تمتلئ شوارع لبنان بالأطفال المتسوّلين في الشوارع. لكن هل تعلمون أن ذويهم أصبحوا يسجنون لسنوات عديدة بسبب دفعهم إلى التسوّل بعد إقرار قانون الإتجار بالأشخاص في العام 2011؟ هذا ما يتبيّن من دراسة "المفكرة القانونية" لقضايا الإتجار بالبشر من خلال استغلال الأطفال في التسوّل أمام محكمة الجنايات في بيروت. أظهرت هذه الدراسة أن المحاكم تتّجه في قضايا تسوّل الأطفال إلى التشدد في معاقبة ذويهم دون أن تتثبت فعلياً من وجود عناصر الاستغلال أو شبكات تستغل هؤلاء الأطفال، وذلك على عكس التوجه في قضايا الاستغلال في الدعارة حيث عمدت المحاكم غالبا إلى حجب الاستغلال لتبرئة المتهمين. 

 

اطلعنا على 12 حكماً صادراً عن محكمة الجنايات في بيروت بين الأعوام 2016 و2018 بحق 15 متهماً بالإتجار بالأطفال من خلال استغلالهم في التسوّل. صدرت معظم هذه الأحكام غيابياً وخلصت جميعها إلى الحكم على المتهمين بجناية الإتجار بالبشر وسجنهم لآماد تراوحت بين السنتين والخمس عشرة سنة، باستثناء متهم واحد تمّت تبرئته.

وتبيّن أن العديد منهم أدلوا أنهم من عائلات لجأت إلى لبنان هرباً من سوريا واضطرت إلى اللجوء إلى التسوّل أو البيع المتجوّل بهدف تأمين رزقها. بالفعل، معظم المتهمين هم من الجنسية السورية (تسعة رجال وثلاث نساء) فضلاً عن امرأة لبنانية ورجلين من عديمي الجنسية. أما الأطفال، فجميعهم من الجنسية السورية وقد وصل عددهم إلى 20 (14 قاصر وستة قاصرات). وتبيّن أن معظم المتهمين بالإتجار بالبشر هم من ذوي الأطفال (تسعة آباء وثلاث أمهات) أي أنهم يتمتعون بسلطة هرمية وشرعية على الأطفال. ولم يتبيّن وجود مؤشرات كافية على اتخاذ الاستغلال في معظم هذه القضايا طابعاً منظماً إذ حكمت أغلبية هذه الأحكام على شخص واحد، غالباً ما كان من أهل الضحية، وظهر وكأنه يعمل بمفرده (11 حكماً). كما لم يتجاوز عدد الأطفال المستغلين الإثنين في أغلبية القضايا.

 

تغييب الأطفال ووسائل استغلالهم

لم تبحث هذه الأحكام الصادرة عن محكمة الجنايات في وسائل وظروف الاستغلال أو الظروف الاجتماعية والاقتصادية للأطفال وعائلاتهم. لم تتضمن هذه الأحكام، إن كان في سرد الوقائع أو في التعليل القانوني، أي معلومات حول ظروف أو كيفية ممارسة هذا الاستغلال، كأسباب دفع الأطفال للتسوّل والمدة التي عملوا بها وأوضاع العائلة المعيشية ومدى استخدام العنف بحقهم أو حرمانهم من التعليم ومدى وجود شبكة تمارس الجريمة في إطار منظم وتحقق أرباحاً من جراء استغلالهم.

 

بالفعل، لم تبحث معظم الأحكام في مدى توفر العناصر المكونة لجريمة الإتجار بالبشر في قضايا تسوّل الأطفال. ومن أبرز ما أغفلته هذه الأحكام، هو تبيان وسائل الاستغلال المستخدمة بحق الأطفال ضحايا الإتجار بالبشر (كاستخدام القوة او استغلال حالة الضعف أو السلطة الوالدية). فباستثناء حكم واحد تحدث عن قيام المتهة "باستغلال سلطتها الوالدية، خلت سائر الأحكام من أي إشارة إلى ذلك. كما غاب النقاش حول وسائل الاستغلال حتى في الحالات التي لا يرتبط فيها المتهم بالإتجار بعلاقة عائلية مع الضحية، فلم يتضح مثلاً مدى استخدام هذه الوسائل على الطفل أو على والديه.

