يضع رئيس بلدية حوش الرافقة في البقاع الأوسط عادل يزبك ورقة صغيرة فوق مكتبه المتواضع في دكانه الصغير على الطريق العام للبلدة، وفيها ما يسميه "واجبات إجتماعية". يقع الدكان على بعد أمتار من مجرى نهر الليطاني ومياهه السوداء الجارية بروائحها التي تُهجر المواطنين من منازلهم لعدم قدرتهم على تحملها.

تتضمن الورقة جدولاً ببرنامج الأسبوع: الإثنين للتعزية بفلانة. الثلاثاء المشاركة في دفن فلان. الأربعاء ذكرى مرور أسبوع على وفاة جارتنا فلانية. الخميس الذهاب لمواساة المختار بأربعين شقيقته.

يفتح يزبك يديه مستنكراً "مش عم نلحق واجبات تجاه عائلات شهداء السرطان بالضيعة، كتبتهم حتى ما إنسى". رئيس بلدية حوش الرافقة نفسه ضربه القتل بتلوث نهر الليطاني في عقر داره "خطف لي إبني وهو لم يكمل الثالثة والأربعين بعد إصابته بسرطان الرئة، تاركاً لي عائلة من أربعة أفراد. السرطان نفسه الذي يحصد أهالي بلدتي والبلدات المجاورة من حولنا". يقول يزبك أنه لا يلقي التهم جزافا "طبيب إبني المعالج، كما الأطباء الذين يعالجون أهل المنطقة، قالوا لي أنه أصيب بالسرطان نتيجة التلوث الكارثي من حولنا".

إثبات التلوث الكارثي جاء على لسان الدكتور إسماعيل سكرية الذي وثق في العام 2016، عبر دراسة يشرف عليها لصالح الجامعة الأميركية في بيروت، أن نسب السرطان في منطقة حوض الليطاني وتحديدا في حوش الرافقة وتمنين التحتا وبرالياس والقرعون، تراوح ما بين ثلاثة إلى خمسة أضعاف المعدل العام للإصابة بالسرطان في لبنان.

"المفكرة" قصدت سكرية اليوم لاستكمال ما كان أعلنه في عام 2016 كمعطيات أولية وقيد الإستكمال لنتفاجأ بأن الدراسة قد توقفت. لكن لماذا يتم إيقاف دراسة بهذه الأهمية للمنطقة؟ يتوقف سكرية عن الكلام قليلا ثم يقول: "سأكتفي بهذه الجملة الآن: توقفت الدراسة لعوائق محلية لم تكن متوقعة".

وبما أن الدكتور إسماعيل سكرية لم يدل بالأسباب أو الجهات المحلية التي أوقفت دراسة أخرجت معطيات علمية تثبت جريمة الليطاني والمسؤولين عنها في مؤسسات الدولة كافة عن قتل ناس الحوض والحكم عليهم بالإعدام، فإن المفكرة تطرح هذه الأسئلة على الرأي العام والمسؤولين، طالبة التحقيق بهذا الموضوع، وبما حصل وكيف حصل ولماذا؟

 

القتل الجماعي

اللائحة المثبتة فوق رأس رئيس بلدية حوش الرافقة تجدها (وإن ليس بالطريقة نفسها) عند معظم ناس حوض الليطاني الذي يمتد من غربي بعلبك في العلاق، فاصلا كامل البقاعين الأوسط والغربي ليتجمع في بحيرة القرعون، ثم يستأنف مجراه نحو الجنوب. هناك يتسابق أهالي البلدات على المرتبة الأولى في نسب انتشار السرطان "نحن نحتل المرتبة الأولى في نسب السرطان" يقولها كل من يتحدث عن الموضوع، وخصوصا في بلدات حوش الرافقة وتمنين التحتا وبر الياس والقرعون وهي بلدات يلفها الليطاني إما من خراجها أو يعبر بها شاقا أراضيها إلى ضفتين.

