العقاب بموجب المادة 586 (8) من قانون العقوبات. واللجوء إلى التوقيف الاحتياطي بحقهن إنما يخالف المادة 107 من أصول المحاكمات الجزائية، طالما أن عقوبة جنحة ممارسة الدعارة لا تتجاوز السنة. كما أن مدة توقيفهن قد تجاوزت وفق دراسة أخرى، متوسط مدة توقيف النساء المدعى عليهن بممارسة الدعارة بين العامين 2005 و2011 - أي قبل إقرار قانون الإتجار بالأشخاص - والذي وصل إلى 13 يومياً (11.5 يوماً للبنانيات و15 يوماً للأجنبيات).[1] فهل أدى تغليظ الجرم بحق الإتجار بالبشر إلى تغليظ التعامل مع ضحاياه أيضا؟

 

لم نرصد في العينة أي قرار قضائي بمنح إقامة لإحدى الضحايا سنداً للمادة 586 (6) من قانون العقوبات، وذلك رغم أن الأغلبية الساحقة من الضحايا هن من غير اللبنانيين (43 من أصل 46 ضحية)، ورغم أن العديد منهن لم يكن يحملن إقامة قانونية لدى البدء بالتحقيقات في القضية.

بل على العكس من ذلك تماما، تم الادعاء بحق ثلاث من ضحايا الاستغلال الجنسي بجرم إهمال تجديد الإقامة، وجميعهن من الجنسية السورية. ويسجل أن إحدى الضحايا التي قدمت شكوى بحق شريكها بدعم من منظمة كفى قد استحصلت بعد تقديمها الشكوى على إقامة مؤقتة من الأمن العام بناء على وجود دعوى قضائية عالقة، وهو إجراء يقوم به الأمن العام أحياناً حتى في حالات لا تتعلق بالإتجار بالبشر.

 

لم يتبيّن وجود محامين للدفاع عن معظم الضحايا خلال محاكمتهم المشتركة مع من استغلهن، حيث رصدنا تمثيل ثلاث من الضحايا فقط بمحامين خلال مرحلة التحقيق الاستنطاقي أو المحاكمة. فضلاً عن ذلك، تمثلت الضحايا اللواتي ادعين في قضية شبكة "شي موريس" وضحية تقدمت بشكوى اغتصاب واستغلال ضد شريكها بمحامية من قبل منظمة "كفى".

 

وفي القضايا التي صدرت فيها أحكام عن محكمة الجنايات بحق ضحايا الاستغلال الجنسي، تمت معاقبة ضحيتين لممارسة الدعارة تبعاً لتبرئة المتهمين من الإتجار بهن في اثنين منها. فقد اعتبرت المحكمة أن المرأتين لم تقعا ضحية استغلال بل أنهما ترتبطان بعلاقة شراكة في جرم أخلاقي مع المتهمين باستغلاهما، وذلك استناداً إلى مجموعة من الآراء المسبقة التي غيبت كلياً وسائل وظروف الاستغلال دون الاستناد إلى أي معيار علمي أو نفسي. أما في القضايا التي تم فيها الحكم بالإتجار بالبشر، فحكمت المحكمة على إحدى الضحايا بجرم ممارسة الدعارة رغم تثبتها من حصول الاستغلال في حين منعت العقاب عن ضحيتين. ولم يحكم لأي من هؤلاء الضحايا بأي تعويض مقابل الضرر الذي ألحق بهن نتيجة استغلالهن في الدعارة، علماً أن ملاحقة الضحايا قد حال دون اتخاذهن صفة الادعاء الشخصي.

 

  • نشر هذا المقال في عدد | 56 | تموز 2018،  من مجلة المفكرة القانونية. لقراءة العدد انقر/ي على الرابط ادناه:

         هل حقا نريد ردع الإتجار بالبشر؟ هل حقا نريد حماية ضحاياه؟

  • للإطلاع على النص مترجما الى اللغة الإنكليزية يمكنك/ي الضغط هنا

[1]  نزار صاغية وغيدة فرنجية، الدعارة جريمة أخلاقية ام جريمة استغلال؟ قراءة قانونية لقضايا 228 مدعى عليهنّ بجرم الدعارة السرية، منظمة كفى عنف واستغلال، 2013، ص 36