 

وقد جاء في أحد الأحكام أن عناصر جريمة الإتجار بالبشر متحققة "بمعزل عن استغلال حالة الضعف أو التهديد أو الإرغام"، أي بمعزل عن استخدام الوسائل المنصوص عليها في القانون لكون الضحية قاصرا. ورغم أن القانون لا يفرض تحقق عنصر الوسائل المستخدمة بحق القاصرين من أجل التجريم، إلا أن الاطلاع على هذه الوسائل يساهم في فهم طبيعة الجريمة وفي تحديد المسؤوليات القانونية ومدى وقوع الأطفال ضحية الاستغلال، كما يساهم في تحديد العقوبة المتناسبة بحق المتهمين مع خطورة أفعالهم. وتجدر الإشارة هنا إلى أن القرارات القضائية المتعلقة بالاستغلال في الدعارة بحثت في مدى توفر هذه الوسائل، حتى في الملفات التي كانت فيها الضحايا قاصرات.  

 

بالنتيجة، قدمت هذه الأحكام قراءة قانونية مفصولة تماماً عن الظروف الاقتصادية والاجتماعية التي وقعت فيها الأفعال المسندة إلى المتهمين. وقد تفاقم هذا الأمر من خلال تغييب الأطفال الضحايا من مجمل مسار المحاكمة. فلم يتم الاستماع إليهم في أي من هذه القضايا، إن كان أمام الضابطة العدلية أو قضاة التحقيق والاتهام أو محكمة الجنايات. وقد اكتفت النيابة العامة بتسليم معظم الأطفال إلى مؤسسات اجتماعية، أبرزها بيت الرجاء الإنجيلي في الكحالة الذي تديره المؤسسة الإنجيلية للرعاية الاجتماعية. ولم تتضمن أي من الملفات القضائية تقارير اجتماعية حول أوضاعهم حتى بعد سلخهم عن عائلاتهم وإيداعهم في مؤسسات رعاية. كما لم يتم الاستماع إلى القيمين عن مؤسسات الرعاية أو المساعدين الاجتماعيين الذين تولوا متابعة الأطفال.

 

التوّسع في مفهوم التسوّل المجرّم

أخطر ما تظهره هذه الأحكام هو أنها كلّها أغفلت التحقق من مدى توفر شروط فعل التسوّل الذي يعتبر جريمة وفقاً للقانون اللبناني، مما أدّى إلى توسيع تعريف جرم التسوّل ومعه جرم الاتجار بالبشر من خلال التسول. فقد نصّ قانون العقوبات على معاقبة التسوّل "إما صراحة أو تحت ستار الأعمال التجارية" في حال توّفر شرط أساسي، وهو أن يكون للشخص موارد أو أن يستطيع الحصول على موارد بالعمل.[1] وأهمية هذا الشرط الذي أغفلته الأحكام أنه يسمح بالفصل بين استغلال الأطفال من أجل كسب الأرباح والاسترزاق مع الأطفال بهدف تأمين معيشتهم في حالات الفقر، فيجرّم الأوّل دون الثاني.

 

أما الأحكام التي اطلعنا عليها، فلم يتوقف أي منها أمام الظروف الاقتصادية للمتهمين ولعائلات الأطفال لمعرفة مصادر رزقهم ومدى إمكانيتهم الحصول على موارد العيش وسبب لجوئهم إلى التسوّل. فهذه الأحكام اكتفت بالإشارة إلى أن استغلال الأطفال حصل بهدف "الكسب المادي" أو "المنفعة المالية"، من دون أن يتثبت أي منها من حجم هذه المنفعة أو الأرباح المتحققة من استغلال الأطفال. وما يزيد هذا التوجه قابلية للنقد هو أن معظم المتهمين بالإتجار بالبشر في قضايا التسوّل هم من اللاجئين السوريين في لبنان، الذين يرجح أن يكونوا فقدوا مواردهم بسبب الحرب في سوريا، وهم ممنوعون من العمل في معظم القطاعات في لبنان.

 

وعليه، تكون محكمة الجنايات قد اتجهت في حالات عديدة نحو تجريم ومعاقبة التسول، من دون أن تميّز بين التسوّل بهدف الإسترزاق لتأمين عيش الأطفال، وما يشكل استغلالاً للأطفال بهدف تحصيل أرباح من تسوّلهم.

 

حكم يتيم يبرئ أبا من جريمة الإتجار بولديه: التكرار شرط لقيام الاستغلال

لا نجد ضمن العينة سوى قضية واحدة تتعلق باستغلال الأطفال في التسوّل انتهت في العام 2016 بتبرئة المتهم بالإتجار بالبشر.[2] وقد صدر الحكم وجاهياً بحق المتهم وهو موقوف، بعدما قدّم اعتراضا على حكم غيابي سابق صادر بحقه وخلص إلى تجريمه بجناية الإتجار بالبشر. وكانت الملاحقة قد بدأت في العام 2013 بعد توقيف الأب المتهم في شارع الحمرا وهو بحالة السكر الظاهر وبرفقة ولديه القاصرين (ابنة بعمر التاسعة وابن بعمر الثامنة) وهم يقومون ببيع العلكة.

