ما أن تم الإعلان عن تحرير جرود عرسال، نهاية آب 2017، حتى أسرع سهيل الحجيري نحو أراضي عائلته التي كانت ممنوعة عليهم طوال خمس سنوات من احتلالها من قبل تنظيمي النصرة وداعش. على الطريق العام، وقبل أن يكحل عينيه برؤية ولو شجرة كرز واحدة من نحو ألفي كعب كرز يملكها وأخوته، انفجر لغم أرضي به، ليقلب حياته رأساً على عقب.

تتصدر مدخل بيت سهيل الذي يبلغ 25 عاماً من العمر، صورة شمسية لشاب بهيّ الطلة جعلتها والدته في كادر خشبي بسيط. ستعرف، لمجرد أن تراه ممدداً على سرير طبي وبقربه عكازات، أن الصورة  صورته، برغم الإصابة الواضحة التي طالت وجهه الجميل. في الغرفة المجاورة، ركنت العائلة كرسياً مدولباً لا يرغب سهيل برؤيته. كيف له أن يحب الكرسي المتحرك؟ هو الذي رفض بتر قدمه برغم نصيحة الأطباء، مفضلاً الخضوع لنحو 15 عملية بين كسور وترميم، ليمنح نفسه فرصة السير على قدميه من جديد.

قبل سنوات توفي والد سهيل تاركاً له عائلة مؤلفة من خمسة أفراد يعيلهم. كان يعمل شتاء في مناشر الحجر كعامل مياوم ببدل يومي قد يقتصر على 15 ألف ليرة لبنانية، فيما يهتم صيفاً ببستان عائلته في الجرود. بين أجره اليومي ومردود الكرز الجردي، تحمل سهيل كامل واجباته "ولم يقصّر تجاه أمه وأخوته" كما يحكي عنه أهل عرسال.

عندما فتح عينيه بعد إصابته ليجد نفسه في المستشفى، لم يفكر سهيل بنفسه "قلت مين بده يعيش هالعيلة"، يقول وهو ينظر نحو والدته التي لا ترد عينيها عنه، وكأنها لا تصدق نجاته، فيما استشهد غالبية الذين انفجرت فيهم الألغام في جرود عرسال من عناصر جيش ومزارعين وسوريين.

مع الأزمة السورية، واختناق عرسال بكل ذيولها أمنيا واقتصاديا واجتماعيا، كونها استضافت ثلاثة أضعاف عديد أهلها (120 ألف لاجئ سوري)، شُلت معظم المناشر ومقالع الحجر، وصار سهيل يعمل يوماً إلى يومين في الأسبوع فقط، فيما مُنع، كغيره من العراسلة، عن الجرود، وفيها المصدر المعيشي الأهم الموازي للحجر العرسالي ومقالعه ومناشره.

بالفعل، لم تصل فرحة العراسلة إلى خواتيمها مع تحرير جرودهم وانفراج بلدتهم التي شهدت هدوءا طال انتظاره. ذهب عناصر داعش والنصرة تاركين وراءهم 120 كليومتراً مربعاً ملوثا بالألغام، وفق العقيد الإداري ماري عبد المسيح، رئيسة قسم الإعلام والتوعية من مخاطر الألغام في المركز اللبناني للأعمال المتعلقة بالألغام (العمليات الإنسانية)،. 120 كيلومتر هي نحو 30% من مساحة جرد عرسال البالغة نحو 450 كيلومتر مربع، وتشكل 1/22 من مساحة لبنان.

ومنذ أوائل أيلول بدأت الألغام بتصيّد قاصدي الجرود. بلغ عدد الضحايا نحو 17 ضحية بينهم 13 شهيدا ما بين عناصر للجيش اللبناني (أربعة شهداء) ومزارعين من عرسال (خمسة شهداء بينهم أب وابنه) وأربعة سوريين، فيما بترت أعضاء من معظم الجرحى، والباقي مهدد بإعاقات دائمة.  في المقابل، تتحدث أرقام الجيش اللبناني عن 12 إصابة من بينها خمسة شهداء.