يقطع الليطاني في الجنوب أودية العيشية والريحان وسهلي الجرمق والعيشية والخردلي ثم يتابع عبر القاسمية نحو صور. عندما تحل في أي من بلدات حوض الليطاني وتحديدا في البقاع لتسأل عن المختار أو رئيس البلدية أو ناشطين يدافعون عن صحة الناس وحقهم بالبيئة السليمة ثمة احتمال مرتفع أن تجد الناس في الطريق خارجين في دفن أو متجمعين في حسينية أو كنيسة البلدة أو بيت الضيعة لإحياء ذكرى ضحية قتلها السرطان.

القتل بالتلوث يضرب بقوة في منطقة البقاع بالدرجة الأولى. جاءت الإثباتات التي لا يرقى إليها الشك عبر إعلان المجلس الوطني للبحوث العلمية في العام 2016 موت نهر الليطاني بقاعا ومعه بحيرة القرعون نتيجة التلوث المسبب للأمراض، عبر تقرير علمي سلمه المجلس إلى الحكومة اللبنانية.

ويومها، أكدت نتائج التقرير عدم صلاحية مياه الليطاني وبحيرة القرعون لأي نوع من الإستخدام بما فيها الري. كيف يروي المزارعون من نهر لم يبق منه سوى "معجونة" هي خلاصة نفايات 640 مؤسسة صناعية من الفئات الأولى حتى الرابعة ترمي مجاريرها من دون أي معالجة نحو مجرى النهر، ومن بينها نفايات صناعية خطيرة جدا على البيئة وصحة الإنسان.

مع الصناعة، ارتكبت الدولة جريمتها بحق الليطاني عندما حولت، ممثلة بمصلحة مياه البقاع، وبالتعاون مع بلديات المنطقة، كامل شبكات الصرف الصحي لنحو مئة بلدة وقرية في البقاع والجنوب إلى الليطاني ومنه إلى بحيرة القرعون.

إثارة قضية الليطاني التي توالت فصولا مع تخصيص مساحات واسعة لقصص الناس ونسب التلوث ومكامنه وأسبابه أدت إلى إقرار مجلس النواب في خريف 2016 ثلاثة قوانين تخصص ألف ومئة مليار ليرة لبنانية لتنظيف الليطاني وبحيرة القرعون وإنشاء محطات تكرير صرف صحي جديدة وتشغيل الموجودة المعطلة، ومساعدة المؤسسات الصناعية على معالجة ملوثاتها.

 فكيف انعكست هذه القوانين على حياة الناس؟.

يقول رئيس بلدية حوش الرافقة عادل يزبك ومعه مختار تمنين التحتا معروف ياسين ورئيس بلدية بر الياس مواس عراجي، وعضوة مجلس بلدية القرعون د. زينب حمية "لم نر أي عمل على الأرض حتى الآن، لم يتغير شيء". ويروي يزبك ما حصل مع وفد رؤساء البلديات الذي كان في عداده وزار بمعية النائب علي فياض (وهو الذي أطلق حملة الليطاني)، رئيس الجمهورية لإطلاعه على واقع الناس. يومها قال لهم الرئيس العماد ميشال عون "سيكون الليطاني من أولوياتي وسنعالج هذه المشكلة". "وما زلنا ننتظر"، يقول يزيك.

يضيف يزبك أن البلدة سميت بحوش الرافقة لأنها كانت تتمتع بثروة زراعية طائلة. كان أهلها "رافقين  (أي مرتاحين) على أوضاعهم المالية"، يقلبون أراضيهم بثلاثة مواسم زراعية في العام: "نحصد القمح فنبذر الفاصوليا ثم نختم باللفت" وفق يزبك. وعلى هامش المواسم الرئيسية الثلاثة كانوا يزرعون البطاطا ومختلف أنواع الورقيات والبصل وما يكفي أهلها من خضار. لم تكن البلدة التي يبلغ عدد سكانها نحو عشرة آلاف نسمة تغرق في "الفقر أو البطالة". كان الليطاني الذي يشق أرضها نصفين راوياً نحو ألف دونم على الجانبين، فيما كان نبع الغسيل الهادر من أسفل السفري لناحية السلسلة الشرقية يصلها بخيراته قاصداً الليطاني فيروي نحو ثلاثة آلاف دونم دون أن يتأثر تدفقه.