 

اعتبرت محكمة الجنايات في بيروت برئاسة القاضي محمد خير مظلوم بداية أنه يعود لها تقدير وجود غرض الاستغلال أو عدمه بحسب ظروف القضية وفي ضوء مجمل معطيات الملف. ومن ثم رأت أن المتهم "اصطحب معه يوم إلقاء القبض عليه ولدين قاصرين من أولاده من أجل مساعدته في محله المعتاد بالبيع المتجول، وذلك في يوم عطلة مدرسية، وكانوا يقومون معاً ببيع العلكة،" علماً أن المتهم صرّح بأن أولاده مسجلون في المدارس في طرابلس وأن لديه إعاقة في يده. وعليه، خلصت المحكمة إلى عدم "وجود أدلة كافية على توفر غرض الاستغلال لدى المتهم تجاه ولديه". وبذلك، تكون محكمة الجنايات قد أقرّت في هذا الحكم بوجوب توفر عنصر التكرار أو الدورية في تشغيل الأولاد في التسوّل من أجل ثبوت جناية الإتجار بالبشر، وإن أمكن نقد الحكم لجهة أنه لم ينهض فيه أن المحكمة تثبتت من صحة تسجيل الأولاد فعلاً في المدارس.

 

بأية حال، بقي هذا الحكم يتيماً، ولم تأخذ بشرط التكرار أو الدورية في تشغيل الأطفال، أي من الهيئات الأخرى لمحكمة الجنايات رغم صدوره منذ العام 2016. الأمر الملفت في هذه الأحكام، هو المخالفة التي أبداها أحد القضاة المستشارين في محكمة الجنايات في بيروت، القاضي بسّام الحاج، على حكمين صادرين غيابياً في العام 2017، والتي أصرّ فيهما الحاج خلافا لأكثرية أعضاء المحكمة على وجوب إبطال التعقبات بجرم الإتجار بالبشر "للشك ولعدم كفاية الدليل على توافر عنصر الاستغلال لديه (المتهم) بالإتجار بولده على النحو المقصود بالقانون".

 

ولدى الاطلاع على وقائع القضيتين، يتبيّن أن المتهمين السوريين كانا أوقفا مع ولديهما من قبل دورية أمنية خلال قيامهم بالبيع المتجوّل. أدلى الأوّل بأنه لا يحضّ ابنه على التسوّل، بل أن ابنه اكتفى بالجلوس بالقرب من بعض الأغراض فقط. لكن الأكثرية أعلنت أن لديها الاقتناع الكافي على توّفر عناصر الجريمة، وقد استندت على التعهّد الذي وقعه المتهم أمام قاضي التحقيق بعدم ترك ابنه يتسوّل في الشارع العام وبتحمل المسؤولية في حال تكرار ذلك، معتبرة أن هذا التعهّد يشكل "اعترافا ضمنيا".[3] أما الأب الثاني، فأدلى بأنه لا يستغلّ ابنه في التسوّل، بل أن إبنه رافقه للمرة الأولى خلال قيامه بالبيع المتجوّل بسبب العطلة المدرسية، إلا أن الأكثرية تجاهلت هذا الادعاء على الرغم من أن يوم توقيفهما كان بالفعل يوم عطلة رسمية.[4]

 

  • نشر هذا المقال في عدد | 56 | تموز 2018،  من مجلة المفكرة القانونية. لقراءة العدد انقر/ي على الرابط ادناه:

         هل حقا نريد ردع الإتجار بالبشر؟ هل حقا نريد حماية ضحاياه؟

 

 


[1]  المادة 610 من قانون العقوبات: " من كانت له موارد، او كان يستطيع الحصول على موارد بالعمل واستجدى لمنفعته الخاصة الاحسان العام في أي مكان كان، اما صراحة أو تحت ستار أعمال تجارية، عوقب بالحبس مع التشغيل لمدة شهر على الاقل وستة اشهر على الاكثر.

ويمكن فضلا عن ذلك، أن يوضع في دار للتشغيل وفاقا للمادة الـ 79.

ويقضى بهذا التدبير وجوبا في حالة التكرار."

[2]  الحكم رقم 685 الصادر عن محكمة الجنايات في بيروت تاريخ 18/5/2016 برئاسة القاضي محمد خير مظلوم والمستشارين هاني الحبال وبسام الحاج

[3]  الحكم رقم 216 الصادر عن محكمة الجنايات في بيروت بتاريخ 20/3/2017 برئاسة القاضي محمد خير مظلوم والمستشارين هاني حبال وبسام الحاج (مخالفاً)

[4]  الحكم رقم 405 الصادر عن محكمة الجنايات في بيروت بتاريخ 24/5/2017 برئاسة القاضي هاني الحبال والمستشارين لارا منير وبسام الحاج (مخالفاً)