يحتل تلوث عرسال بالألغام ،وهو الجريمة الأحدث بعد عدوان تموز 2006، صدارة الإعتداءات على لبنان وأهله. لم يسبق أن شهدت البلاد تلوثاً بالألغام في منطقة واحدة بهذا الحجم على صعيد المساحة المصنفة خطرة (وليس عديد المجتمع المتضرر)، كما في جرد عرسال.

تقول العقيد ماري عبد المسيح ل"المفكرة القانوينة" أنه كان هناك حوالي  162,083,015  متراً مربعاً ملوثاً بالألغام والقنابل العنقودية والذخائر غير المنفجرة في لبنان. قام المركز بتنظيف ما يقارب 110 كيلومتر مربع من خلال فوج الهندسة وسرايا الهندسة في ألوية المشاة التابعة للجيش اللبناني وبمشاركة المنظمات والجمعيات غير الحكومية الأجنبية والوطنية العاملة تحت إشراف المركز، وبقي 52 كيلومتراً مربعاً ملوثاً(غير جرد عرسال). قتل التلوث بالألغام والقنابل العنقودية والذخائر غير المنفجرة والعبوات الناسفة منذ الحرب الأهلية ولغاية اليوم (379 ضحية بينهم ألفين و873 جريح، معظمهم لديهم إعاقات وحالات بتر، وهناك 918 شهيداً. تم تنظيف ثلثي المساحة الملوثة وبقي نحو 52 كيلومترا قيد التنظيف وذلك قبل تلويث 120 كيلومترا من جرد عرسال، وفق عبد المسيح نفسها.

وحدها القنايل العنقودية التي قذف بها العدو الإسرائيلي لبنان في 2006 تسببت بسقوط 518 ضحية بينهم 450 جريحا (معظمهم أصيبوا بإعاقات) و68 شهيدا بينهم أطفال ومزارعين، وطبعا كلهم من أهالي البلدات الجنوبية.

  من بين الذخائر التي لم تنفجر، يُقدر وجود نحو مليون و200 ألف قنبلة عنقودية لم تنفجر في جنوب لبنان حتى اليوم من أصل أكثر من أربعة ملايين قنبلة عنقودية قصفت بها إسرائيل لبنان في 2006، كما تقول أرقام الجيش اللبناني.

مساحة العمليات في جرد عرسال وحده حددها الجيش اللبناني ب 120 كيلومتراً "سنبدأ المسح أوائل تموز 2018 لمدة ثلاثة أشهر حيث يتم تحديد أماكن الألغام، بعدها نبدأ عمليات التنظيف التي تستمر نحو تسعة أشهر"، تؤكد عبد المسيح.

 

عرسال الضحية أبدا

يعرف القاصي والداني أن عرسال تتصدر قائمة المناطق اللبنانية التي دفعت ثمن الأزمة السورية. في إثر اندلاع الأحداث في العام 2011، كانت عرسال من أوائل البلدات اللبنانية التي فتحت بيوتها للهاربين من الجارة السورية. سوريا نفسها كانت متنفس عرسال التي تركها لبنان عبر التاريخ منسية ومهملة في لحف سلسلة جبال لبنان الشرقية، فأدارت وجهها نحو الداخل السوري وعاش أهلها على مثلث اقتصادي تميزوا به عن بقية بلدات البقاع الشمالي: التجارة الحدودية (المصنفة تهريباً)، تحويل الجرد الواسع إلى واحات بثروة شجرية مثمرة تقارب الأربعة ملايين كعب كرز ومشمش وتفاح، ومقالع الحجر الأجمل في لبنان ومعه المناشر التي تقطع صخور الحجر، وقطاع نقل لم يكن يقل عن مائتي كميون وبيك آب يحملون الحجر العرسالي إلى كل لبنان. لم يكن في عرسال عاطل واحد عن العمل. كانت رئة البقاع الشمالي الاقتصادية ومحركه.