حلّت أواخر التسعينيات وبدأت حوش الرافقة وجارتها تمنين التحتا وأهلهما رحلتهم إلى الموت والفقر والبطالة والأمراض. حوّلت السلطات المعنية في الدولة مجاري البلدات ما قبل الحوش إلى الليطاني من حزين وبريتال والحمودية وطليا وطاريا إلى كامل الشريط في غربي بعلبك وصولاً إلى شمسطار وبيت شاما والعقيدية وحوش النبي وحوش سنيد ثم بدنايل بعد مجارير حوش الرافقة نفسها ومعها تمنين التحتا. وفي حوش الرافقة هناك أربعة معامل تصبّ نفاياتها الصناعية في النهر ومحطتا وقود، فيما ترمي تمنين الفوقا نفايات نحو 15 معمل كبيس وغيره إلى الليطاني.

لجأ الناس إلى الآبار الإرتوازية فخرجت مياها سوداء ملوثة وإن على عمق عشرات ومئات الأمتار، وفق ما يؤكد يزبك "لدي ثلاثة أبار، أقفلت بئرين منهما لأن مياه الأول صفراء والثاني سوداء، أما جيراني فلم يعثروا على بئر نظيفة رغم أنهم حفروا ثلاث". قصة تلوث الأبار يؤكدها الدكتور كمال سليم ل"المفكرة"، "نعم تخرج مياه آبار حوش الرافقة سوداء ملوثة". لا بل أن العديد من الآبار الارتوازية جفت. وكذلك جف نبع الغسيل بكل بركاته على الحوش ومن بعده تمنين، وتحوّل مجراه هو الآخر إلى مكان آسن ومرتع للنفايات والتلوث.

ماتت الأشجار المائية على ضفة النهر على كامل ضفاف الليطاني في قرى البقاع، ومعها القصب و"الحلفا" والأعشاب المائية في حوش الرافقة وفقد الأهالي رياضهم التي كانت تشكل متنفساً في يومياتهم. بدأ الأهالي  رحلتهم في البحث عن مصادر مياه لم يعرفوا أنها ستكون سبباً إضافياً لأمراضهم. فالأرض التي تشبّعت بمياه الليطاني الذي يمرّ في منتصف حوش الرافقة وعلى أطراف تمنين التحتا وبر الياس، أخرجت لهم مياهاً ملوثة حتى من الآبار العميقة.

يقول يزبك إن الماء خرج أسود وبروائح كريهة. لم يعُد نهر الليطاني نهر الخير والبركة بل صار شؤماً تتمنّى البلدات وأهلها الخلاص منه أو حتى وقف عبوره في خراجها. تلك النعمة التي كان ناس الليطاني محسودين عليها صارت نقمة، بكل ما تحمل الكلمة من معنى.

 

تمنين التحتا: ظلم ذوي القربى

ما زالت ذاكرة مختار تمنين التحتا معروف ياسين (72 عاماً) تعج بخبريات الخير عن الليطاني ومزروعات بلدته وحياة ناسها على ضفافه. يعبر الليطاني أرض تمنين ما بين خمسة إلى ستة كيلومترات. كانت "غياض الحور والصفصاف وبساتين التفاح والخضار منتشرة على ضفتيه، وكانت البلدة مشهورة بخضارها الليطانية، وكنا نروي بالجاذبية،(أي من دون اللجوء إلى مضخات) وليس عبر حفر الآبار بل عبر السدود ولا نستعمل حتى مضخات الماء، إلى أن جاءتنا مياه الصرف الصحي لنحو عشر بلدات ومعها نفايات المصانع في أوائل التسعينات".

