في 25-7-2018، منح مجلس النواب المصري الثقة لحكومة رئيس الوزراء الجديد مصطفى مدبولي[1]، وذلك بعد مرور ستة أسابيع على أدائها اليمين القانونية أمام رئيس الجمهورية. وأعلن تكتل 25/30 المعارض بالبرلمان، رفضه منح الثقة  للحكومة، ووصف أحد أعضائه أن ما جاء  بالبرنامج في شأن الرعاية الصحية والتعليم "كلام إنشائي".

وقد واجهت الحكومة أثناء مناقشة الموازنة العامة للعام المالي الجديد 2018/2019 انتقادات واسعة بشأن النسب المخصصة لقطاعي الصحة والتعليم على وجه الخصوص. فبرغم زيادة مخصصات وزارة الصحة في الموازنة الجديدة عن الموازنة السابقة بحوالي 7 مليارات جنيه لتصل نحو 61.8 مليار جنيه زيادة عن العام السابق الذي كان 54.9 مليار جنيه[2]، فإن  الدعم الحكومي المخصص لبند التأمين الصحي وشراء الأدوية تناقص بمبلغ 500 مليون جنيه عن العام السابق[3].

وبرغم الزيادة المُقررة فإن نسبة مخصصات الرعاية الصحية بالموازنة لا تتعدى فعليا نسبة 1.7٪؜ من الناتج المحلي الإجمالي المتوقع للعام المالي القادم (2018-2019). وهي النسبة التي تعد أقل من الالتزام الواقع على الحكومة بموجب الاستحقاق الدستوري بنص المادة 18[4] التي تنص على تخصيص نسبة لا تقل عن 3% من الناتج القومي الإجمالي للصحة، تزداد تدريجيًا حتى تتوافق مع النسبة العالمية للإنفاق الصحي والتي تتراوح ما بين 610%.

 

 

مخاوف من استمرار الأزمات

واجهت الرعاية الصحية خلال العامين السابقين عدة أزمات بدأت بنقص لبن الأطفال المدعم، وسيطرة السوق السوداء عليه. ثم أزمة نقص المحاليل الوريدية (محاليل الملح والجفاف والجلوكوز)، على خلفية توقف عدد من الشركات والمصانع الإنتاجية عن التوريد المحلي بسبب زيادة سعر صرف الدولار، وبالتالي تزايد سعرها بنسبة 60%. ثم زيادة أسعار 3 آلاف صنف دوائي من أصل 12 ألف دواء متداول بالسوق المصري مرتين خلال أقل من عامين.  وهو ما  أدى إلى معاناة المواطنين لعدم توفر عدة أنواع من الأدوية  تجاوزت 1650 صنفا دوائيًا من بينها 250 صنفًا دون بدائل[5].

ويثير تراجع مخصصات الصحة بالموازنة التخوف بعد تقليل الدعم المخصص لشراء ألبان الأطفال المدعمة والأدوية الحيوية، وبالتالي استمرار معاناة فئات كثيرة من المواطنين في العلاج والبحث عن الدواء الناقص في السوق المحلي كما تكرر مرارًا خلال العامين الماضيين. وصرح محمود فؤاد، مدير المركز المصري للحق في الدواء لموقع مصراوي "هذا التخفيض يطيح بالآمال التي كنّا ننتظرها للانتهاء من انتهاك الحق في الدواء كحق دستوري ويعرض قطاعات كبيرة من المرضى لحرمانهم من حقهم في الدواء خصوصًا أصحاب الأمراض المزمنة"[6].

 

عدم القدرة على مواجهة التحديات

كما ذكرنا، فإن تراجع مخصصات الرعاية الصحية بهذا القدر لا يكفل الحق في الصحة، كما لا يتناسب على الإطلاق مع حجم التحديات التي تواجه القطاع الصحي في مصر. فطبقًا لتقرير الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء  لعام ٢٠١٦، فإن ٢٧٫٨ % من المصريين فقراء ولا يستطيعون الوفاء باحتياجاتهم الأساسية مما يشمل بالطبع الاحتياجات الصحية [7].