ومع توظيفها في أحداث سوريا انطلاقا ليس فقط من موقفها الأولي المناصر للحراك السوري فقط، وإنما أيضاً من موقعها الذي أجيد استخدامه في الجيوسياسة، تقع  عرسال جغرافياً على مفصلين مهمين على الخارطة السورية: فمن خاصرتها الشمالية، وفد إليها المسلحون الفارون من القصير وريفها وطبعا المدنيون الهاربون من الحرب. ومن مداها الشرقي، شكلت مد وجزر المعارك الدائرة لقاصدي ريف دمشق الذي تفتح عليه من القلمون وبادية الشام. تحولت ميزة عرسال التي يمتد خراجها بطول نحو أربعين كيلومترا من نحو سبعين كيلومتر تشكل الحدود اللبنانية مع سوريا في السلسة الشرقية، إلى نقمة دفع أهلها ثمنها غالياً.

وتحول الوضع في عرسال إلى قنبلة موقوتة ما لبثت أن انفجرت في حرب آب 2014، المحطة التي استولى بعدها عناصر داعش والنصرة على جرودها بشكل نهائي مانعين مزارعيها من الوصول إلى أراضيهم. هنا فقد العراسلة مصادري رزقهم الأساسيين: الزراعة بمداخيلها كإنتاج وفرص عمل، وقطاع الحجر من مناشر ومقالع، وما يرافقه من فرص عمل ومردود مع قطاع النقل.

وإذا كانت الخسائر المادية كبيرة ويمكن تعويضها، إلاّ أن خسائر البلدة البشرية تركت غصة كبيرة في عدد كبير من بيوت عرسال بعدما قُتل نحو أربعين من شبابها، بينما هجّرت لائحة الإغتيالات التي وضعها عناصر داعش والنصرة لبعض أهلها العديد من سكانها في خطوة جديدة على عرسال التي لم تكن تعرف النزوح بالوتيرة نفسها المنتشرة في جاراتها في البقاع الشمالي.

ولم نتحدث بعد عن السوس الذي نخر في جذع علاقة عرسال بجيرانها في البقاع الشمالي، ومنها بلدة اللبوة مدخلها إلى لبنان، وبوابتها من الطريق الدولية بين بعلبك وحمص، وتأثير كل ما حدث على حركة أهلها واستقرارهم بعدما اعتلى عناصر داعش والنصرة تلالها موجهين أحيانا نيرانهم إلى قرى البقاع الشمالي من اللبوة إلى النبي عثمان فرأس بعلبك والقاع والهرمل.

لكن مع إخراج هؤلاء من عرسال، اكتشف العراسلة أن أراضيهم بقيت ملوثة بالألغام.

 

في الجرود

في منطقة شبيب التي تقع في جرد عرسال المنخفض، صمد أبو ربيع، محمد البريدي، شاهداً على ما حدث بعدما بقي العرسالي الوحيد في الجرد طوال فترة الأحداث وسيطرة عناصر داعش والنصرة عليه.

يروي أبو ربيع عن انفجار لغم بآلية تنقل مؤونة لداعش على بعد عشرات الأمتار من منزله على الطريق نحو طاحون الهوا "زرعولهن أياهن النصرة ليحاصروهم". يومها اعتقد العراسلة أنها مجرد حادثة عرضية تتعلق بالتصفيات التي نفذوها ضد بعضهم البعض وبالكمائن التي كانوا ينصبونها فيما بينهم. لم يعرفوا أنهم سيغادرون أراضيهم من دون منح الدولة اللبنانية خرائط للألغام تحمي الناس من جهة عبر تحديد أمكنتها وبالتالي حظرها، وتسهّل مهمة الجيش اللبناني في عمليات التنظيف من جهة ثانية.

وبعدما يعدد  ضحايا الألغام، يطالب أبو ربيع الدولة اللبنانية "بمسح كامل وفعلي لجرد عرسال وتنظيفه، لوقف قتل الناس وتأمين عودة المزارعين إلى حقولهم "، معتبراً أن الجيش اللبناني الذي فرض سيطرته على كامل جرد عرسال "مهدد أيضاً بالألغام، كما العراسلة، وقد سقط له أربعة شهداء"، ليس بعيداً عن منزل أبو ربيع أيضاً.