صار الليطاني مجرى للصرف الصحي. "تلوثت المياه وقتلت الأشجار وكل حياتنا على النهر ومعها صحتنا وصحة أولادنا، وانتهى الليطاني إلى غير رجعة، ولم يعد لدينا أي مياه نظيفة للري"، وفق ياسين. كان الليطاني مشهوراً بأن نبعه من أرضه و"لا يأتينا من منبعه الأساسي، بل كنا نحفر نصف متر إلى متر ونستخرج إنشا إلى ثلاثة إنشات من الماء". غارت الينابيع وتلوثت وانتهت مع المياه الآسنة. انتهت تمنين التحتا كمنتتزه "لا يقل رواده كل أحد عن ألف عائلة ينتشر أفرادها بطول ستة كيلومترات بين الرياض ومن دون كلفة حيث لا منتزهات استثمار".  

لا يقتصر التلوث على الصرف الصحي. يقول ياسين أن هناك 15 معملا للكبيس في تمنين الفوقا التي تعلو شقيقتها التحتا "كانت نفايات المعامل السائلة تأتينا من تمنين الفوقا عبر مجرى الساروط المكشوف حيث كان نبع الحبش يتفجر شتاء ويشق البلدة نحو الليطاني مع السيل". ومع نفايات المصانع لم يسلم الليطاني، وفق يونس، من "جيف الحيوانات ونفايات المسالخ وكذلك بعض النفايات الطبية العائدة للمستشفيات، وما يتم تلفه من مصانع وشركات الأدوية، يعني صرنا مزبلة كل شيء مضرّ".

هناك نسبة عالية من الأمراض في تمنين التحتا "عنا أعلى نسبة سرطان، ونشيع كل أسبوع قتيلا بالسرطان الذي يقتل سبعين في المئة من موتانا" يقول المختار. أسف المختار متشعب "نموت بالسرطان، منعنا إهمال الدولة في معالجة تلوث الليطاني عن استثمار وزراعة نحو سبعة دونمات ونصف نملكها على النهر (حوالي سبعة ملايين و500 ألف متر مربع من الأراضي الزراعية) وانتهت حياتنا على النهر إلى غير رجعة، صرنا نتمنى لو أنه لا يمر بنا".

 

برّ الياس على خريطة الموت العالمية

يقول أهالي بر الياس أن بلدتهم صارت مشهورة بسبب مأساة أبنائها. أدرجت بعض المواقع البيئية العالمية "بر الياس من لبنان" كأحد مناطق القتل في العالم بسبب التلوث "صرنا نقطة حمرا على خريطة عالمية" يقول محمد ضاهر الذي ترك بيته بالقرب من الليطاني، واستأجر غرفتين بعيدا عن مجراه، أملاً بحماية أولاده.

يسمي رئيس بلدية بر الياس مواس عراجي في حديثه ل"المفكرة" انتشار السرطان في بلدته ب "الوباء": "نحن لا نزايد ولا نخيف الناس إذا قلنا أنه من بين كل خمس وفيات هناك ثلاث منها بالسرطان في بر الياس".

بالقرب من منزله الذي يقع على نهر الليطاني مباشرة "أصيبت عائلة مؤلفة من زوج وزوجة وابنتهما بمرض السرطان". يصفهم عراجي ب "الفقراء، لا يمكنهم معالجة أمراضهم ومعاناتهم كبيرة". يقول أن رجلا وامرأة ماتا كذلك مع إبنهما من آل الهندي من مرض السرطان. يقع منزل العائلة المنكوبة على نهر الليطاني أيضاً.