كما كشفت نتائج المسح الصحي القومي لعام 2017 الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء أن 85% من الوفيات في مصر سببها الأمراض غير المعدية كالضغط والسكر والسمنة، وأن 90% من المصريين مهددون بالإصابة بها[8].

كما رصد تقرير صادر عن مؤسسة كوليرز إنترناشيونال أن نصيب المواطن المصري من النفقات الصحية بشكل عام (إنفاق حكومي وخاص) في 2014 بلغ 178 دولار[9]. وقد بلغ نصيب المواطن من الإنفاق عام 2010 126 دولار. وأشار التقرير إلى أن نصيب الفرد من النفقات بشقيه الحكومي والخاص بمجال الرعاية الصحية  ارتفع بمعدل نمو سنوي يبلغ % 8.6 ما بين الأعوام 1995  -2014 . وبرغم النمو الظاهري، إلا أنه في الحقيقة لم يتعدّ 178 دولار في عام  2014، كما أشرنا، مقارنة بأكثر من 1000 دولارفي معظم دول الخليج. فعلى سبيل المثال، بلغت النفقات الصحية لكل فرد في دولة الإمارات العربية المتحدة  1611دولار.

كما أن الإنفاق بمجال الرعاية الصحة المصري، يتذيل معدل الإنفاق عالمياً حيث بلغت النفقات الصحية في سويسرا وهي الأعلى على مستوى العالم 9674 دولار لكل فرد، بينما بلغت 3935 دولار في المملكة المتحدة. واحتلت مصر عام ٢٠١٤ المركز رقم ٩٧ من ضمن ١٤٤ دولة في تحقيق المتطلبات الأساسية من الصحة والتعليم الأساسي، كما جاءت مصر عام 2016 في المركز ١٨٦ من ٢٢٠ دولة من خلال إحصائيات موقع نومبيو المختص برصد رفاهية الدول.

إجمالي الإنفاق الصحي في مصر مقارنة بدول الشرق الأوسط وأوروبا صادر عن مؤسسة كوليرز إنترناشيونال | منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا (مصر) بعنوان " التقرير السابع 2017 قطاع الرعاية الصحية في مصر

 

 سيطرة القطاع الخاص على الرعاية الصحية

بالإضافة لما سبق، يتراجع مستوى المستشفيات التابعة للحكومة وتتردى مستوى الخدمة المُقدمة للجمهور. فقد رصد المركز المصري لحماية الحق في الدواء أن %60 من المستشفيات الحكومية تفتقر للخدمات الأولية للرعاية الصحية، وتشهد نقصًا واضحًا وملحوظًا في الأسرة وأجهزة الأشعة، والأطقم الطبية، ونقصا في الأدوية، مشيرا إلى أن بعض المستشفيات والمعاهد قامت بوضع صندوق خارج المباني لجمع التبرعات لحل تلك الأزمة[10]. وبالتالي، فإن مخصصات الصحة في الموازنة الحالية، لا تكفي للوفاء باحتياجات النظام الطبي، مما يفتح المجال لخضوع المواطنين المصريين للقطاع الخاص رغم معاناتهم من الأزمة الاقتصادية التي تمر بها مصر. واستحوذ القطاع الخاص على معظم حصة سوق الرعاية الصحية في مصر بعام 2014، حيث أنفق حوالي % 62 من إجمالي الإنفاق بقطاع الصحة، في حين يصرف القطاع العام الحكومي % 38 فقط[11].

وهو ما يعني أن استمرار ثبات الإنفاق الحكومي على الصحة عند نسبة متدنية، لا تكاد تصل إلى المعدلات العالمية أو حتى للنسبة الدستورية 3 % من الناتج القومي، يعكس انخفاضا في نصيب الفرد من الإنفاق العام على الصحة، خصوصاً إذا أخذنا في الاعتبار نمو معدلات التضخم بالسنوات الأخيرة وارتفاع أسعار الخدمات الصحية والأدوية. وبالتالي، يضع صحة المواطنين تحت سيطرة المستثمرين وتقلب أهوائهم.