 

نريد من الدولة أن تعترف بنا

 في طاحون الهوا، فوق "تنية الراس"، النقطة الفاصلة ما بين جردي عرسال ورأس بعلبك، يجلس إسماعيل الفليطي(62 عاماً) على صخرة صغيرة أمام غرفته، بعدما لم يترك له المسلحون شيئا في مزرعته.   

 "كان عمر أشجاري 12 سنة عندما مُنعت من الوصول إليها في الجرد. كنت قد زرعت قبل حرب آب 2014 مائة دونما من الخضار والفاكهة. يومها طُردنا من جردنا وبلغت خسائري 23 مليون ليرة على الأقل".

بقي اسماعيل عاطلاً عن العمل من 2014 ولغاية الآن "صار أولادي يطعمونني". حين تحررت الجرود، أسرع إلى مزرعته ليجد أنهم سرقوا مولد الكهرباء وثمنه عشرة آلاف دولار. لم يجد كعب شجرة مثمرة واحدة "يبست كل مواسمي وماتت أشجاري، فيما تخلعت البيوت البلاستيكية، وأخيراً طلعت لنا الألغام".  

تحولت أشجار إسماعيل التي كانت تعيله وعائلته إلى أكوام يابسة من الحطب "دولتنا تاركتنا" يقول قبل أن ينفعل ويسأل "بدنا نعرف يا إما نحن منسيين ومش متذكرتنا دولتنا، يا إما مش فارق معها حالنا".

استدان إسماعيل الفليطي ليعيد إنعاش مزرعته: "بدنا سبع أو ثماني سنوات لنرجع نستفيد من الشجر ويثمر ويعوض علينا تعبنا" يقول وهو يجول بنظره على الشجر اليابس من حوله "غير تعبي وتعب عائلتي، كانت مكلفتني مياه للري مع مازوت ومواد وعمال وأسمدة ومبيدات وراح كله للكب". الشجر نفسه أطعم إسماعيل موسمين فقط قبل "أن يأتي الدواعش ويمنعوننا عن أراضينا".

بعدما دفع نحو عشرين ألف دولار لإحياء مزرعته، لا يريد الفليطي سوى التعويض على المزارعين خسائرهم في الجرود، وتنظيفها من الألغام: "إذا نحن ما لحقنا ناكل من الأشجار الجديدة بياكلوا أولادنا، بس إذا ما نظفوا الجرد رح نموت نحن وأولادنا".

 

التغطية الصحية لمصابي الألغام

يقول سهيل الحجيري أن وزارة الصحة وافقت على تغطية علاجه بنسبة 100%. لكن المستشفى الذي يعالج فيه يأخذ منه مليون و200 ألف ليرة لبنانية إضافة إلى تغطية الوزارة التي من المفترض أنها تتحمل كامل الفاتورة. عندما راجعت عائلته الوزارة قالوا أن هناك مندوبا لها في المستشفى وهو من يهتم بالموضوع وليس مسموحا للمستشفى تقاضي أي مبلغ إضافي. المندوب نفسه قال لسهيل "ليش دفعت؟ ما تقبل تدفع لهم شي". حاول سهيل الإمتناع عن الدفع فلم توقع المستشفى الموافقة على عمليته. خضع حتى الآن لثماني عمليات وما زال عنده أربع أو خمس عمليات في العظم وخصوصا في قدمه اليسرى بعد إصابته بنحو 12 كسر في القدمين عدا عن الحروق التي توزعت على مختلف جسده.

من أين تأتي بالمال يا سهيل؟ ينظر سهيل نحو الأرض ويقول: "الله بيدبر"، ليضيف "المهم أن يتم تنظيف الجرد لكي لا يكون مصير أهلي وأهل عرسال كمصيري. لقد انفجر اللغم بي على الطريق العام للجرد، فكيف بالحقول؟ نريد حياة طبيعية بعد كل ما عانيناه، لا نريد مزيدا من الموت والإعاقات".