لم يعد الموضوع "استجداء ولا مزحة، على الجميع أن يعرف أن الناس مرضى ويموتون بالسرطان"، يؤكد عراجي، مشيراً إلى أن المسؤولين قالوا أنهم بدأوا تشغيل محطة زحلة لتكرير مجارير القرى  الواقعة في نطاق قضاء زحلة وتم وصل شبكات الصرف الصحي فيها إلى المحطة. "ولكن لا أحد يعرف كم مجرور فالت ولم يتم وصله إلى محطة التكرير ما زال يصب في الليطاني مباشرة ومن دون أي معالجة. يؤكد رئيس بلدية بر الياس أن المزارعين أبلغوه "بوجود ثلاثة مجارير جديدة ترمي نفاياتها السائلة بين بر الياس ومحطة التكرير". وهذه نفايات سائلة تأتي إلى بر الياس مع ما قبلها مما لم يتم تحويله إلى محطة التكرير في زحلة، أي من دون معالجة.

يعرف عراجي الليطاني منذ كان صغيراً "كان يروي عشرة آلاف دونم من الأراضي الزراعية في البلدة". "بعض المزارعين ما زالوا يروون من المياه الملوثة لأنها رزقهم الوحيد، وهذا لا يعطيهم الحق باستعمال مياه الليطاني، ولكن لا يوجد آبار ارتوازية في المنطقة برغم أن المزارعين حاولوا استخراج المياه من الآبار للكف عن استعمال مياه الليطاني". الري بالمياه القاتلة يفرز الخضار في بر الياس إلى صنفين: "الخسة المروية بمياه نظيفة بعيدة عن النهر تباع ب 2500 ليرة لبنانية، فيما تباع المروية بالمياه الملوثة بألف ليرة"، وفق ما يؤكد رئيس بلدية بر الياس. 

يوجد في بر الياس حاليا 18 شخصا مريضا بالسرطان بعدما مات عشرات المواطنين. يقول عراجي أن المرض يضرب جيل الشباب من "عمر 25 وثلاثين عاماً وما فوق، وهو يصيب السيدات في الثدي والرحم ويحرم صبايا من الإنجاب والزواج، هناك مثلاً سيدة ماتت حديثا بالسرطان فيما ابنتها ما زالت حية ترزق لكن مصابة بالمرض نفسه".

تشعر بتعب رئيس بلدية بر الياس من الحديث المستمر عن مأساة بلدته مع السرطان: "بدي أعطي مثلا عن عرق البقدونس الذي لا يتحمل أكثر من 0.001 من المعادن الثقيلة من زئبق وكروم ورصاص، بينما أثبتت دراسة لمصلحة الأبحاث الزراعية في تل عمارة- رياق وجود 42 من هذه المعادن في بقدونس المنطقة، فكيف لا نقتل بالسرطان؟"، يسأل عراجي.

هذه المعادن القاتلة مع ملوثات أخرى تأتي من المصانع على أنواعها ومن الصرف الصحي ومن المبيدات الزراعية والأسمدة المستعملة بكثرة في سهل البقاع الزراعي. ألم يعلن وزير الصحة وائل أبو فاعور في 2016 وجود 45 مبيد ودواء زراعي ممنوع عالميا ولكن يستعمل في لبنان؟ المواد نفسها ما زالت بين أيدي المزارعين.

 

القرعون ترد الصاع صاعين

برغم المصاب الكبير لأهالي قرى وبلدات حوض الليطاني بسبب تلوث النهر، إلا أن القرعون، وبشهادة د. اسماعيل سكرية والمدعومة بالدراسة التي أشرف عليها لصالح الجامعة الأميركية في بيروت، أكدت أن القرعون تتصدر لائحة البلدات المنكوبة بالسرطان في كل لبنان. تبلغ نسبة الإصابة بالسرطان في القرعون أربعة أضعاف ونصف الضعف عما هو سائد في البلاد.