 

خاتمة

 تلعب الموازنة العامة دورًا أساسيًا في إعادة توزيع الدخول لتحقيق العدالة الاجتماعية. ولكن الدولة تفشل حتى اللحظة في تحقيق الالتزام الدستوري الواقع عليها؛ وبالتالي تحقيق الغاية المرسومة للموازنة. وهو ما يفتح المجال  لمجتمع المال والأعمال لسد هذا النقص، وتنامي دوره وتأثيره على الحق في الصحة بصورة متسارعة، بينما لا يرتبط بأية التزامات تجاه توفير ضمانات باستمراره، ومن ثم لا يكون في موقف يمكن فيه محاسبته إذا ما أضر بهذا الحق. وبذات الوقت لا يتمتع غالبية المواطنين بالقدرة على نفقاته، بالتوازي مع ارتفاع معدل التضخم وزيادة الأسعار التي لا تتناسب مع قلة الدخول. وهو ما يجعلنا أمام حقيقة أن الحق في العلاج في طريقه لأن يكون حصريا للأغنياء.

 

 

[1] - خبر بجريدة الحياة نقلاً عن وكالة رويترز بعنوان" مجلس النواب المصري يوافق على منح الثقة للحكومة الجديدة"، 25-7-2018

[2] - أحمد جمعة، مصراوي، " بالتفاصيل.. 7 مليارات جنيه زيادة في موازنة الصحة وخفض دعم الأدوية"، 15-4-.2018

[3] - جاء بيان مخصصات قطاع الصحة كالتالي: 31.6 مليار جنيه للأجور وتعويضات العاملين، و12.4 مليار جنيه لشراء السلع والخدمات، و120 مليون جنيه كفوائد، 5.22 مليار جنيه للدعم والمنح والمزايا الاجتماعية، و1.24 مليار جنيه كمصروفات أخرى، و11.15 مليار جنيه للاستثمارات. وينخفض الدعم الحكومي المخصص للتأمين الصحي وشراء الأدوية بمشروع الموازنة الجديدة والذي بلغ 3.340 مليار جنيه، في حين بلغ 3.828 مليار جنيه بموازنة العام الماضي.

[4] - ينص الدستور المصري في مادته 18 " لكل مواطن الحق فى الصحة وفي الرعاية الصحية المتكاملة وفقاً لمعايير الجودة، وتكفل الدولة الحفاظ على مرافق الخدمات الصحية العامة التى تقدم خدماتها للشعب ودعمها والعمل على رفع كفاءتها وانتشارها الجغرافي العادل.

وتلتزم الدولة بتخصيص نسبة من الإنفاق الحكومي للصحة لا تقل عن 3 % من الناتج القومي الإجمالي تتصاعد تدريجيا حتى تتفق مع المعدلات العالمية.

وتلتزم الدولة بإقامة نظام تأمين صحي شامل لجميع المصريين يغطى كل الأمراض، وينظم القانون إسهام المواطنين في اشتراكاته أو إعفاءهم منها طبقاً لمعدلات دخولهم. ويجرم الامتناع عن تقديم العلاج بأشكاله المختلفة لكل إنسان فى حالات الطوارئ أو الخطر على الحياة.

وتلتزم الدولة بتحسين أوضاع الأطباء وهيئات التمريض والعاملين في القطاع الصحي."

 

[5] - ربيع السعدني "وزير الأزمات".. الخطايا العشر لـ«عماد الدين» بوزارة الصحة"، جريدة التحرير، 9-6-2018 .

[6] - أحمد جمعه، موقع مصراوي، "الحق في الدواء": موازنة الصحة غير كافية ولا تعادل النسبة الدستورية"، 16-4-2018 .

[7] - تقرير بعنوان " أزمة قطاع الصحة ..بين إهمال المستشفيات وضعف الموازنة العامة" صادر عن مركز هردو لدعم التعبير الرقمي.

[8] - " الصحة العالمية: 85% من وفيات المصريين في السنة الأخيرة سببها السكر والضغط"، موقع الفصلة الالكتروني،23-7-2018

[9] - " التقرير السابع 2017 قطاع الرعاية الصحية في مصر"، صادر عن مؤسسة كوليرز انترناشينوال-منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا www.colliers/egypt

[10] - التقرير الصادر عن مركز هردو سابق الإشارة إليه .

[11] - تقرير صادر عن مؤسسة كوليرز إنترناشيونال سابق الإشارة إليه.