 أهالي بلدة القرعون أنفسهم ردوا الصاع للدولة صاعين في 16 آب 2016 بعد فترة ليست بقصيرة على علمهم ب "المرتبة المأساة" التي حظيت فيها بلدتهم. يومها تنادوا عبر المذياع للتجمع فوق بحيرة القرعون، وتحديدا في المكان الذي تضخ فيه مصلحة مياه الليطاني أنبوبا هو أشبه بنفق إسمنتي بقطر لا يقل عن مترين يحمل المياه الراكدة في قعر البحيرة إلى القناة 900 وردموها. يقول الدكتور كمال سليم، الذي أعد تقرير المجلس الوطني للبحوث العلمية مع زملاء آخرين، ل"المفكرة" أن مياه قعر بحيرة القرعون هي الأكثر تلوثا في كل البحيرة كون المعادن الثقيلة ترقد في الأسفل.

ولذا فإن المياه التي تُضخ إلى القناة 900 وتشق بلدة القرعون بين بيوتها متجهة لري أراضي بلدات البقاع الغربي هي مجرى تلوث ممرض ومتنقل يزرع الروائح الكريهة التي تتسبب بالأمراض السرطانية والتنفسية. كما أن المياه التي تستعمل لري الخضار تقتل الناس عبر ما يتناولونه منه.

يومها، أتوا بجرافة وتحلقوا جميعهم حول الآليات وهي تردم القناة قاطعين المياه، بعدما عرضوا قصصهم مع الموت بالسرطان وارتفاع الإصابات بأمراض جلدية وصدرية شتى نتيجة الروائح والتلوث والحشرات والقوارض التي تحملها مياه الليطاني إلى بيوتهم. ويومها لم تحرك الدولة ساكناً لتحمي منشآت مصلحة مياه الليطاني: "شو بدها تعمل؟ المسؤولين عم يقتلونا وحقنا ندافع عن أنفسنا وفق ما قالوا خلال ردم القناة يومها". والقناة متفرعة من أسفل بحيرة القرعون لتروي حقول بلدات عدة في ابلقاع الغربي.

شاركت د. زينب حمية، التي تزوجت قبل عشرين عاماً إلى القرعون وسكنت فيها، وهي اليوم عضوة في مجلس بلديتها، في الدراسة التي اشتغل عليها رئيس الهيئة الصحية الدكتور اسماعيل سكرية بإشراف الجامعة الأميركية. "اكتشفنا زيادة كبيرة بالإصابة بالسرطان في السنوات الخمس الأخيرة، لدينا نحو سبعين مصابا بالسرطان في البلدة"، تؤكد. توزع حمية الإصابات على "الرئة، وهي النسبة الأكبر، ثم الإمعاء والمعدة والدم، يليها الثدي والرأس". وفق حمية "تبين أن الأسباب مرتبطة بتلوث الليطاني والبحيرة اللذين ترمى فيهما كل نفايات المصانع على مدى عشرين سنة مع المجارير والمبيدات والأسمدة الزراعية".

تسأل حمية عمن يراقب ما هو قانوني وغير قانوني، معتبرة أن مؤسسات الدولة تعلم بكل هذه الأمور "ولا أحد يتحرك". تضيف إلى تلوث الليطاني وبحيرة القرعون الكسارات والمقالع التي تستعمل ذخائر وتفجيرات تؤثر على صحة الناس. قبل عشرين عاما، كان سكان القرعون يشربون من البحيرة والليطاني "اليوم نشتري المياه ولكن لا نعرف إن كانت نظيفة أم لا". وتتوقف عند السموم التي يتناولها أهل البقاع نتيجة ري بعض المزروعات من الليطاني والبحيرة "كله مرتبط بزيادة السرطان ونسبه".

تتحدث حمية أيضاً عن فترة تداخلت فيها مياه الصرف الصحي بشبكة مياه الشفة في البلدة "من وين بدنا نتجنب الأمراض؟" وتختم بالقول "أمننا الغذائي والصحي مفقود ولا نريد من الدولة سوى بدء معالجة جدية وعلمية تضع حجر الأساس للخروج من هذه الكارثة".  

على ضفاف بحيرة القرعون، يرفض صياد الإفصاح عن نفسه. يعمل الرجل في صيد السمك بعد إنجاز عمله في حدادة السيارات "أوقات بتصيّد خمسين كيلو سمك بالنهار". يحمل الرجل صيده ويجول به على قرى وبلدات خارج البقاع الغربي ليبيع منتوجه "أنا ما باكل من سمك البحيرة ولا بطعمي أولادي". لكن ماذا يقول لزبائنه عن مصدر سمكه "بقلهم مزارع مي حلوة".

ليس هذا الرجل وحده. هناك نحو ثلاثين صياداً من بلدة القرعون توقفوا بسبب الحديث عن تلوث الليطاني والبحيرة عن تناول أسماكها. يصطاد هؤلاء ما يساعدهم على إعالة عائلاتهم ويبيعونه خارج بلدتهم "ما بيفوت سمكة وحدة ع بيتي"، يقول شاب يأتي من لالا القريبة من القرعون ليتسلى في صيد السمك، كما يقول "بوزعهن ع أصحابي ومعارفي بس أنا ما ببيع ولا باكل منهن".

 

تلوث الليطاني بالأرقام

ينبع نهر الليطاني، الأطول في لبنان من نبع العلّاق، 10 كيلومترات جنوب غرب بعلبك، ويسير بطول 170 كيلومتراً في الاتجاه الجنوبي الغربي مجتازاً سهل البقاع وبحيرة القرعون قبل أن يصبّ في القاسمية قرب صور في البحر. يمتدّ حوض الليطاني في البقاع على مساحة 1.468 كيلومترا ويضم 99 قرية في أقضية هي بعلبك، زحلة، والبقاع الغربي. يوجد عشرات الآبار و43 نبعاً في حوضه البقاعي. تعدّ الينابيع التي تغذّي الليطاني المساهم الأهم في تدّفقه.  وسجلت دراسات سابقة أن حوالي 263 مليون متر مكعب تتدّفق سنوياً كمعدل متوسط من الينابيع الرئيسية للحوض الأعلى. ويتم تخزين قسم كبير من مياه النهر وروافده من الثلج المتراكم على الجبال المحيطة. معدل التصريف السنوي لنهر الليطاني هو 770 متراً مكعباً. يتم تصريف 75% منها في فصل الشتاء. هذا المعدل غير ثابت ويختلف باختلاف معدل الأمطار، حيث تُسجل أعلى المعدلات في الفصل الرطب وتكون ذروته في شهري شباط وآذار. ويُستمد تدّفق النهر من الجريان السطحي لمياه الأمطار في الشتاء بسبب الجغرافيا الطبيعية للحوض المائي، بالإضافة إلى الينابيع دائمة الجريان.

اليوم، ومع الشح الكبير في الأمطار، نجد بحيرة القرعون في معدلاتها الأكثر انخفاضاً، ولا نجد في نهر الليطاني سوى مياه الصرف الصحي ومعها النفايات السائلة للمصانع. كل هذا يجعل المواطنين غير قادرين على البقاء لدقيقة واحدة بالقرب من مجرى النهر إلا من لا يملك منزلاً آخر أو القدرة على استئجار منزل بعيد.
 نهر الليطاني ملوث في البقاع بمياه الصرف الصحي ل 99 قرية وبلدة والنفايات الصناعية السائلة ل 640 مؤسسة صناعية لا تعالج نفاياتها وترميها مباشرة في النهر. كما ترمي جميع مستشفيات المنطقة نفاياتها الطبية في المكبات العشوائية وعلى ضفاف الليطاني ومعها نفايات المسالخ والمطاعم والملاحم.